الفصل التاسع : أول الغايات: العنف
________________________________________
بعد الفجر بقليل، غادرت آيكا سوريُو وأنا النُزل، متّجهَين نحو محطة قطارٍ قريبةٍ تُفضي إلى المدينة المركزية. وعلى طول الطريق، توقّفنا لشراء بعض المستلزمات الضرورية.
فقد كنتُ بحاجةٍ إلى ملابسَ لائقةٍ أولًا، إذ لم أكن لأتّجه إلى الأكاديمية مرتديًا مجرّد معطفٍ طويلٍ بأزرارٍ ودون حذاءٍ حتى.
انتهى بي المطاف بشراء زيٍّ أنيقٍ مُتكاملٍ، يتضمن سترةً طويلةً أكثرَ ملائمةً وحذاءً. وبعد ارتدائي إياها، بدوتُ أشبهَ بنبيلٍ رفيع الشأن. أما آيكا سوريُو، فقد اقتنتْ لنفسها فستانًا يُشبه الكيمونو، وبعض السجائر، وقارورةً جيبيةً مليئةً بشرابٍ كحوليٍّ شديدِ القوة.
دفعني ذلك للتساؤل قليلًا عن طبيعة شخصيتها.
وبفضلِ سمتي الخاصة، تمكنتُ من استخدام الخريطة التي تجلّت كشاشةٍ كبيرةٍ أمامي، واضعةً علاماتٍ على مواقعَ مختلفةٍ، مما سهّل عليّ التنقل في هذا الجزء من المدينة. وعندما بلغنا المحطة أخيرًا، لم تكن مكتظةً كثيرًا، ربما لكون الوقت لا يزال مبكرًا، أو ربما كانت تذاكرها الباهظة تعني أن معظم القاطنين هنا لم يكن بوسعهم تحمل تكلفة استخدام القطارات.
استقللنا قطارًا، وبعد دقائقَ قليلةٍ فقط، بدأ رحلته نحو المدينة المركزية.
كانت الرحلة طويلةً حقًا، لذا بدأتُ أتهيأ للنوم حين سمعتُ آيكا سوريُو، التي كانت تجلس بجانبي، تكرع الشراب كأنما هو ماءٌ زُلال.
التفتُّ إليها بوجهٍ مذهولٍ. 'من يشرب هكذا في هذا الوقت المبكر من النهار؟'
خفضت آيكا سوريُو القارورة قليلًا، ومسحت فمها بظهر يدها. ثم مدّت يدها وعرضت قارورة الجيب قائلةً: “...أترغبُ ببعضٍ؟”
في البداية، راودتني رغبةٌ في الرفض. لكن شعاري، منذ كنتُ في سيول، لطالما كان: “الحياة أقسى من أن تُعاش صاحيًا.”
فبصفتي شابًا في الخامسة والعشرين آنذاك، اعتدتُ الإفراط في الشرب. وما الذي يمنعني من احتسائه هنا وقد صارت حياتي أكثر جنونًا وتخبُّطًا؟
“شكرًا لكِ.” تناولتُ القارورة وشربتُ جرعةً عميقةً. ثم هززتُ رأسي حين سرى مفعول الشراب في جسدي.
'يا حاكمي... هذا شرابٌ رائع. أفضل من شراب السوجو.'
ارتشفتُ بضع جرعاتٍ أخرى، ثم أعدتُ القارورة إلى آيكا سوريُو، التي أخذت رشفةً بدورها.
بعد ذلك، استمرت رحلة القطار في صمتٍ مطبقٍ.
بعد مضي أكثر من ساعتين، بلغنا المدينة المركزية أخيرًا.
كانت المدينة المركزية أكثر تطورًا، وتفوح منها أجواءٌ تجمع بين العصور الوسطى والحداثة، بأبنيتها الضخمة والأنيقة. لقد كانت نقيضًا تامًا للأطراف التي أتينا منها. ترجمة زيوس
ولأنني كنتُ أجلس بجوار النافذة، لم أستطع إلا أن أتأمل المشهد. ورغم جماله ومظهره الرفيع، لم يجذبني كثيرًا. فبالنسبة لي، وبصرف النظر عن السحر والمزايا الأخرى لوجودي في عالمٍ خياليٍّ، شعرتُ وكأن كل شيءٍ تراجعَ إلى الوراء. مجرد التفكير في عدم القدرة على استخدام الشبكة اللاسلكية أو الإنترنت مرةً أخرى غمرني بمزاجٍ كئيبٍ.
'تبًا! كيف يفعلها أبطال العوالم الأخرى هؤلاء؟ كيف يتكيفون فجأةً مع تحوّلٍ من التكنولوجيا وكل الأشياء الجيدة التي تقدمها الأرض، إلى عالمٍ يبدو وكأنه قُذفَ عائدًا إلى عصرٍ ما قبل الصناعة؟'
تناولتُ القارورة من آيكا سوريُو وارتشفتُ بضعَ جرعاتٍ أخرى.
بعد بضع دقائق، ترجلنا من القطار في المحطة، ثم سرنا لأكثر من عشرين دقيقة قبل أن نصل إلى الأكاديمية أخيرًا.
وما أن بلغنا البوابات، حتى عادت آيكا سوريُو إلى شكل الوشم الغريب على ذراعي اليمنى، قائلةً إنها منهكةٌ وتنوي النوم بقية اليوم.
حدّقتُ في البوابات الضخمة وحدي لبرهةٍ، ثم بعد لحظةٍ، تنهدتُ ودلفتُ أخيرًا إلى الداخل.
أول ما خطر ببالي... الطعام.
تثاءبتُ بينما كنتُ أشقُّ طريقي سريعًا نحو الكافتيريا. فلم أكن قد تناولتُ طعامًا لما يقارب ثلاثة أيام قبل تحوّلي، كما أن سيدريك أنيل مارتيني لم يُعامَل بشكلٍ لائقٍ، ولم يُقدم له طعامٌ مناسبٌ حتى قبل أن يُباع كعبدٍ بائسٍ.
السبب الوحيد لعدم ظهور علامات سوء التغذية الشديدة عليّ الآن هو أن الشرنقة لم تُعِدني إلى الحياة فحسب، بل استعادت جسدي بالكامل.
وعندما وصلتُ إلى الكافتيريا أخيرًا، ألقيتُ نظرةً حول القاعة الفسيحة التي كانت تعجُّ بالطاولات الطويلة، والطلاب الصاخبين، ورائحة الطعام الطازج المُعدّ.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ بعد دخولي حتى لاحظتُ أن الجميع كانوا يحدّقون بي. بل سمعتُ بعض الناس يتهامسون فيما بينهم.
متجاهلًا إياهم جميعًا، شققتُ طريقي إلى منطقة التقديم. وما أن قُدم لي الطعام، حملتُ صينيّة وجبتي وماءي إلى طاولةٍ فارغةٍ، جلستُ وحيدًا، وبدأتُ ألتهم طعامي بنهمٍ فورًا.
ربما كان ذلك بسبب جوعي الشديد، لكن في تلك اللحظة، كان حسائي الشهيُّ لدرجةٍ كادت تُبكيني.
ثم، بينما كنتُ أواصل تناول طعامي، سقط صرصورٌ ميتٌ من الأعلى مباشرةً في طبقي.
توقفتُ لحظةً، ثم رفعتُ رأسي لأرى صبيين يقهقهان. كان أحدهما قصيرًا نحيلًا بشعرٍ بنيّ ونظارات، وكان يضع ما بدا وكأنه سمندلٌ أحمر صغيرٌ على كتفه. أما الآخر، الذي كان من الواضح أنه هو من ألقى الصرصور في طعامي، فكان صبيًا مفتولَ العضلات، بشعرٍ أسود وعينين بنيتين، يعتلي وجهه ندبةٌ ممتدةٌ.
بالنظر إلى الثنائي، تمكنتُ من التعرف عليهما، إذ كنتُ قد رأيتهما عدة مراتٍ عابرًا خلال الفترة التي كنتُ ألعب فيها اللعبة.
كانوا شخصياتٍ عشوائيةٍ غير قابلةٍ للعب، من النوع الذي اعتاد التنمر على الطلاب الأضعف، وخاصةً سيدريك أنيل مارتيني.
إذا ما تذكرتُ جيدًا، كان الصبي النحيل هو غاريث، بينما كان الصبي مفتول العضلات يُدعى ديمون.
توقّف كلاهما عن الضحك، ثم تحدث ديمون قائلًا: “انظروا من عاد، ها؟ لأكون صريحًا، عندما اختفيتَ فجأةً قبل أسبوع، ظننتُ أنني لن أرى وجهك المزعج هذا في الأكاديمية مرةً أخرى. فأخبرني... ما الذي أعادك إلى هنا، أيها البلا رفيق؟”
لم أُجبْ. بدلًا من ذلك، عادت نظراتي إلى حسائي الذي صار الآن غير صالحٍ للأكل. وشعرتُ بغضبي يتصاعد ببطءٍ في داخلي.
'لماذا؟ لمَ يفعلون ذلك؟ كم كنتُ بحاجةٍ ماسةٍ لتلك الوجبة.'
وفي غمرة غضبي المُستعر، تخيلتُ نفسي أقفز، وأُمسك ديمون من شعره، وأطحّن رأسه على الطاولة مرارًا وتكرارًا حتى يصبح ذلك الوغد مجرد لطخةٍ من العظم والدم على الخشب.
لكنني لم أفعل ذلك، لأني في تلك اللحظة، كنتُ أعلم أنني ضعيفٌ، وأن ديمون كان أقوى، سواءٌ في المستوى أو الخبرة. لذا، فإن أي محاولةٍ للإمساك به ستكون مستحيلةً، ولن تنتهي إلا بمهانتي.
ولكن...
'هل سأدع هذا يمرّ مرور الكرام لمجرد أنني أضعف منه؟'
'أبدًا!'
“مرحبًا... ألا ترى أنني أتحدث إليك؟” بصق ديمون بغضبٍ عندما رأى أنني أتجاهله.
ومع ذلك، لم أُجبْ. بدلًا من ذلك، صررتُ على أسناني، ونهضتُ من مقعدي، والتقطتُ صينيّة طعامي. ثم، بكل ما أوتيتُ من قوةٍ، رفعتُ الصينية وحطمتُها بقوةٍ على وجه ديمون.
“اغرب عن وجهي! أيها الشخصية العشوائية غير القابلة للعب!”