استند جاسبر بظهره إلى عرشه العاجي، ولم يكن ينظر إلى الخرائط العسكرية الملقاة أمامه بغطرسته المعتادة، بل كان يحدق في انعكاس وجهه على نصل سيفٍ محطَّم.

كانت الهالات السوداء تحت عينيه أعمق من أن تكون أثر ليلة من طقوس السحر الأسود؛ لقد كانت أثر سنواتٍ من الحروب، واجتماعاتٍ لا تنتهي، وتقاريرٍ لا تنفد، وبأبطالٍ يقتحمون قصره في أكثر الأوقات إزعاجًا.

منذ قرون وهو يحمل لقب سيد الظلام .

أقوى ساحر في القارة.

الحاكم الذي ترتجف الممالك لمجرد سماع اسمه.

ومع ذلك...

لم يكن أكثر ما يكرهه هو الأبطال .

بل الاجتماعات .

ضجّت قاعة العرش بالأصوات.

"مولاي، الفيلق السابع يطالب بتعزيزات!"

"مولاي، المنجنيقات جاهزة، لكنها تحتاج إلى شحمٍ إضافي!"

"مولاي، الجواسيس ينتظرون إشارة الهجوم منذ أسبوع، وقد نفد طعامهم."

"مولاي، المملكة الشمالية تحشد قواتها!"

"مولاي، تقرير الإمدادات يحتاج توقيعك قبل الغروب."

امتدت الخرائط فوق الطاولة الطويلة كأنها تريد ابتلاع القاعة، بينما تبادل القادة الاتهامات، وارتفعت أصوات الوزراء حتى بدا وكأن الحرب اندلعت داخل غرفة الاجتماعات قبل أن تبدأ خارجها.

أما جاسبر...

فكان يحدق في

الفراغ

.

تنحنح رئيس الوزراء بحذر.

"مولاي... هل نبدأ الاجتماع؟"

لم يرفع جاسبر رأسه.

بل سأل بهدوء:

"كم اجتماعًا حضرت هذا الأسبوع؟"

ارتبك الرجل.

"... اثنين وعشرين."

"وهذا؟"

"... الثالث والعشرون."

أغمض عينه من جديد.

وقال بصوت خافت:

"ألغوه."

ساد الصمت.

ضحك أحد الجنرالات ظنًا أنها مزحة.

لكن عندما لم يضحك جاسبر...

اختفت ابتسامة الجنرال فورًا.

رفع وزير المالية ملفًا ضخمًا حتى كاد يسقط من ثقله.

"مولاي... هذا تقرير ميزانية الجيش."

فتح جاسبر عينًا واحدة.

"كم صفحة؟"

"... خمسمئة وثلاث عشرة."

أغمض عينه من جديد.

"..أحرقه ."

شهق الوزير.

"لكنه النسخة الوحيدة!"

"إذن اختفت المشكلة."

ساد صمتٌ أثقل من السابق.

نظر الوزراء إلى بعضهم بعضًا، ثم قرروا تجاهل ما حدث.

تقدم قائد الجيش خطوة.

"مولاي، المملكة الشمالية على وشك إعلان الحرب."

"فلتفعل."

"... لكنها ستهاجمنا."

"عندما تفعل..."

رفع جاسبر رأسه لأول مرة.

"... أخبروني حينها.."

"... وماذا سنفعل حينها؟"

أجاب بلا أي تعبير:

"سأكون قد انتهيت من إجازتي."

تجمد الجميع.

"إ... إجازة؟"

في تلك اللحظة، رفع جاسبر يده.

لم ينطق بتعويذة.

ولم يستدعِ وحشًا أسطوريًا.

كل ما فعله هو وضع ختمه السحري على الطاولة.

اهتزت القاعة.

وانطفأت المشاعل للحظة.

فساد الصمت.

ثم قال بجملة واحدة، وكأنه يعلن حقيقة لا تقبل النقاش:

"أنا في إجازة مفتوحة."

سقطت الملفات من يد رئيس الوزراء.

وتراجع قائد الحرس خطوة.

أما وزير المالية...

فسقط مغشيًا عليه.

نظر إليه جاسبر.

"خذوه إلى الطبيب."

قال أحد الوزراء بقلق:

"مولاي... طبيب القصر استقال الأسبوع الماضي."

رفع جاسبر حاجبه.

"

لماذا؟"

"... قال إن ضغط العمل لا يُطاق."

أومأ جاسبر بتفهم.

"رجل حكيم."

ازدادت الفوضى.

"مولاي! لا يمكنك الرحيل!"

"الإمبراطورية ستنهار!"

"من سيقود الجيوش؟"

" ومن سيوقّع التقارير؟"

"ومن سيواجه البطل المختار؟"

تنهد جاسبر طويلًا.

"لهذا السبب تحديدًا..."

أسند ذقنه إلى كفه، ونظر إليهم بعينين ميتتين.

"أنا في إجازة."

"لقد سئمت."

"سئمت من الاجتماعات."

"سئمت من التقارير."

"وسئمت من كون كل مشكلة في هذه الإمبراطورية تتحول بطريقة ما إلى مشكلتي."

أشار إلى وزير المالية .

"نفدت ميزانية الخيول."

ثم إلى قائد الجيش .

"تأخر وصول الشحنات."

ثم إلى رئيس الوزراء .

"أحد النبلاء تشاجر مع زوجته."

تنهد.

"وفي النهاية... الجميع يقول: أخبروا جاسبر."

ساد الصمت.

ثم أضاف بنبرة هادئة:

"حتى البطل المختار لا يحترم خصوصيتي."

قطب رئيس الوزراء حاجبيه.

"... ماذا تقصد يا مولاي؟"

"في الأسبوع الماضي..."

توقف قليلًا.

"... اقتحم أحدهم نافذة غرفة نومي في الثالثة فجرًا."

قال قائد الجيش بفخر:

"لكننا قتلناه!"

نظر إليه جاسبر بلا مبالاة.

"النافذة ما زالت مكسورة."

ساد الصمت...

ثم أنزل الجميع رؤوسهم في خجل.

لأول مرة في التاريخ...

شعر وزراء إمبراطورية الظلام بالذنب بسبب نافذة.

وقف رئيس الوزراء فجأة، حتى كاد الكرسي يسقط خلفه.

"مولاي! أرجوك أعد التفكير!"

رفع جاسبر نظره إليه ببطء.

"فكرت."

"لكن... الإمبراطورية!"

"ما زالت موجودة."

"الجيوش!"

"ما زالت موجودة."

"الأعداء!"

"ما زالوا موجودين."

تردد الوزير للحظة، ثم قال بصوت يكاد ينهار:

"... وأنت؟"

تنهد جاسبر.

"أنا... لم أعد موجودًا."

ساد الصمت.

كانت تلك أول مرة يرون فيها سيدهم يبدو مرهقًا حقًا.

ليس جريحًا .

ولا غاضبًا .

ولا غارقًا في السحر .

بل... متعبًا .

أخرج من جيبه مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا، وألقاه على الطاولة.

رنّ المفتاح بين أكوام الأوراق.

"هذه مفاتيح الخزانة الملكية."

ثم خلع خاتم الحكم من إصبعه ووضعه بجانبه.

"وهذا ختم الإمبراطورية."

اتسعت عينا رئيس الوزراء.

"مولاي... ألا تخشى أن يسرقه أحد؟"

نظر جاسبر إلى القاعة الممتلئة بأقوى القادة والسحرة في القارة.

" إذا كنتم تعجزون عن حراسة خاتمٍ فوق طاولة."

أشار إلى الخرائط.

"... فكيف كنتم تخططون لغزو سبع ممالك؟"

لم يجرؤ أحد على الرد.

تقدم قائد الحرس بخطوات مترددة.

"مولاي... كم ستدوم الإجازة؟"

حمل جاسبر حقيبته الجلدية الصغيرة.

"لا أعلم."

"شهر؟"

هز رأسه.

"سنة؟"

هز رأسه مرة أخرى.

"... عشر سنوات؟"

فكر جاسبر قليلًا.

"لا تستعجل."

بدأت ملامح الرعب ترتسم على الوجوه.

رفع وزير المالية يده المرتجفة.

"مولاي... وماذا نفعل إذا ظهر البطل المختار؟"

أجاب جاسبر دون تردد:

"قدّموا له الشاي."

"... ثم ماذا؟"

"انتظروا حتى يمل."

"وإذا لم يمل؟"

"... قدّموا له قطعة كعك."

لم يعرف أحد إن كان يمزح.

والمشكلة...

أن جاسبر لم يكن يبتسم.

اقترب رئيس الوزراء مرة أخيرة.

"مولاي... هل هذه أوامر رسمية؟"

تنهد جاسبر.

"

حسنًا

."

اعتدل في وقفته، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت أعاد هيبته إلى القاعة كلها:

"بصفتي سيد الظلام، والحاكم الأعلى للإمبراطورية، والقائد العام للجيوش..."

توقفت الأنفاس.

"... أعلن بدء

إجازتي

."

ساد صمت ثقيل.

ثم أضاف:

" وأمنع أيَّ شخصٍ من إفسادها."

لم يجرؤ أحد على الاعتراض.

فهذا أول أمر ملكي في التاريخ...

يُلزم الجميع بعدم إزعاج الحاكم.

استدار جاسبر نحو الباب الضخم.

التقط حقيبته.

لم تكن بداخلها مخطوطات محرمة.

ولا أسلحة أسطورية.

بل ملابس قطنية بسيطة، كتابان اشتراهما منذ خمسين عامًا ولم يجد وقتًا لقراءتهما، وكيس صغير من حبوب القهوة.

توقف أمام الباب للحظة.

ألقى نظرة أخيرة على العرش.

ذلك العرش الذي خاض من أجله مئات الحروب...

والذي جلس عليه قرونًا دون أن يغادره يومًا بإرادته.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

"أخيرًا..."

ودفع الباب.

انفتح الباب الحجري ببطء، وتسللت أشعة الشمس إلى القاعة المظلمة لأول مرة منذ ساعات.

ثم خرج جاسبر.

وأُغلق الباب خلفه.

أما داخل القاعة...

فلم يتحرك أحد.

وبعد دقائق من الصمت، رفع وزير المالية رأسه وسأل بصوت خافت:

"... هل انتهى الاجتماع؟"

نظر إليه رئيس الوزراء طويلًا...

ثم قال:

"لا..."

"... لقد انتهت الإمبراطورية كما كنا نعرفها."

يتبع...

إذا أعجبكم الفصل، اتركوا تعليقًا... فحتى أعظم شرير يحتاج إلى بعض التشجيع أثناء إجازته.

عندما يقرر أعظم شرير في التاريخ أن يأخذ إجازة... لكن أتباعه لديهم رأي آخر. (حاولت أوصل لكم الصورة التقريبية لهم) أتباعه متنوعين

الشرير: أنا في إجازة.

أتباعه: 😭😭😭

2026/07/20 · 34 مشاهدة · 1034 كلمة
Vani
نادي الروايات - 2026