كان الطريق هادئًا على نحوٍ لم يعتده جاسبر.

لأول مرة منذ قرون، لم يكن خلفه جيشٌ يزأر، ولا أمامه موكبٌ ملكي، ولا تحلق فوق رأسه غربانٌ سوداء تحمل أخبار الحروب.

كان يسير... وحده.

وحقيبته الجلدية الصغيرة تتأرجح في يده.

توقف فجأة.

أنزل بصره نحو الحقيبة.

ظل يحدق بها لثوانٍ.

منذ متى كان يحمل أمتعته بنفسه؟

اعتاد أن تُحمل حقائبه قبل أن يفكر في حملها، بل إن خدم القصر كانوا يتنافسون على شرف السير خلفه.

أما الآن...

فلم يكن حوله أحد.

تنهد تنهدًا خافتًا.

"هذه هي الإجازة إذًا."

وتابع سيره.

عندما وصل إلى أطراف القرية، استقبله طريقٌ مرصوف بالحجارة القديمة، تصطف على جانبيه منازل خشبية صغيرة، تتصاعد من مداخنها خيوطٌ رقيقة من الدخان.

كانت رائحة الخبز الطازج تعبق في الهواء، تمتزج بعبير الأزهار البرية.

لم يكن المكان يشبه أي مدينة فتحها في حياته.

بل بدا... هادئًا على نحوٍ يثير الريبة.

وقبل أن يخطو خطوة أخرى...

ارتطم به شيءٌ صغير.

تراجع ذلك الشيء إلى الخلف وهو يفرك جبهته.

كان صبيًا لا يتجاوز التاسعة من عمره، بشعرٍ أشقر منفوش، كأنه استيقظ لتوه من معركة مع وسادته، وعينين زرقاوين واسعتين لا تعرفان الخوف، وعلى وجهه ابتسامة بريئة تكاد تكون بلهاء.

رفع رأسه، وأخذ يتأمل جاسبر من أخمص قدميه حتى قمة رأسه.

طال الصمت.

ثم قال وهو يحدق فيه وكأنه اكتشف حقيقةً عظيمة:

"أنت طويل جدًا!"

...

رمش جاسبر مرة واحدة.

كان قد سمع في حياته أوصافًا كثيرة.

"الطاغية."

"سيد الظلام."

"كارثة البشرية."

لكن...

"طويل."

كانت هذه أول مرة.

ابتسم الطفل ابتسامة بلهاء.

ثم صاح بأعلى صوته:

"أيها الجميع!"

استدار نصف أهل الشارع إليه.

"انتقل إلى حينا رجل عملاق!"

ثم ركض وهو يلوح بذراعيه.

"..."

ظل جاسبر ينظر إليه حتى اختفى.

ثم تمتم:

"... الأطفال أغرب من الشياطين."

وقبل أن يكمل طريقه، دوّى صوتٌ ناعم بجواره.

"مياااو..."

التفت.

كانت قطة صغيرة تجلس فوق سورٍ حجري.

فراؤها أبيض ناصع، تتخلله بقع رمادية عند الأذنين والذيل، وعيناها بلون السماء بعد المطر.

قفزت بخفة، وهبطت أمامه.

حدقت فيه لحظة وهي تطلق مواءً رقيقًا متواصلًا.

تجمد جاسبر.

نظر إليها.

ثم إلى خلفه.

ثم عاد ينظر إليها.

في حياته كلها...

لم يجرؤ تنينٌ في حياته على الاقتراب منه بهذا الاطمئنان... فضلًا عن التحديق في عينيه.

أما هذه القطة...

فتتصرف وكأنها تعرفه منذ سنوات..

حاول أن يبتعد.

فتبعته.

توقف.

فتوقفت.

سار مرة أخرى.

فسارت خلفه وهي ترفع ذيلها بسعادة.

زفر ببطء.

"... لا."

أجابت القطة بمواءٍ قصير، وكأنها تقول:

"بلى."

وقف أخيرًا أمام منزله الجديد.

كان منزلًا صغيرًا، بسقفٍ أحمر، وبابٍ خشبي قديم ظهرت على أطرافه آثار الزمن وشجرة تفاح تقف بجواره.

أخرج المفتاح من جيبه.

أدخله في القفل.

لفه.

لم يتحرك.

حاول مرة أخرى.

ثم ثالثة.

وأخيرًا...

استعمل كل ما بقي لديه من صبر.

لكن الباب بقي مغلقًا.

وفي تلك اللحظة، انفتح باب المنزل المقابل.

خرج رجل ممتلئ القامة، يرتدي مئزرًا أبيض تغطيه آثار الدقيق، وتحمل يداه سلة مليئة بأرغفة الخبز الساخنة.

كانت ابتسامته عريضة، وصوته أعلى من اللازم.

ضحك وهو يقترب.

"هاهاها! يبدو أنك تحاول فتح الباب."

نظر إليه جاسبر بصمت.

ربّت الرجل على كتفه بحماس، حتى اهتز جسده قليلًا.

"لا تقلق، الجميع يخسر معركةً أمام هذا الباب في يومه الأول."

أخذ المفتاح من يد جاسبر دون استئذان.

لف المفتاح مرتين.

دفع الباب بركبته.

طَق.

فانفتح على الفور.

ناول المفتاح إلى جاسبر وهو يبتسم.

"القفل ليس معطّلًا."

"إنه فقط... عنيد."

ثم مد يده مصافحًا.

"اسمي برونو."

"خباز الحي."

وأشار بإبهامه إلى المخبز القريب.

"إذا احتجت إلى خبز ، أو حتى أردت أن تشكو من هذا الباب اللعين... فستجدني هناك."

ظل جاسبر ينظر إلى اليد الممدودة أمامه.

صافحه أخيرًا.

وقال بهدوء:

"جاسبر."

ابتسم برونو ابتسامة أوسع.

"تشرفت بمعرفتك يا جاسبر."

يومئ جاسبر برأسه.

كانت تلك أول مرة منذ قرون يصافح فيها شخصًا دون أن يكون اجتماعًا سياسيًا أو إعلان استسلام.

....

أغلق جاسبر الباب خلفه، واستند إليه للحظة.

ساد المنزل صمتٌ عميق.

لا صراخ وزراء.

لا تقارير.

لا فرسان يقتحمون القصر.

ولا رسول يركض صارخًا:

"مولاي! لقد ظهر البطل المختار!"

تنفس بعمق.

كانت هذه أول مرة منذ قرون يشعر أن العالم... بعيدٌ عنه.

ألقى حقيبته بجانب الأريكة الخشبية، وجال بنظره في المنزل.

كان بسيطًا...

وبدا وكأنه لم يستقبل ساكنًا منذ زمن.

غطت طبقةٌ رقيقة من الغبار الطاولة والرفوف، بينما تدلت خيوط العنكبوت في زوايا السقف، تتمايل مع نسيمٍ خفيفٍ تسلل من النافذة.

أريكة خشبية قديمة.

طاولة صغيرة.

نافذة تطل على الحديقة، تقف خلفها شجرة تفاح كبيرة، تتسلل أشعة الشمس من بين أغصانها لتخترق الغبار العالق في الهواء.

وموقدٌ حجري في الزاوية، باردٌ كأنه لم تُشعل فيه نار منذ سنوات.

خلع معطفه الأسود، وعلقه على علاقة خشبية قرب الباب.

حينها فقط...

ظهر مظهره الحقيقي بعيدًا عن هيبة العرش.

كان طويل القامة، تتجاوز قامته المتر والتسعين بقليل، بجسدٍ رياضي صقلته قرونٌ من القتال.

انسدل شعره الأسود الطويل حتى منتصف ظهره، تتخلله خصلات فضية قليلة، بينما كانت عيناه الحمراوان قد فقدتا بريق الحرب، وحلّ مكانه إرهاقٌ هادئ.

أما ملامحه الحادة، فلم تكن مخيفة بقدر ما كانت باردة.

ورغم برودة ملامحه، امتلك وسامةً هادئة يصعب تجاهلها، أشبه بسيفٍ صُقل بإتقان حتى بدا جميلًا... وخطيرًا في الوقت نفسه.

وجه رجلٍ اعتاد أن يأمر... فيُطاع.

ارتدى قميصًا قطنيًا أبيض، وسروالًا أسود بسيطًا.

نظر إلى نفسه في المرآة.

"..."

ثم قال بهدوء:

"أبدو كإنسان."

حدق في شعره الطويل.

لم يقصه منذ...

لم يعد يتذكر.

لمس إحدى خصلاته.

ثم تمتم:

"سأؤجل الأمر."

أطفأ المصباح.

واستلقى على السرير.

ولم تمضِ دقائق...

حتى غلبه النوم.

منتصف الليل.

...

طَق...

فتح جاسبر عينيه في اللحظة نفسها.

لم ينهض.

ولم يتحرك حتى.

ظل مستلقيًا، وعيناه الحمراوان تحدقان في سقف الغرفة المظلم، بينما أنفاسه هادئة على نحوٍ اعتاده في ساحات القتال.

...

.-خدش-

تردد الصوت مرة أخرى.

هذه المرة...

من داخل المنزل.

ضاقت عيناه ببطء.

لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه كان كافيًا ليوقظ غريزةً دفنها منذ سنوات.

الاغتيال.

كم مرة استيقظ على خنجرٍ يهبط نحو عنقه؟

وكم مرة انتهى الليل بجثةٍ جديدة على أرض قصره؟

أنزل قدميه إلى الأرض الخشبية بصمتٍ تام، حتى إن ألواحها القديمة لم تُصدر صريرًا.

امتدت يده تلقائيًا نحو المكان الذي اعتاد أن يضع فيه سيفه...

ثم توقفت في الهواء.

...

لا سيف.

تذكر.

لقد تركه في القصر.

ولا سحر.

ولا تعاويذ.

ولا حتى خنجر احتياطي.

ولا أي وسيلة اعتادها طوال قرون.

زفر بهدوء، وأخذ يبحث بعينيه في الظلام.

فوقعتا على...

مقشّة خشبية.

ظل يحدق فيها طويلًا.

...

قبل يومٍ واحد...

كنت أقاتل ملوك التنانين.

واليوم...

سأقتحم معركةً بمقشّة.

أمسكها من المقبض، ولوّح بها في الهواء بحذر.

ثم تمتم بوجهٍ خالٍ من التعابير:

"لقد انحدرتُ كثيرًا."

تقدم بخطواتٍ صامتة عبر الممر.

كانت المقشّة تصدر صريرًا خفيفًا كلما قبض عليها بقوة، وكأنها هي الأخرى غير مقتنعة بأنها أصبحت سلاحًا.

ثم...

طَق.

صدر الصوت مجددًا.

من المطبخ.

توقفت خطواته.

لو كان هذا أحد الأبطال...

فهو أشجعهم أو أغباهم.

رفع المقشّة كما لو كانت سيفًا أسطوريًا.

وأخذ نفسًا عميقًا.

حتى عقارب الساعة القديمة بدت وكأنها حبست صوتها.

ثم فتح الباب دفعةً واحدة.

"من هناك؟!"

...

ثم جاءه الجواب.

"مياااو."

رمش جاسبر.

كانت قطةٌ صغيرة تجلس فوق الطاولة بكل هدوء، يكسوها فراءٌ أبيض ناصع تتخلله بقعٌ رمادية عند الأذنين والذيل، بينما انعكس ضوء القمر على عينيها الزرقاوين حتى بدتا كبحيرتين صغيرتين.

وأمامها...

سمكةٌ مجففة، لا يعلم من أين جاءت بها.

كانت تأكل ببطءٍ واطمئنان، وكأنها صاحبة المنزل، وهو الضيف الذي اقتحم عليها العشاء.

رفعت رأسها أخيرًا.

حدقت إليه لثوانٍ.

ثم أطلقت مواءً قصيرًا.

"مياو."

اتسعت عينا جاسبر قليلًا.

"... أنتِ."

إنها القطة نفسها التي لاحقته منذ دخوله القرية.

ظل ممسكًا بالمقشّة كما لو كانت سلاحًا أسطوريًا.

أما القطة...

فلم تبدُ منبهرة بذلك إطلاقًا.

قفزت من فوق الطاولة بخفة، ومشت نحوه بخطوات واثقة، وذيلها منتصب في الهواء، وكأنها تتجول داخل منزلها.

توقفت أمامه.

ثم أطلقت مواءً آخر.

"مياو."

أنزل جاسبر المقشّة ببطء، وأطلق زفرةً طويلة.

"... لقد أخفتِني."

اقتربت أكثر.

ثم احتكت بساقه برفق، وأخذت تتمسح بها وكأنها تكافئه على اعترافه بالهزيمة.

أغمض جاسبر عينيه للحظة.

قبل ساعات فقط...

كانت إمبراطورياتٌ كاملة ترتجف لمجرد سماع اسمه.

أما الآن...

فقد جعلته قطةٌ صغيرة يقف في منتصف الليل، ممسكًا بمقشّة تنظيف.

ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ صغيرة.

ثم خرجت منه ضحكةٌ خافتة، قصيرة...

لكنه ضحك فعلًا.

كانت تلك أول ضحكةٍ حقيقية منذ زمنٍ طويل.

واصلت القطة جولتها داخل المنزل، كأنها تتفقد المكان.

شمّت الأريكة.

ثم الطاولة.

ثم وقفت أمام المدفأة لحظة.

وأخيرًا...

قفزت بخفة فوق السرير.

وقفت فوق الوسادة.

دارت حول نفسها مرة...

ثم مرتين...

ثم ثلاثًا، وكأنها لا تزال غير راضية عن زاوية نومها.

وأخيرًا استلقت، وأغمضت عينيها براحةٍ تامة.

ظل جاسبر يحدق بها.

"..."

"هذا سريري."

لم تفتح القطة عينيها.

كل ما فعلته أنها حرّكت طرف ذيلها بكسل، وأطلقت مواءً خافتًا.

"مياو."

بدت وكأنها تقول:

"وأين المشكلة؟"

ساد الصمت.

قطّب جاسبر حاجبيه.

هذا منزله.

وسريره.

وليس من المنطقي أن يتنازل عنه لقطةٍ اقتحمته في منتصف الليل.

تقدم خطوة.

"انزلي."

لم تتحرك.

تقدم خطوة أخرى، ومد يده ببطء، عازمًا على حملها ووضعها خارج الغرفة.

اقترب أكثر، ومد يده ببطء.

"لن أؤذيكِ."

فتح كفه ليحملها ويضعها خارج الغرفة.

لكن ما إن لامست أصابعه فراءها...

فتحت إحدى عينيها.

ونظرت إليه بهدوءٍ تام.

ثم...

وضعت كفها الصغير فوق يده.

"مياو."

وكأنها تقول "الأريكة ليست سيئة"

...

تجمد جاسبر.

سحب يده ببطء.

"أتقاومين؟"

أغلقت القطة عينها مجددًا.

ولم تجبه.

تردد لحظة.

ثم حاول من الجهة الأخرى.

دارت القطة نصف دورة وهي نائمة...

وعادت تحتل منتصف الوسادة.

...

وقف جاسبر صامتًا.

منذ قرون...

لم يتراجع أمام ملك.

ولا أمام تنين.

ولا أمام جيش.

أما الآن...

فهو يخسر معركة إرادات أمام مخلوق لا يتجاوز وزنه بضعة كيلوغرامات.

تنهد طويلًا.

"لا يمكنني تصديق هذا."

"لن أتشاجر مع قطة..."

سحب يده ببطء.

نظر إلى الوسادة.

ثم إلى الأريكة الخشبية في زاوية الغرفة.

وأخيرًا قال، وكأنه يمنح خصمه هدنةً مؤقتة:

"حسنًا..."

"سأترك لكِ السرير..."

"... لهذه الليلة فقط."

استدارت القطة نصف استدارة، واستقرت على الوسادة براحةٍ أكبر، وكأنها تقبل عرضه الكريم.

حمل جاسبر وسادته بصمت، واتجه نحو الأريكة.

وقبل أن يستلقي، التفت إليها مرةً أخيرة.

ثم إلى الأريكة الخشبية في زاوية الغرفة.

وبقي واقفًا لعدة ثوانٍ، وكأنه لا يزال يأمل أن تشعر القطة بالذنب.

لكنها...

كانت نائمة بالفعل.

وبينما كان يتمدد لى الأريكة فكر قليلا

"من أين جاءت بهذه السمكة؟ هل تملك مخزوناً سرياً هنا أيضاً؟"

، فتحت القطة إحدى عينيها لتتأكد أنه استسلم فعلًا.

ثم أغلقتها من جديد، وعادت إلى نومها مطمئنة.

وفي أول ليلةٍ من إجازته...

لم يخسر أعظم شريرٍ في التاريخ أمام بطلٍ أسطوري...

ولا أمام جيشٍ جرار...

بل خسر سريره...

لصالح قطةٍ صغيرة، لم تحتج إلى السحر، ولا إلى القوة، ولا حتى إلى المواء أكثر من مرتين.

غير أنه لم يعلم بأن "كارثة بشرية" ستحل على هذا المكان ... وأن الشروق لن يحمل معه مجرد أشعة شمس دافئة، بل جيشًا أشد رعبًا يُجهز عدته عند أطراف الشارع!

يتبع...

إذا أعجبكم الفصل، اتركوا تعليقا...

هذا هو توماس!

لا تنخدعوا بوجهه البريء... فهو أكثر أطفال القرية شغبًا. 😂

ستتعرفون عليه أكثر في الفصول القادمة.

سجلّ هزائم جاسبر:

الأبطال: لم يهزموه.

التنانين: لم تهزمه.

✓ قطة صغيرة : أخذت السرير بكل ثقة.

في الجقيقة..الصور مجرد تصور تقريبي للشخصيات والمشاهد، وليست التصميمات النهائية. هدفي فقط أن أساعدكم على تخيل العالم والشخصيات بشكل أوضح.

2026/07/20 · 16 مشاهدة · 1739 كلمة
Vani
نادي الروايات - 2026