مدينة زورف

كان الشارع يعجُّ بحركة الجنود الذين يشقون طريقهم في صفوف منتظمة، بينما التصق الأهالي بالجدران مفسحين المجال لدرع المملكة الحصين. كانت أنظار العامة نحوهم تكتسي بطابع من الاحترام والتقدير، يقابلها وجوه الجنود التي لم تحمل سوى ذلك التعبير الجليدي الخالي من أي مشاعر، وكأنهم جُبلوا من حجر مدينتهم ذاتها.

بدا الشارع واسعاً، تحفه منازل حجرية ازدانت بزخارف من عهد غابر؛ ورغم قدمها الذي يشي بعصور خلت، إلا أن صمودها وتناغمها كان يوحي بأنها قادرة على الوقوف في وجه الزمن لسنين طويلة قادمة.

بينما كان مارس يقود كوكبة من الجنود فوق صهوة جواده، توقف فجأة وبشكل مباغت حين اعترض طريقه "نيلام" الذي كان قد وصل للتو، والغبار لا يزال يغلف درعه.

بادر نيلام بسؤال مقتضب: "مارس، هل العقيد هنا؟".

أجابه مارس بهدوء وهو يشد لجام حصانه: "يمكنك رؤيته، إنه في مكانه المعهود".

هز نيلام رأسه بتفهم، وتمتم بصوت خفيض: "حي الملاهي".

ألقى مارس نظرة مطولة ومتفحصة على نيلام، قبل أن يقول بنبرة جادة: "يبدو صوتك مضطرباً يا نيلام.. لم يمضِ على خروجك من هنا سوى يوم واحد، وها أنت ذا تعود. هل وجدت شيئاً يثير الاهتمام؟".

تراجع نيلام نحو الجانب مفسحاً الطريق لمارس، بينما كانت عيناه ترصدان ذلك البريق الغامض في أعين العامة، وأجاب باختصار: "سيخبرك العقيد بكل شيء حين تعود".

فهم مارس تلميح نيلام، فهز لجام حصانه بحزم وصاح بصوتٍ جهوري لتعود الكتيبة إلى حركتها الرتيبة وسط الشارع.

التفت نيلام نحو رفيقيه وقال: "تارفيت، ثولمير.. سأوافيكم بعد أن أنتهي من حديثي مع العقيد، عودا أنتما إلى المقر الآن".

وقبل أن يغادر، التفت ثولمير نحو نيلام قائلاً بنبرة حملت اهتماماً خاصاً: "أيها الملازم، إن كانت مارلين برفقة العقيد، فأخبرها أني قد عدت".

"سأخبرُها، لا تقلق."

ألقى نيلام كلماته الأخيرة قبل أن يدير دفة جواده نحو وجهة مختلفة تماماً عن رصانة المقرات العسكرية. شق طريقه بعيداً عن الشوارع الرئيسية الواسعة، متوغلاً في أزقة بدأت ملامحها تتغير تدريجياً؛ حيث تلاشت نغمات السكون المهيب وحل مكانها صخب موسيقى وترية بعيدة، وضحكات تخترق الجدران الرقيقة.

كان "حي الملاهي" في زورف عالماً موازياً؛ حيث تنسلخ المدينة من دروعها الثقيلة لتنغمس في رداء من الأضواء الخافتة والروائح النفاذة. توقف نيلام أمام مبنى حجري عتيق تفوح منه رائحة البخور والتبغ، وأسند حصانه إلى وتد خشبي قبل أن يخطو للداخل، حاملاً معه غبار "سيبولكرا" وفاجعتها التي لم تبرد بعد.

كانت القهقهات تدوي في أرجاء المكان، والرجال يملأون الزوايا بينما صخب طقطقة الكؤوس يطغى على كل حديث جانبي.

"يا مياكو، أريد كأساً آخر.." تمتم رجل ضخم البنية، ملامحه حادة توحي بصرامة فطرية، لكن نبرته عند نطق اسم "مياكو" كانت تحمل نوعاً من التأدب المباغت.

كانت طاولته تعج بالكؤوس الخشبية التي لم يفرغ نصفها بعد، ورغم ذلك، ضرب جامس بكفه الثقيلة على الطاولة الخشبية صائحاً بطلبه: "المزيد.. أريد المزيد!".

سخر رجل آخر بجانبه، وانطلقت ضحكته العالية وهو يقول: "الطاولة ممتلئة بالفعل يا رجل! ما الذي يدفعك لطلب كل هذه المشروبات وأنت لم تنهِ ما أمامك؟".

استدار جامس نحو "ماينو" بنظرة حادة وقال: "وهل ستدفع ثمنها أمك؟".

انطلقت قهقهة مدوية في الأرجاء، بينما نزلت صفعة قوية على ظهر ماينو من رفيق ثالث قال ضاحكاً: "اترك العاشق وشأنه، فسبب وجوده هنا بحد ذاته ليس سوى ذريعة واهية".

التفت ماينو نحو البقية وهو يغمز بعينه: "أيها العقيد، دب جامس وقع في فخ العشق".

زمجر جامس بغيظ: "دب جدك، أيها الوغد!".

انفجر الحاضرون بالضحك على رد فعل جامس الغاضب، وفي تلك الأثناء تقدمت "مياكو" بخطوات واثقة، حاملةً عدة كؤوس في كلتا يديها، وصحناً خشبياً مملوءاً فوق رأسها ب توازن مثير للإعجاب.

كانت مياكو ترتدي زياً أسوداً متناسقاً يدمج بين الأناقة العملية وهيبة المكان؛ سترة علوية محكمة من القماش الثقيل، مشدودة بأربطة جلدية تمنحها قواماً مستقيماً يشبه صرامة المحاربين، يبرز من تحتها قميص ذو أكمام طويلة تضيق عند المعصمين لتسهيل حركتها.

وفوق تنورتها الطويلة المنسدلة، وضعت مئزراً من الجلد الأسود المصقول الذي يعكس أضواء الشموع الخافتة، مزوداً بحزام عريض يتدلى منه مفتاح معدني وقطعة قماشية مهملة. أكملت مظهرها بشعرها المربوط بإحكام إلى الأعلى، مما كشف عن حدة ملامحها ومنحها طابعاً حازماً يتناغم مع سواد ثيابها وتلك الهيبة التي تجبر أعتى الرجال على التأدب في حضرتها.

كانت تتحرك بين الطاولات وكأنها تؤدي رقصة صامتة، حتى بلغت طاولة جامس؛ هناك، أنزلت الصحن الخشبي عن رأسها بخفة مذهلة، واستقرت الكؤوس في أماكنها دون أن يضطرب السائل بداخلها قطرة واحدة.

انفتحت أسارير جامس وهو يراقب هذا الجمال الطاغي أمامه، واتسعت ابتسامته بلهفة، لكنها لم تمنحه حتى التفاتة عابرة، مما جعل بعض الحاضرين يتبادلون نظرات السخرية المكتومة عليه.

استمرت في توزيع الكؤوس بهدوئها المعتاد، بينما ظل جامس يتابع أثرها بعينين هائمين وهو يربت على صدره متمتماً بنبرة غارقة في الإعجاب: "هذا يستحق.. حقاً هذا يستحق".

وفجأة، وبينما كان المكان يغلي بصخبه المعتاد، انفتح الباب على مصراعيه بحدة، ليدخل برود الخارج إلى جوف المكان الدافئ.

أجال نيلام بصره في أرجاء المكان الصاخب، وفحصت عيناه الوجوه والزوايا بدقة، حتى استقرت بؤبؤاه على طاولة بعينها؛ حيث كان يجلس أربعة أشخاص: فتاة وثلاثة رجال. وبخطوات وئيدة، بدأ يشق طريقه نحوهم، حاملاً صمته كدرعٍ يخرق ضجيج الحانة.

في تلك الأثناء، وعلى بعد فراسخ طويلة، كان دارفيك -الذي خلفه نيلام وراءه- لا يزال مرابطاً عند شاطئ البحر في إقليم سيبولكرا، يفتش الرمال والصخور بحثاً عن خيطٍ يربطه بتلك المذبحة التي عصفت بالقرية.

وبينما كان يهرول بجوادِهِ، ومض في عينيه بريقٌ لشيء يلمع على الأرض. شدَّ لجام حصانه بقوة حتى توقف، ثم ترجل بتمهل وهو لا يزال ممسكاً بالمقود، ليتقدم بخطوات حذرة والجواد يتبعه بخضوع.

انحنى دارفيك ليتفحص ما وجده؛ مد يده ولمس ذلك السائل الأرجواني الغريب، ثم فرك إصبعيه ليجد أن السائل لزج للغاية وذو قوامٍ غير مألوف.

"ما هذا الشيء؟" تساءل دارفيك في سرّه، والريبة تنهش تفكيره.

لكن الأمر لم يتوقف عند تلك البقعة فحسب؛ فقد جال بصر دارفيك متتبعاً ذلك الأثر الأرجواني الذي صنع مساراً متصلاً يمتد نحو الأمام، وكأنه خيطٌ يجرّه نحو سرٍّ لم يكشف بعد.

سار دارفيك بحذر خلف الأثر الأرجواني، بينما كان صمت سيبولكرا الموحش يزداد ثقلاً مع كل خطوة. لم يكن السائل مجرد بقع عشوائية، بل كان يبدو وكأن شيئاً ما قد "سُحل" أو زحف من قلب المجزرة نحو الغابة الكثيفة المحاذية للشاطئ.

في تلك اللحظة، توقف حصانه فجأة، وبدأ يضرب الأرض بحوافره في عصبية، رافضاً التقدم شبراً واحداً إضافياً. استشعر دارفيك الخطر؛ فالحيوانات تملك حاسة سادسة للموت تفوق حواس البشر. قبض على مقبض سيفه، وعيناه تلاحقان نهاية المسار الأرجواني التي اختفت خلف جذع شجرة ضخمة ملتوية.

نهاية الفصل

2026/06/12 · 1 مشاهدة · 1000 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026