#الاستثمار في حطام سفينة غارقة (3)
#الفصل الثالث
"البنك الذي يصدرها؟"
كرر 'غورغ' الكلمة ببطء، وكأنها قطعة لحمٍ قاسية يحاول مضغها.
كانت مطرقته العملاقة لا تزال مرفوعة، لكن المسافة بينها وبين رأسي زادت بضعة سنتيمترات.
هذه السنتيمترات هي الفرق بين "الحياة" و"تحولي إلى عجينة بشرية".
"أيها النبيل الصغير..."
تقدم غورغ خطوة، فاهتزت الأرض تحت درعه الثقيل.
"أنت تتحدث كثيراً. هل تظن أن الكلمات المنمقة ستمحو 500,000 حجر مانا؟"
"الكلمات لا تمحو الديون يا غورغ."
عدلتُ وضعية ياقتي الفاخرة، وبذلتُ قصارى جهدي لأبدو هادئاً بينما كانت ركبتاي ترتجفان خلف عباءتي.
"لكن الأرقام تفعل. والديون التي تطالب بها... هي ديون 'ميتة'."
"ميتة؟"
"نعم. إذا قتلتني الآن، ماذا ستحصل؟"
بدأتُ أمشي ببطء حوله، متظاهراً بالثقة بينما كانت أمعائي تتقلب من التوتر.
"ستحصل على أرضٍ ملعونة، ومبانٍ لا تصلح حتى لسكن الخنازير، وطالبة فاشلة لا تملك ثمن سيفها."
"أنا لستُ فاشلة!"
صرخت سيلينا من الخلف، وهي تشهر سيفها الخشبي المكسور.
تجاهلتها تماماً. في عالم المال، العواطف هي نفقات غير ضرورية.
"بينما إذا تركتني أعمل..."
توقفتُ أمامه مباشرة، ونظرتُ في عينيه الحمراوين المليئتين بالغباء... أقصد، بالقوة الغاشمة.
"سأقوم بتحويل هذه الأكاديمية إلى 'منطقة حرة للتبادل السحري'. هل تعرف ماذا يعني ذلك؟"
غورغ رمش بعينيه، وبدا وكأنه يحاول تذكر ما إذا كان قد سمع هذه الكلمة في الحانة من قبل.
"يعني... المزيد من الذهب؟"
"يعني أن كل حجر مانا يدخل هذه الإمبراطورية سيمر عبر حساباتي. وسيكون لنقابة 'الناب الذهبي' حصة الأسد في رسوم العبور."
رفعتُ السجل الذي في يدي—سجل الحسابات الذي وجدته في المكتب المحطم.
[مهارة مفعلة: التلاعب بالبيانات (الرتبة F)]
[الوصف: تجعل الأرقام تبدو أكثر جاذبية مما هي عليه في الواقع.]
فجأة، بدأت الأرقام في السجل تتوهج بضوءٍ ذهبي خفيف (شكراً ليبرا، توقيت رائع).
رأيتُ لعاب القائد يكاد يسيل وهو ينظر إلى الرسوم البيانية الوهمية التي رسمتها بسرعة.
"ولكن..."
هز غورغ رأسه بعنف، محاولاً استعادة رشده المحدود.
"النقابة تريد المال الآن! الرئيس لن يقبل بوعود 'العبور'."
"ولهذا السبب، سأقوم بـ 'مبادلة الدين بالملكية'."
قلتُ الكلمة وكأنها تعويذة سحرية من الدرجة العاشرة، مع نبرة ثقة تجعل حتى الشيطان يشك في عقده.
"مبادلة... ماذا؟"
"سأعطيك سندات تمليك بنسبة 10% من الأرباح المستقبلية للأكاديمية مقابل تأجيل الديون لمدة 30 يوماً."
اقتربتُ من أذنه وهمست بصوتٍ يملؤه الإغراء المالي.
"فكر في الأمر. إذا نجحت، ستصبح شريكاً في أكبر مشروع سحري. وإذا فشلت... يمكنك دائماً قتلي بعد شهر. لن أهرب، فأنا 'أحب' هذا المكان كما ترى."
(في الحقيقة، أنا أكره هذا المكان، لكنني أحب حياتي أكثر).
غورغ أنزل مطرقته أخيراً، وارتطمت بالأرض محدثةً هزة خفيفة.
"30 يوماً؟"
"30 يوماً فقط. وبدلاً من أن تعود لزعيمك بيدين فارغتين وتخبره أنك قتلت 'الدائن الوحيد' الذي كان يملك خطة... ستعود إليه بصفتك 'المستثمر الاستراتيجي' الذي أمن مستقبل النقابة."
رأيتُ التروس تصطدم داخل رأس غورغ.
كان الصراع بين غريزة التحطيم وغريزة الجشع واضحاً على وجهه.
وفي النهاية، انتصر الجشع. الجشع دائماً ينتصر في عالم الويب نوفل... وفي عالمي القديم أيضاً.
"حسناً يا جوليان."
غرس غورغ مطرقته في الأرض، محدثاً حفرة عميقة.
"سأعطيك 30 يوماً. لكن إذا لم أرَ 'الذهب' الذي تتحدث عنه في نهاية الشهر..."
أمسك بياقة قميصي ورفعني حتى تلاقت أعيننا.
"سأقوم بفرم عظامك واستخدامها كسماد لغابة المانا."
"صفقة عادلة."
قلتُ بابتسامة متوترة، بينما كان قلبي يقرع طبول الحرب داخل صدري.
****
بمجرد أن غادر الفرسان الساحة، سقطتُ على ركبتي.
"سيدي جوليان!"
ركض بارت نحوي وهو يرتجف، والدموع تملأ عينيه.
"لقد... لقد فعلتها! لقد جعلتهم يرحلون!"
"لقد اشتريتُ الوقت يا بارت."
مسحتُ العرق البارد عن وجهي بيدي المرتجفة.
"والوقت هو أغلى سلعة، وأكثرها تكلفة."
سيلينا اقتربت مني، وهي لا تزال تمسك بسيفها الخشبي.
كانت نظراتها مزيجاً من الدهشة والاشمئزاز.
"أنت... أنت مجنون تماماً. 'مبادلة الدين بالملكية'؟ هل تظن أنهم أغبياء؟"
"لا، سيلينا."
وقفتُ ببطء، محاولاً استعادة وقاري النبيل المزيّف.
"أنا أظن أنهم 'طماعون'. والطمع يجعل الأذكياء يتصرفون كالأغبياء."
"وماذا ستفعل الآن؟"
سألت وهي تشير إلى الخراب من حولنا.
"لا نملك مانا، لا نملك طلاباً، والروح التي في خاتمك تريد أكلك."
"الخطوة الأولى في أي عملية إنقاذ مالي..."
نظرتُ نحو بوابة الأكاديمية المحطمة.
"...هي 'خلق الطلب'."
"خلق الطلب؟"
"نعم. علينا أن نجعل الناس يعتقدون أن هذا المكان هو 'الفرصة التي لا تتكرر'."
التفتُ إلى بارت.
"بارت، هل لا تزال تملك بدلة الخادم الرسمية؟"
"نعم سيدي، لكنها مرقعة قليلاً..."
"لا يهم. أريدك أن تبدو كخادمٍ لأرستقراطي يملك الملايين."
ثم نظرتُ إلى سيلينا.
"وأنتِ... سنحتاج إلى تنظيف هذا الوجه الجميل."
"لن أسمح لك باستخدامي كـ 'وجه تسويقي'!"
"سيلينا، هل تريدين استعادة سيف والدكِ الحقيقي؟"
سألتها بجدية مفاجئة، مما جعلها تتوقف عن الكلام.
"سيف والدي... 'نصل الفجر'؟ لقد أخذه الدائنون منذ عام."
"إذا اتبعتِ خطتي، سأعيده لكِ في غضون أسبوعين."
مددتُ يدي نحوها بابتسامة واثقة.
"ليس كبطلة، بل كـ 'شريكة أعمال'."
نظرت سيلينا إلى يدي، ثم إلى الأكاديمية المتهالكة.
ببطء، وضعت يدها في يدي.
"إذا كنتَ تكذب... سأكون أنا من يفرك عظامك، وليس غورغ."
"اتفقنا."
****
في تلك الليلة، لم أنم.
كنتُ جالساً في المكتب المحطم، أمام شمعة تكاد تنطفئ، أخطط للمستقبل.
ليبرا، روح الأكاديمية، كانت تحوم حولي بشكل مزعج، ضوؤها الأزرق ينعكس على الأوراق.
"أنت بارع في الكذب يا جوليان."
قالت بصوتها الذي يشبه رنين الأجراس.
"أنا لا أكذب يا ليبرا. أنا فقط 'أعيد صياغة الحقيقة' لتناسب الميزانية."
"أياً كان. الدفعة الأولى من المانا التي وعدتني بها... من أين ستأتي؟"
فتحتُ السجل، وبدأتُ أرسم خريطة للمدينة المجاورة.
"من 'الاكتتاب العام للطلاب'."
"اكتتاب... ماذا؟"
"سأقوم ببيع 'مقاعد تعليمية' للنبلاء الصغار الذين فشلوا في دخول الأكاديميات الكبرى."
ابتسمتُ لنفسي، متخيلاً أكياس الذهب.
"هناك دائماً آباء يملكون مالاً أكثر من العقل، وأبناء يريدون لقباً سحرياً دون بذل جهد."
"لكننا لا نملك معلمين!"
"من قال إننا نحتاج لمعلمين؟"
نظرتُ إلى ليبرا بخبث.
"نحن نملك 'نظام محاكاة سحرية' واعي... أنتِ."
توقفت ليبرا عن الحركة، وبدا ضوؤها يرتجف.
"أنا؟ هل تريدني أن أدرس هؤلاء الحمقى؟"
"لا، أريدكِ أن تجعليهم 'يشعرون' بأنهم يتعلمون عبر أوهام بصرية مبهرة."
بدأتُ أكتب بسرعة، والريشة تتحرك بجنون.
"سنسميها 'طريقة جوليان للتعلم المتسارع'. السعر؟ ضعف سعر الأكاديمية الإمبراطورية."
"ضعف السعر؟! لن يأتي أحد!"
"بالعكس."
رفعتُ ريشة الكتابة بانتصار.
"في عالم الرفاهية، السعر المرتفع هو دليل الجودة. إذا كان رخيصاً، سيظنون أنه فاشل. إذا كان غالياً جداً، سيظنون أنه 'سر نبيل مخفي'."
[تنبيه!]
[لقد بدأت في وضع 'خطة الاحتيال... العظيمة'!]
[الذكاء المالي: +2]
[خطر التعرض للشنق: +15%]
تجاهلتُ التنبيه الأخير. في عالم الأعمال، المخاطرة هي الملح الذي يعطي الربح طعمه.
****
في الصباح التالي، بدأت العمليات.
أرسلتُ بارت إلى المدينة مرتدياً أفضل ما لديه، حاملاً رسائل مختومة بـ 'شمع ذهبي' مزيف.
الرسائل لم تكن دعوات، بل كانت 'اعتذارات'.
"اعتذارات؟"
سألت سيلينا وهي تشاهد بارت يغادر الأكاديمية.
"نعم. الرسالة تقول: 'نعتذر عن عدم قبول ابنكم في أكاديمية الاستثمار السحري العظيم نظراً لاكتمال العدد... إلا إذا كنتم تملكون توصية خاصة جداً'."
"لكننا لم نفتح باب التسجيل أصلاً!"
"هذا هو السر يا سيلينا."
غمزتُ لها وأنا أرتدي معطفي الفاخر.
"لا أحد يريد شيئاً متاحاً للجميع. الجميع يريد الشيء الذي قيل له إنه 'لا يمكنه الحصول عليه'."
توجهنا إلى بوابة الأكاديمية، وبدأنا في تنظيف المدخل فقط.
"لماذا المدخل فقط؟" سألت سيلينا وهي تمسح الرخام بملل.
"لأن هذا هو كل ما سيراه 'المستثمرون' في البداية."
قلتُ بجدية، وأنا أتفحص الزوايا.
"الانطباع الأول هو 90% من الصفقة. الباقي يمكن تغطيته بالدخان والمرايا السحرية."
وبالفعل، لم يمر وقت طويل حتى ظهرت أول عربة.
كانت عربة فاخرة تحمل شعار عائلة 'بارون فيسكونت'.
توقفت العربة، وخرج منها رجل بدين يبدو عليه الثراء المفرط والقلق.
"هل هذا هو المكان؟"
سأل وهو ينظر إلى المدخل اللامع، متجاهلاً الخراب الذي خلفه.
تقدمتُ نحوه ببرود، ولم أنحنِ. النبلاء الأغنياء يحترمون فقط من يبدو أغنى منهم.
"أنا جوليان، المدير التنفيذي. هل تملك موعداً مسبقاً؟"
"أوه... لا، لكنني استلمت رسالة الاعتذار و..."
"آه، نعم."
قاطعتُه بأسف مصطنع، وهززت رأسي.
"لقد امتلأت المقاعد العشرة المخصصة لـ 'النخبة السرية'. لا يمكننا قبول المزيد حالياً."
رأيتُ وجه البارون يتحول إلى اللون الأحمر من الإحراج والرغبة.
"عشرة مقاعد فقط؟ ولكن ابني يحتاج لتعليم متميز..."
"سيدي البارون، نحن لا نُدرس السحر التقليدي هنا. نحن نصنع 'قادة المستقبل السحريين'."
أشرتُ نحو سيلينا التي كانت تقف بوضعية قتالية مهيبة، سيفها الخشبي يبدو كأنه سلاح أسطوري في ضوء الشمس.
"هذه هي كبير مدربينا. لقد رفضت عرضاً من الأكاديمية الإمبراطورية لتكون هنا."
سيلينا كادت أن تسعل من الصدمة، لكنها حافظت على هدوئها ببراعة.
البارون اقترب مني، وأخرج كيساً صغيراً من أحجار المانا اللامعة.
"هل هناك... أي استثناء بسيط؟"
نظرتُ إلى الكيس باحتقار مصطنع، رغم أن قلبي كان يرقص فرحاً.
"استثناء؟ هذا صعب جداً. سأضطر لإعادة هيكلة الميزانية السحرية للأكاديمية بالكامل..."
"سأدفع الضعف!"
تنهدتُ بعمق، وكأنني أقدم له معروفاً سيؤدي إلى هلاكي المهني.
"حسناً. فقط لأنني أرى في عينيك 'رؤية استثمارية'. لكن لا تخبر أحداً، وإلا سأضطر لرفض الجميع."
أخذتُ الكيس ببرود، وأخفيته داخل عباءتي.
[تنبيه!]
[لقد حصلت على أول 'تدفق نقدي'!]
[الرصيد: 500 حجر مانا.]
[سمعة النصاب: تزداد بشكل مقلق.]
بينما كان البارون يغادر وهو يشعر بأنه "محظوظ" للغاية، التفتُ إلى سيلينا.
كانت تنظر إليّ وكأنني وحش من نوع جديد تماماً.
"أنت..."
همست سيلينا بصوتٍ مرتعش.
"لقد بعت له 'لا شيء' مقابل 500 حجر مانا."
"لم أبع له 'لا شيء' يا سيلينا."
فتحتُ الكيس وتفحصت الأحجار اللامعة بابتسامة عريضة.
"لقد بعتُ له 'الأمل'. والأمل هو أغلى منتج في السوق... لأنه لا يحتاج لمصاريف صيانة."
وفجأة، اهتز خاتمي بعنف، وانبعث منه ضوء أزرق متوتر.
صوت ليبرا كان مليئاً بالرعب.
"جوليان! هناك مشكلة كبرى!"
"ماذا الآن؟ هل عاد غورغ ليطالب بزيادة حصته؟"
"لا! هناك مانا قوية جداً تقترب... مانا لا تشبه مانا النبلاء الحمقى الذين تخدعهم."
نظرتُ نحو الطريق المؤدي للأكاديمية.
عربة سوداء تماماً، بدون أي شعار، كانت تقترب بصمت مخيف.
لم تكن العربة تسير على الأرض، بل كانت تطفو على ارتفاع سنتيمترات، تاركةً خلفها أثراً من الجليد الرقيق.
"تباً."
قلتُ وأنا أشعر ببرودة مفاجئة تجمد الدماء في عروقي.
"يبدو أن 'المدققين الحقيقيين' قد وصلوا قبل الموعد."
توقفت العربة السوداء أمام البوابة مباشرة.
وفتح الباب ببطء شديد، لينبعث منه بخار بارد.
خرجت منها امرأة ترتدي رداءً أبيض ناصعاً، وعيناها كانتا بلون الفضة الباردة التي تخترق الروح.
عندما نظرت إليّ، شعرتُ وكأن كل أسراري—بما فيها حقيقة أنني لست من هذا العالم—قد كُشفت في ثانية واحدة.
"أكاديمية الاستثمار السحري العظيم؟"
قالت بصوتٍ هادئ لكنه يحمل سلطة تجبر الملوك على الانحناء.
"أنا 'إيزابيل'، المفتشة العامة للأكاديميات الإمبراطورية. لقد جئتُ للتحقق من 'الترخيص' الخاص بك... وشرعية أساليبك."
سقط قلبي في معدتي، وشعرتُ ببرودة الموت.
الترخيص؟ أي ترخيص؟ أنا لا أملك حتى ترخيصاً لبيع الماء في الصحراء!
نظرتُ إلى سيلينا التي كانت ترتجف، ثم إلى بارت، ثم إلى الكيس الذي في يدي.
"سيدتي المفتشة..."
رسمتُ ابتسامة القرش الأخيرة، وبذلت كل ما أملك من قوة لإبقاء صوتي ثابتاً.
"لقد وصلتِ في الوقت المناسب تماماً. كنا على وشك البدء في 'العرض التقديمي' لأكبر ثورة تعليمية في تاريخ الإمبراطورية."
****
انتهى الفصل الثالث.