الفصل 12_جوع الحرب البدائي
في مدينةٍ هادئة تطل على البحر…
كان كل شيء ساكنًا كعادته.
الأمواج تتحرك ببطء.
والهواء البارد يمر بين الأزقة الحجرية القديمة.
بعيدةً عن الحروب…
بعيدةً عن الصراخ…
وبعيدةً عن العالم الذي بدأ ينهار.
داخل أحد المباني الصغيرة…
وقف غراب أسود فوق النافذة.
أما آزارث…
فكان جالسًا بصمت.
لكن نيكورديس لم يكن هادئًا.
منذ لقائه بمالثير…
وشيءٌ داخله يصرخ بالخطر.
شيء قديم…
شيء لم يشعر به منذ الحرب القديمة.
فتح نيكورديس عينيه ببطء.
لم تعد عيناه حمراوين كالدم.
بل أصبحتا سوداوين بالكامل.
سوادٌ عميق…
كأنه يبتلع الضوء نفسه.
ثم نظر نحو جسد آزارث الروحي.
وفجأة—
اتسعت عيناه.
كانت هناك رموز غريبة منقسمة إلى نصفين.
النصف الأول…
دائرة سوداء متشققة.
وفي مركزها…
عين مغلقة.
أما النصف الثاني…
فكان ساعة ذهبية مكسورة.
عقرباها يتحركان باتجاهين مختلفين.
ومع كل دورة…
كانت العين تنزف دمًا ذهبيًا.
ثم تتحطم العقارب.
ثم تعود مجددًا.
حلقة أبدية لا تنتهي.
ساد الصمت.
لكن نيكورديس شعر بقشعريرة باردة تسري داخله.
“ذلك الطفل…”
خفض رأسه قليلًا.
“لقد بدأ يتحرك أخيرًا.”
كان يعرف رمز الساعة.
بل يعرفه جيدًا.
لكن…
الدائرة المتشققة والعين المغلقة…
شعر أنه رآها في الماضي.
في زمن بعيد جدًا.
لكن كلما حاول التذكر…
بدأ عقله يتشوش.
وكأن قوة خفية تمنعه من لمس الحقيقة.
عبس نيكورديس.
ثم اقترب من روح آزارث.
حاول لمس الرمز.
لكن—
توقفت مخالبه قبل أن تلامسه.
وكأن شيئًا غير مرئي يرفض اقترابه.
حاول مجددًا.
لكن دون فائدة.
“كما توقعت…”
“قوتي ما تزال ضعيفة.”
نظر بصمت نحو السماء.
“لقد مضت ثلاث سنوات منذ استيقاظي…”
“ومع ذلك… لم أستعد حتى واحدًا بالمئة من قوتي.”
أغمض عينيه للحظة.
ثم أكمل بصوت منخفض:
“أما ناغاروث…”
“فقد استعاد أقل من عشرة بالمئة خلال أسبوع واحد فقط.”
فتح عينيه مجددًا.
“ذلك الطفل يعرف السبب…”
“لكنه لن يخبرني.”
ساد الصمت.
ثم ضحك نيكورديس بخفة.
“حسنًا…”
“سأتحرك حسب ترتيباته إذًا.”
.......... ........ ......
بعد ثلاث ساعات…
كان آزارث يستعد لمغادرة المنزل.
لكن قبل أن يفتح الباب—
تكلم نيكورديس فجأة.
“سنتجه إلى الساحل الجنوبي.”
توقف آزارث.
“لماذا؟”
كان يعلم ما يحدث هناك.
الجرائد منذ أيام لا تتحدث إلا عن البحر المظلم.
والوحوش.
والمدن المختفية.
نظر نيكورديس نحوه.
“لأن الوقت ينفد.”
“وعندما تنتهي كارثة ناغاروث…”
“ستبدأ المنظمات بالتحرك نحوك.”
لم تتغير تعابير آزارث.
لكن داخله تجمد.
“إذا تحركنا الآن…”
“فسنصل خلال يومين.”
.......... ........ ......
في الساحل الجنوبي…
كان الهواء خانقًا.
والسماء سوداء.
ورائحة الدم تملأ المكان.
وقف داركوف أمام البحر.
ورمحه مغروس بالأرض.
خلفه…
آلاف الجنود.
لكن الخوف كان واضحًا على وجوه الجميع.
وفجأة—
تحرك البحر.
ثم خرج شخص من الأعماق.
الحراشف السوداء تغطي جسده.
وشعره الأزرق الطويل يتحرك مع الرياح.
أما عيناه…
فكانتا تحملان شيئًا بدائيًا مرعبًا.
الجوع.
لم يكن سوى ناغاروث.
في اللحظة التي ظهرت فيها هالته—
شحبت وجوه الجنود.
حتى بعض الوحوش المرتبطة بالإمبراطورية بدأت ترتجف.
رفع داركوف رمحه.
ثم صرخ:
“هجوم!!”
اختفى الخوف من أعين الجنود.
وحل مكانه الجنون والعزيمة.
انطلقت الجيوش كالإعصار.
حتى الهواء تمزق من سرعتهم.
أما ناغاروث…
فابتسم فقط.
ثم أمسك رمحه الحديدي.
وانطلق نحوهم.
وخلفه…
اندفعت الوحوش البحرية كالموج الأسود.
اصطدم الجيشان.
وانفجرت الأرض تحت أقدامهم.
الدماء تناثرت.
والأجساد تمزقت.
وصوت الصراخ غطى الساحل بالكامل.
قفز داركوف مباشرة نحو ناغاروث.
“لقد ظننت أن ملك البحر المظلم سيكون بطول مئة متر.”
ضحك وهو يدور برمحه.
“لكن اتضح أنك لا تتجاوز أربعة أمتار.”
ابتسم ناغاروث.
لكن عينيه بقيتا فارغتين.
“إذًا…”
“أنت ناغاروث.”
لم يجب ناغاروث.
لكن شيئًا مرعبًا ظهر داخل عينيه.
جوع بدائي.
جوع للحرب.
جوع للقتل.
شعر داركوف بالخطر فورًا.
فاختفى من مكانه.
وانطلق بسرعة هائلة.
اشتعل رمحه بنيران حمراء متوهجة.
وفي اللحظة التي اقترب فيها—
ظهر النظام أمامه.
[الاسم: داركوف]
[الخطيئة: الغضب النقي]
[الفساد: لا يوجد]
[درجة النقاء: 9%]
اتسعت النيران حول رمحه.
ثم ضرب بكل قوته.
اصطدم الرمحان.
دوّى انفجار هائل.
وتشققت الأرض لعشرات الأمتار.
حتى الوحوش العملاقة اندفعت للخلف من ضغط الهواء.
اختفى داركوف فجأة.
ثم ظهر خلف ناغاروث مباشرة.
وحاول طعن ظهره.
لكن—
ناغاروث صد الهجوم بسهولة.
بل أمسك الرمح بيد واحدة.
ثم دفعه بعنف.
تراجع داركوف للخلف.
لكنه لم يتوقف.
اختفى مجددًا.
ظهر من الأعلى.
ثم من اليمين.
ثم من الخلف.
عشرات الضربات في ثانية واحدة.
لكن ناغاروث…
كان يصدها جميعًا.
بهدوء مرعب.
وفجأة—
اختفى ناغاروث.
اتسعت عينا داركوف.
ثم شعر بخطر هائل.
استدار فورًا.
لكن الأوان كان قد فات.
ضربة واحدة من رمح ناغاروث…
قطعت ذراعه بالكامل.
تناثر الدم.
وسقط داركوف على الأرض وهو يسعل الدماء.
رفع ناغاروث رمحه.
ثم هبط به مباشرة نحو رأسه.
في آخر لحظة—
صنع داركوف درعًا ناريًا.
تحطم فورًا.
لكن تلك اللحظة القصيرة…
أنقذت حياته.
تدحرج للخلف بسرعة.
ثم وقف بصعوبة.
كانت نية القتل تنفجر من جسده.
حتى الهواء احترق.
واشتعل الساحل بالنيران الحمراء والزرقاء.
رفع داركوف رمحه ببطء.
بدأت النيران تتجمع حوله.
حتى السماء نفسها أصبحت حمراء.
صرخ بأعلى صوته.
ثم اندفع.
“لهيب الإمبراطورية!!”
ضرب رمحه رقبة ناغاروث مباشرة.
وفي اللحظة التالية—
غطى انفجار هائل نصف الساحل.
تبخرت الوحوش.
ومات الجنود.
واختفى البحر تحت اللهب.
ساد الصمت.
ثم…
ظهر داركوف وسط الدخان.
يلهث.
وجسده يحترق من شدة الضغط.
“هل… انتصرت؟”
لكن فجأة—
اتسعت عيناه.
نظر للأسفل ببطء.
كان رمح أسود قد اخترق قلبه بالكامل.
وقف ناغاروث خلفه.
دون أي إصابة.
بل…
كان يبتسم فقط.
بدأ الدم يخرج من فم داركوف.
لكنه ضحك بخفة.
“يبدو…” “أنني كنت ضعيفًا فعلًا.”
ثم سقط ميتًا.
اختفت ابتسامة ناغاروث تدريجيًا.
ثم رفع رأسه نحو السماء.
وعيناه تمتلئان بالجوع البدائي.
صرخ.
فاهتز البحر بالكامل.
“ما هذا الملل؟!”
“أريد شخصًا يستحق قتالي!”
“أين العجائز القدماء؟!”
“أين الوحوش التي كانت تقاتل حتى الموت؟!”
اشتدت هالته أكثر.
حتى الوحوش البحرية بدأت ترتجف منه.
“هل أصبح الجميع جبناء بعد الحرب؟!”
.......... ........ ......
في منتصف إحدى الغابات…
كان آزارث يركض بسرعة هائلة.
أما نيكورديس…
فكان صامتًا بشكل غريب.
“سينتهي القتال قريبًا…”
فكر داخله.
“علينا الوصول بسرعة.”
وفجأة—
تحطم الفراغ أمامهما.
وخرجت ذراع رمادية عملاقة.
قبل أن يفهم آزارث شيئًا…
سُحب الاثنان داخل الشق.
وفي اللحظة التالية—
ظهروا في الساحل الجنوبي.
شعر آزارث أن الأرض لزجة.
نظر للأسفل.
ثم تجمد مكانه.
الدماء.
الجثث.
الأشلاء.
الساحل بالكامل تحول إلى مقبرة.
حتى البحر…
أصبح أحمر.
اتسعت عيناه.
ثم نظر للأمام.
كان هناك وحش يقف وسط الجثث.
بطول أربعة أمتار.
حراشف سوداء.
ورمح يقطر دمًا.
ثم ظهر النظام أمام آزارث فجأة:
[تحذير]
[أمامك أحد الخطايا القديمة]
[لا تفكر بقتاله]
[رغم ضعفه بسبب الاستيقاظ الحديث… إلا أنه أقوى منك بفارق هائل]
[جارٍ استخراج المعلومات…]
[الاسم: ناغاروث]
[الخطيئة: الجوع البدائي]