في أحد دور الأيتام الباردة، حيث الجدران متشققة والأصوات خافتة كأنها تخشى أن تُسمع، كان هناك طفل في العاشرة من عمره.

لم يكن طفلًا عاديًا.

كان جماله خارج حدود الوصف، كأنه لا ينتمي لهذا العالم أصلًا. عيناه… لم تكونا مجرد عينين، بل بدتا كسماء ليلية بلا نهاية، تلتف فيها مجرات بعيدة تدور في صمت غريب، وكأن من ينظر إليهما ينسحب تدريجيًا من واقعه دون أن يشعر.

كان يجلس دائمًا على الأرض، بهدوء ثابت، يرتدي ملابس بسيطة باهتة لا تليق بما يحمله من حضور. ومع ذلك، كل من يمر بجانبه كان يتوقف دون إرادة، كأن شيئًا خفيًا يجبرهم على النظر.

وحين يلتفت إليهم… يبتسم.

ابتسامة صغيرة، هادئة، لكنها كفيلة بأن تُربك القلوب.

ثم يعود إلى كتابه، وكأن شيئًا لم يكن.

الأطفال في الدار لم يكونوا أقل تأثرًا منه مثل الكبار. الفتيات كنّ يقتربن بخجل، يحملن له رسومات أو زهورًا صغيرة، يردن فقط كلمة إعجاب. كان ينظر إليها بلطف ويقول دائمًا بصوت هادئ: "إنها جميلة… لكن ليس بجمالكم."

فتتورد وجوههن، ويتراجعن مسرعات وكأن كلمات بسيطة قد أصابت شيئًا أعمق مما ينبغي.

أما الأولاد، فكانوا يحاولون الاقتراب منه، دعوته للعب، الحديث معه، أي شيء يكسر ذلك الصمت الغريب حوله. لكنه كان يبتسم بنفس اللطف المعتذر ويقول: "أنا آسف… لا أحب اللعب. أنا أحب القراءة فقط."

فيصمتون، ليس رفضًا عاديًا… بل دهشة. ثم يبتعدون وهم لا يفهمون لماذا يشعرون أن هذا الطفل مختلف عن أي أحد آخر.

ومع الأيام، انتشر الخبر.

"طفل استثنائي في دار الأيتام."

لم يعد الأمر مجرد زيارة عادية. في يوم التبني، امتلأت الدار بأشخاص من طبقات مختلفة: أثرياء، مشاهير، ووجوه نافذة، وكأن شيئًا غير مرئي يسحبهم جميعًا إلى نفس النقطة.

وحين دخلوا، حدث الصمت.

كل العيون توقفت عليه.

حتى الهواء بدا وكأنه أصبح أثقل.

بدأت الهمسات تتحول إلى جدال، ثم إلى تنافس شبه محموم. كل واحد يريد أن يكون هو من "يأخذه". لم يكن الأمر منطقياً… كأن رغبة التملك سُكبت في قلوبهم دفعة واحدة.

لكن كل ذلك توقف فجأة.

حين دخلت عائلة واحدة.

كانت من بين ثلاث أغنى عائلات في البلاد، لكن حضورهم لم يكن مجرد ثراء… بل سلطة. رجال حراسة، ملابس فاخرة، وخطوات واثقة جعلت الجميع يفسح الطريق دون تفكير.

تقدمت امرأة منهم أولًا. اقتربت من الطفل بسرعة غير متوقعة، وانحنت نحوه، ثم أمسكت خده برقة مبالغ فيها وهي تحدق في عينيه وتصرخ بحماس: "كياااه… يا له من طفل جميل وظريف! ماذا تقول يا عزيزي؟ هل تأتي معنا؟ هل نصبح عائلتك؟"

ابتسم الطفل بهدوء، وقال: "نعم."

في تلك اللحظة، كأن شيئًا انفجر في داخلها من شدة اللطف، وارتفعت أصوات إعجاب من حولهم.

لكن الرجل بجانبها عقد حاجبيه وقال ببرود: "لا يبدو قويًا. هزيل. ليس فيه شراسة. يبدو كطفل مدلل… لا يصلح ليكون وريثًا."

تجمدت المرأة، ثم التفتت إليه ببطء، ابتسامة ثابتة لكنها حادة، وهمست من بين أسنانها: "ماذا قلت؟"

ارتبك فورًا، ورفع يديه معتذرًا: "لا… أقصد أنه مناسب جدًا! ظريف… بل ظريف للغاية!"

ضحكت، وعادت ملامحها كما كانت، وكأن شيئًا لم يحدث.ثم التفت الحراس وأبعدوا الجميع بسرعة، وكأن إرادتهم لا تقاوم أمرها.

ثم نظرت إلى الطفل مجددًا وقالت بلطف: "هل تحب أن تأتي معي؟ ستكون طفلي العزيز."

أومأ الطفل بابتسامة هادئة: "نعم."

صرخة خفيفة خرجت منها دون وعي، وكأن اللطف كان أكثر مما تستطيع تحمله، بينما احمر وجه الرجل بجانبها بصمت محرج.

أخذوه.

وفي الطريق، أخرجت المرأة قطع حلوى صغيرة ووضعتها في يده قائلة: "تفضل، كلها… أنا جيدة."

نظر إليها الطفل، ثم أخذها بهدوء وقال: "شكرًا… يا أمي."

في تلك اللحظة، ارتجفت المرأة، وتوقفت للحظة دون سبب واضح. جسدها ارتخى فجأة وكأنها فقدت وعيها.

"عزيزتي!" صاح زوجها وهو يهزها.

وبعد أن استعادت وعيها، وضعت يدها على صدرها وهمست لنفسها: "ما هذا الطفل…؟ هذا مستحيل… لا يمكن أن يكون طبيعيًا."

لكنها لم تتراجع.

بل أمسكت يده بقوة أكبر.

وأكملت الطريق.

لم تكن تعلم أنها لم تأخذ طفلًا إلى منزلها…

بل شيئًا آخر.

شيئًا لم يكن ينبغي أن يُلاحظ أصلًا.

شيطان، ارتدى وجه البراءة… لينتظر اللحظة التي يستيقظ بها ويسير وفق رغباته المكبوتة.

2026/04/16 · 7 مشاهدة · 622 كلمة
killer
نادي الروايات - 2026