توقفت أقدام نيلام الثقيلة بجانب الطاولة المنشودة، وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت كمانٍ حزين من زاوية الحانة المظلمة؛ لم يكن لحناً عادياً، بل كان نغماً غريباً جداً يبعث على القشعريرة.
رفع العقيد رأسه مع بداية نغمات الكمان الحادة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حادة وهو يقول: "نيلام.. لقد عدت بسرعة".
تفحص نيلام الوجوه الجالسة بجانب العقيد بنظرة خاطفة، ثم قال بنبرة حازمة: "علينا الخروج من هنا.. هناك أمر هام يجب أن أخبرك به".
استشعر العقيد تلك النبرة الصارمة والجدية الطاغية في كلمات نيلام، فما كان منه إلا أن نهض من مقعده ورفع يده ملوحاً لمن معه وقال: "هيا بنا".
وقبل أن يغادر، التفت نيلام نحو مارلين، وثبّت عينيه في عينيها وهو يهمس ببطء: "ثولمير قد عاد". ثم استدار مقتفياً أثر العقيد نحو الخارج.
كان جامس، الذي تُرك جالساً بمفرده، يرمق ظهر الرجلين بنظرات حائرة وهما يبتعدان، ثم التفت نحو طاولة التي كان يجلس فيها العقيد وسأل باستغراب: "ما خطب نيلام؟ ولماذا عاد بهذه السرعة؟".
هزت مارلين كتفيها بقلة حيلة دون أن تنطق ببنت شفة، بينما اتجهت أنظار الثلاثة نحو الباب مجدداً، حيث كان العقيد ونيلام يخطوان خطواتهما الأخيرة نحو الخارج.
عاد جامس للتحدث مجدداً والريبة تأكله: "لقد غادر متوجهاً نحو الشرق، إلى إقليم سيبولكرا تحديداً.. ما الذي دفعه للعودة بهذه السرعة؟ نسي جامس تماماً أمر المرأة التي أتى إلى هذا المكان من أجلها!".
نهض ماينو من مقعده وهو يعدل هندام سترته القماشية، ثم التفت إليهم قائلاً بنبرة حماسية: "هل تريدون حقاً معرفة ما يجري؟ هيا بنا إذاً".
لم يتردد البقية؛ فنهض جامس ومارلين، ومعهما الرجل الأصلع الذي كان يجلس بجانب ماينو، وهمّوا جميعاً بالخروج مقتفين أثر العقيد، والفضول ينهش عقولهم لمعرفة السر الذي قلب جعل كل تلك الجدية في كلام نيلام.
كان صوت أقدام العقيد يصدر إيقاعاً مهيباً وهو يخطو؛ إذ كان ارتطام حذائه الحديدي بالأرضية الحجرية الصلبة يُسمع على مدى أمتار عديدة، لدرجة أن أي شخص يمكنه تمييز هوية القادم بمجرد سماع تلك الطرقات الرتيبة حتى دون أن يراه.
توقفت تلك الأصوات فجأة عند زقاق ضيق، حيث التفت العقيد وأغلق نافذة خشبية كانت مشرعة قريبًا منه، ثم التفت وقال بنبرة خفيضة: "ما الخطب أيها الملازم؟".
لم يتردد نيلام؛ بل شرع في سرد كل ما رآه وعرفه عن تلك الفاجعة، واصفاً تفاصيل المجزرة المروعة والأشياء الغريبة التي عاينها في إقليم سيبولكرا.
أصغى العقيد بهدوء تام، لكن عينيه لم تتوقفا عن مسح الجوانب وتوزيع نظرات حذرة متقطعة؛ فقد استشعر بحسه العسكري أن هناك من يتسلل خلفهما ويسرق السمع.
أومأ العقيد برأسه فور انتهاء نيلام من كلامه، ثم رفع بصره نحو السماء الملبدة بالغيوم القاتمة. عقد حاجبيه بوجوم، ثم أعاد نظراته الحادة إلى نيلام وسأله: "هل تركت أحداً هناك؟".
هز نيلام رأسه مؤكداً: "نعم.. لقد أبقيت كلاً من دارفيك وكيلزار ليتفحصا أرجاء المكان ويبحثا عن أي أدلة".
تغيرت تعابير العقيد، وارتسمت على وجهه أمارات قلق عميق وهو يقول: "إنهم في خطر داهم أيها الملازم".
ضيق نيلام عينيه وسأل بوجس: "هل الأمر بهذه الخطورة؟".
أجابه العقيد بنبرة حازمة: "أكثر مما تعتقد؛ ما كان عليك أن تتركهم هناك أبداً. لكن المشكلة لا تكمن في غيابهما وحده، بل إن الإقليم بأكمله بات مهدداً بالزوال".
صمت العقيد للحظة قبل أن يتابع بصرامة: "اذهب وأبلغ محاربيك؛ فلتستعدوا جميعاً. إقليم سيبولكرا بعيد وسيتطلب الوصول إليه بعض الوقت، سننطلق إلى هناك بعد ساعة من الآن، والملتقى عند البوابة الرئيسية".
انزلقت حبات العرق باردة لتستقر على ثياب نيلام، فرفع يده نحو صدره مؤدياً إشارة الاحترام العسكري، ثم استدار وغادر المكان مسرعاً.
التفت العقيد نحو زاوية الزقاق المظلمة وهتف بنبرة جافة: "استعدوا.. سنغادر المدينة نحو الإقليم".
وفور انتهاء كلماته، خرج الأشخاص الذين كانوا يسترقون السمع من مخبئهم، وتقدموا نحوه. سأل ماينو والريبة تملأ وجهه: "هل سنغادر في الحال؟".
رد العقيد وهو يهم بالتحرك: "سأبلغ المستشارة أولاً، وبعد ذلك سننطلق مباشرة".
إقليم سيبولكرا
كان كيلزار يمتطي صهوة جواده فوق جرف عالٍ، حيث لا يُسمع سوى هرير الأمواج العاتية وهي ترتطم بالصخور الحجرية الصلبة في الأسفل. فجأة تراءت لعينيه فجأة أكواخ خشبية عديدة متناثرة أمامه.
"إنها قرية..." تمتم كيلزار وهو يشد لجام حصانه ليتوقف، وبدأ يطالع بذهول ذلك البياض الغريب الذي كان يتحرك خلف الأكواخ الخشبية، متسللاً وكأنه غيوم زاحفة على الأرض.
تقدم كيلزار ممتطياً جواده واقترب من تلك الأكواخ الخشبية، وكانت الساحة تعج بالفلاحين الذين بدأت مجموعات منهم تتهامس فيما بينها. تقدم كيلزار ببطء نحوهم، يراقب بعناية تلك الوجوه التي أعياها التعب والشقاء من فرط العمل الشاق.
دقق النظر في ذلك البياض المتحرك ليفهم كنهه أخيراً؛ لم تكن غيوماً، بل كتل هائلة من قطعان الأغنام، بصوفها الأبيض الأخاذ، تتمركز بجنبات الأكواخ الممتدة في صفوف شبه دائرية وغير متناهية. وبين جنبات تلك الأكواخ، كانت تتدفق ثلاثة أنهار عذبة تقسم الأرض، مشكلةً منظراً طبيعياً يبهج العين. أطال كيلزار النظر مبهوراً وهو يتقدم، بينما كانت عيناه ترصدان كل زاوية بدقة.
توقف فجأة حين اعترض طريقه فلاح يرتدي ملابس مهترئة، ويحمل فوق كتفه مجرفة صغيرة، ليسأله بنبرة حذرة: "هل أنت من المدينة؟".
رفع كيلزار حاجبيه باستغراب؛ فالمدينة الوحيدة القريبة من هنا هي سيبولكرا، والتي سُمي الإقليم بأكمله تيمناً بها، فأجاب بصوت رزين: "أنا من العاصمة".
اتسعت أعين الحاضرين دهشةً وهم ينظرون إلى ملامحه وهندامه؛ إذ لم يسبق لأي منهم أن رأى رجلاً من العاصمة في هذه الأنحاء النائية.
استغل كيلزار ذهولهم وسأل فوراً بنبرة جادة: "هل شاهدتم أي شيء غير طبيعي مؤخراً؟".
فكر الفلاح للحظات، وتبادل نظرات سريعة مع رفاقه قبل أن يجيب: "لا، كل شيء يسير بانتظام كالمعتاد.. لماذا تسأل؟ هل حدث خطب ما يثير ريبة أيها الجندي؟".
أجابه كيلزار محاولاً تهدئة روعهم: "لا شيء، فقط كنت أتساءل إن كان هناك ما يستدعي تدخلي. إن لم يكن هناك خطب، فلا بأس، سأمضي في طريقي".
"حصانك يبدو متعباً، وفارسه لا يختلف عنه.. لِمَ لا تتكرم علينا، سيدي، بقبول ضيافتنا الليلة لترتاح قليلاً، ويرتاح حصانك أيضاً؟ وكما ترى، فإن الجو متقلب".
تطلع كيلزار نحو الأفق، ملامحاً الغيوم الداكنة وضبابية المكان التي اختلطت بخضرة السهول الممتدة؛ كان الأفق قاتماً ينذر بهطول مطر وشيك. شعر كيلزار بثقل التعب ينهك جسده، فقال برزانة: "حسناً، معك حق.. أظن أنني سأكون ضيفكم الليلة".
ترجل كيلزار عن صهوة جواده، ونزع خوذته الحديدية واضعاً إياها بجانبه. وتقدم الفلاح ليمسك بلجام الحصان، لكن كيلزار أبعد يده بلطف وحذر.
مال الرجل برأسه مستغرباً، وقال: "كنتُ أريد أخذه إلى الحظيرة فحسب".
"لا بأس،" قال كيلزار، ثم أشار بيده نحو موضع قريب: "سأربطه هناك في تلك الزاوية".
أومأ الفلاح موافقاً: "حسناً سيدي، لا بأس.. يمكنك وضعه في أي مكان يناسبك".
تقدم كيلزار وربط حصانه إلى عربة خشبية كانت تقف قرب كوخ مهترئ. وفي تلك اللحظة، بدأت الرياح تهب بقوة هائلة، وانهمر المطر يغسل وجه الأرض، فارتفعت رائحة التراب المبلل الزكية لتداعب أنف كيلزار. التفت نحو الرجل وسأله: "هل منزلك بعيد من هنا؟".
"لا، إنه على بُعد مسافة قصيرة جداً.. تعال معي".
تحرك الرجل متقدماً، وتبعه كيلزار وسط حبات المطر التي بللت الأرض بالكامل، حتى بدأت الطين يعلق بأسفل حذائه مع كل خطوة.
لكن، ثمة أمر غريب لمحه كيلزار وهو يتبع خطى الرجل؛ كانت الآثار التي يخلفها الفلاح وراءه مريبة. ورغم أن قدمي الرجل كانتا محجوبتين تماماً بعباءته الطويلة المزركشة والمقطعة، إلا أن حوافها السفلية كانت سليمة وتتحرك بإيقاع غير بشري.
ومع تقدمهما، انحنى كيلزار ببصره ليدقق في تلك الآثار؛ لم تكن آثار أقدام آدمية، بل كانت تشبه تماماً أظلاف الماشية أو أقدام البقر. التفت حوله بذعر مكتوم، ومع ركض القرويين يمنة ويسرة هرباً من وابل المطر، لاحظ أن الأرضية الموحلة باتت مغطاة بالكامل بآثار أقدام حيوانية غريبة.
كان الجميع يركضون نحو الأكواخ، وكأن المطر هو عدوهم الذوذ
انتاب كيلزار نوع من الشك المريب، وقشعريرة باردة سرت في جسده، لكنه حاول كبح مخاوفه ولم يرد الوثوق بهواجسه في تلك اللحظة، فهمس في نفسه مهدئاً روعه: "ربما أتخيل فحسب.. بسبب أنني لم أنم منذ أربعة أيام".
جلس كيلزار داخل الكوخ الخشبي على سجادة وثيره صُنعت من فراء الخراف، ومد يده يلمس دثارها الناعم متمتماً في محاولة لطرد هواجسه: "إنه مريح حقاً".
تنقلت عيناه المتوجستان في أرجاء المكان؛ كان الكوخ غارقاً في عتمة خفيفة، لا يكسر عتمتها سوى ذلك الضوء الضئيل المنبعث من شمعة يتيمة وُضعت فوق طاولة الطعام أمامه. وفي الخارج، كان هدير المطر ينهمر بلا انقطاع، يرافقه دوي الرعد الذي لم يهدأ دقيقة واحدة كأنه نذير شؤم.
شعر كيلزار بالقلق يتسلل إلى صدره وهتف في نفسه: "الحصان سيتبلل تماماً، أحتاج إلى قطعه قماشية لأضعها عليه". نهض من مجلسه وغادر غرفة الجلوس متجهاً نحو الممر المؤدي إلى المخرج. تطلع حوله باحثاً عن مضيفه القروي ليطلب منه العون، لكنه فجأة، وأثناء مروره بمحاذاة غرفة جانية تقع على مساره، لمح شيئاً بلمحة خاطفة جعلته يتجمد في مكانه.
ابتلع ريقه بصعوبة، وتراجع خطوة إلى الوراء، بينما مال رأسه ببطء نحو الخلف ليتأكد مما رأى. في تلك اللحظة القاتلة، تجمدت الدماء في عروقه تماماً؛ إذ وقعت عيناه من شق الباب الشبه مفتوح على ساق امرأة -زوجة الرجل القروي- ولم تكن قدماً بشرية قط.. بل كانت حافر بقرة مشقوقاً، وكانت مستغرقة في تنظيفه ببرود مريب.
نهاية الفصل