لم يعد الصباح يحمل أي ضمان داخلي عند ألكسندر. ليس لأن الزمن توقف أو اختل، بل لأن فكرة “الصباح” نفسها بدأت تفقد مرجعها الثابت. كان يجلس في الشقة نفسها، الضوء نفسه، الطاولة نفسها، لكن الإحساس بأن هذه العناصر تنتمي إلى “نسخة واحدة من الواقع” لم يعد موجودًا بالكامل.
الكتاب كان أمامه. مغلق هذه المرة.
لم يلمسه منذ دقائق، ومع ذلك كان يشعر بأن وجوده لا يعتمد على اللمس أصلًا.
رن الهاتف.
لم ينظر فورًا. هذه المرة، التأخير لم يكن قرارًا بل اختبارًا داخليًا: هل الرد على المكالمة فعل مستقل أم نتيجة متوقعة مسبقًا؟
أخيرًا أجاب.
الصوت نفسه. هادئ، بلا مقدمات.
“أنت ما زلت تحاول تثبيت التعريف.”
ألكسندر: “أنا لا أثبّت تعريفًا، أنا أراقب نظامًا غير مكتمل.”
“نظام؟”
“نعم. تفاعل إدراكي يعتمد على القارئ.”
صمت قصير.
ثم الصوت قال: “هذا ما قاله كل من قرأ أكثر من اللازم.”
توقف.
“ماذا حدث لهم؟”
“بدأوا يشرحونه بدل أن يعيشوه.”
أغلق الهاتف.
ليس انزعاجًا، بل قرارًا بإيقاف قناة لا تضيف معلومات جديدة.
نظر إلى الكتاب.
ثم فتحه.
الصفحة الأولى ظهرت، لكن هذه المرة لم تكن فارغة، ولم تكن نصًا واضحًا. كانت تحتوي على جملة قصيرة جدًا:
“اسأل ماركوس.”
توقف.
“ماركوس…”
اسم لم يظهر في تجربته المباشرة مع الكتاب من قبل، لكن العقل تعامل معه كأنه “موجود مسبقًا”. كأن الاسم لم يُكتشف الآن بل تم تفعيله فقط.
فتح هاتفه. بحث بسرعة.
“ماركوس فيل.”
ملف علمي، منشورات قديمة، صور قليلة، وجه رجل يبدو مرهقًا أكثر من كونه كبيرًا في السن. متخصص سابق في الإدراك المعرفي. أبحاث توقفت فجأة منذ سنوات.
“إذن هو ليس جزءًا من النظام الإدراكي الحالي… بل خارج نطاقه.”
توقف.
“أو أنه جزء تم عزله.”
أغلق الهاتف.
في تلك اللحظة، شعر بشيء غير متوقع: ليس خوفًا، بل فقدان اتجاه.
ليس لأنه لا يعرف أين يذهب، بل لأنه لم يعد واثقًا أن “الاتجاه” نفسه مفهوم ثابت.
خرج من الشقة.
المدينة في الخارج كانت تعمل كالمعتاد. السيارات، الناس، الأصوات، كل شيء طبيعي بشكل مزعج. لكن ألكسندر لم يعد يثق في كلمة “طبيعي”.
كل شيء أصبح “قابل لإعادة التفسير”.
بعد ساعة، كان يقف أمام مبنى قديم عليه لوحة باهتة: مركز أبحاث إدراكية سابق.
المدخل شبه مهجور.
دخل.
الممرات الداخلية لم تكن متهدمة، لكنها كانت “منسية” بطريقة منظمة. كأن المكان لم يُهجر بل تم إيقاف تشغيله.
تابع السير حتى وصل إلى باب مكتوب عليه:
“وحدة الإدراك المتقدم – مغلق”
دفع الباب.
كان مفتوحًا.
في الداخل، غرفة صغيرة فيها مكتب واحد، أكوام أوراق غير مرتبة، وشاشة قديمة مضاءة رغم عدم وجود كهرباء واضحة.
وعند المكتب… كان هناك رجل.
لم ينظر فورًا. كان يكتب شيئًا على ورق فعلي، بخط يد بطيء، كأنه يخشى أن الكتابة السريعة قد تغير المعنى.
قال دون أن يرفع رأسه:
“كنت أعرف أنك ستأتي.”
ألكسندر: “ماركوس فيل.”
رفع رأسه أخيرًا. عيون متعبة، لكنها ليست فارغة.
ماركوس: “أنت تقرأه الآن، أليس كذلك؟”
توقف ألكسندر لحظة.
“كيف عرفت؟”
ابتسامة قصيرة، غير مريحة.
“لأنك تتحدث عنه كما لو أنه شيء خارجي.”
“وهو كذلك.”
ماركوس هز رأسه ببطء.
“هذا ما كنت أقوله لنفسي في البداية أيضًا.”
صمت.
ألكسندر جلس دون دعوة.
“أحتاج نموذجًا تفسيريًا.”
ماركوس: “لا، أنت تحتاج أن تتوقف عن محاولة تفسيره.”
“هذا غير مفيد.”
“بل هو أول شيء فقدته.”
توقف ألكسندر.
“ما الذي تقصده؟”
ماركوس دفع الورق أمامه.
كان مليئًا بجمل غير مكتملة، معادلات ناقصة، ومحاولات تعريفية تفشل في المنتصف.
“كل من قرأ الكتاب… بدأ يحاول بناء نظام حوله.”
أشار إلى الورق.
“ثم يبدأ النظام بإعادة كتابة من يبنيه.”
ألكسندر: “هذا غير منطقي. لا يوجد نظام يتفاعل بهذه الطريقة دون بنية داخلية مستقلة.”
ماركوس: “بالضبط.”
صمت طويل.
ثم أضاف بهدوء:
“ولهذا أنت ما زلت داخله.”
في تلك اللحظة، شعر ألكسندر أن الجملة الأخيرة لم تكن معلومة جديدة… بل إعادة تعريف لوجوده في اللحظة نفسها.
ولأول مرة، لم يرد.