الفصل 11_المستقبل المتوقع

ضرب فالدار الطاولة بقبضته بعنف.

اهتزت القاعة بالكامل.

حتى الخرائط المعلقة على الجدران سقط بعضها على الأرض.

“أين هو بالتحديد؟!”

صرخ بصوتٍ دوّى داخل القاعة كالرعد.

وقف الجندي أمامه متوترًا يحاول السيطرة على ارتجاف جسده.

“الساحل الجنوبي… سيدي.”

ساد الصمت للحظة.

ثم رفع فالدار رأسه ببطء.

“ومن المسؤول عن الساحل الجنوبي؟”

ابتلع الجندي ريقه.

“رمح الساحل الشرقي… داركوف.”

اختفت ملامح الغضب من وجه فالدار تدريجيًا.

ثم جلس على كرسيه ببطء.

“إذًا…” “سيتكفل الساحل الجنوبي بذلك الوحش.”

اتسعت أعين بعض القادة.

لكن فالدار أكمل ببرود:

“سننتظر حتى يضعف.”

“ثم ننصب له كمينًا قرب العاصمة.”

“أما بقية الوحوش البحرية…” “فهناك احتمال كبير أن تعود إلى البحر.”

“احتمال؟!”

صرخ أحد الرجال الجالسين حول الطاولة.

كان رجلًا نحيفًا ذا شعر أشيب وعينين حادتين.

“هل تريد وضع مصير الإمبراطورية على مجرد احتمال؟!”

وقف بعنف.

“بل وتريد التضحية بالساحل الجنوبي بالكامل؟!”

“يجب إرسال الجيش فورًا!”

ساد الصمت داخل القاعة.

ثم…

ابتسم فالدار ببطء.

لكن ابتسامته لم تكن مريحة.

“إذا كانت لديك روح بطولية لهذه الدرجة…”

وقف.

ثم نظر مباشرة نحو الرجل.

“فاذهب أنت واقتل ناغاروث.”

“ونحن سنتكفل بالبقية.”

تغير وجه الرجل فورًا.

شحب لونه.

لكن قبل أن يتكلم—

ظهر صوت طفولي فوق الجميع.

“ماذا تريدون أن تفعلوا؟”

تجمدت القاعة.

“هل تخططون فعلًا لقتل ناغاروث الصغير…” “بهذه القوة الضعيفة؟”

رفع الجميع رؤوسهم فورًا.

واتسعت أعينهم بصدمة.

كان هناك طفل يطفو في الهواء فوق الطاولة المستديرة.

بدا بعمرٍ لا يتجاوز الثانية عشرة.

شعره أبيض مجعد.

وبشرته شاحبة كثلجٍ لم تلمسه الشمس.

أما عيناه…

فكانتا زرقاوين بشكل غير طبيعي.

وابتسامته العريضة…

بدت وكأنها لم تختفِ عن وجهه منذ ولادته.

شعر فالدار بقشعريرة تسري في جسده.

“من أنت…؟”

“وكيف دخلت إلى هنا؟!”

ضحك الطفل بخفة.

ثم وضع إصبعه على ذقنه وكأنه يفكر فعلًا.

“أنا؟”

“لقد نسيت من أكون.”

مال برأسه قليلًا.

“أما كيف دخلت…”

ثم أشار نحو الرجل الأشيب.

“فقد مررت بجانبكم عندما كان هذا الرجل يتحدث عن التضحية بالساحل الجنوبي.”

لا تزال الابتسامة فوق وجهه.

ابتسامة بريئة…

لكنها جعلت القاعة بأكملها تشعر بالخوف.

ضرب الرجل الأشيب الطاولة بعصبية.

“لا تكذب أيها الطفل!”

“اعترف حالًا!”

ساد الصمت.

ثم…

عبس الطفل قليلًا.

مجرد عبوس بسيط.

لكن العالم تغيّر.

تجمد الهواء.

اختفى الصوت.

وأصبح الضغط داخل القاعة مرعبًا لدرجة أن الجدران نفسها بدأت تتشقق.

اتسعت أعين الجميع.

وسقط القادة والجنود على ركبهم فورًا.

بدأ البعض يسعل الدم.

حتى فالدار…

شعر وكأن قلبه سيتوقف.

أما الطفل…

فبقي يبتسم فقط.

ثم اختفى الضغط فجأة.

وعاد العالم للتنفس.

بدأ الجميع يلهث بعنف.

نظر فالدار نحو الطفل المرتفع في الهواء.

ثم سأل بصوت مرتجف:

“ماذا… تريد؟”

ابتسم الطفل مجددًا.

“لا أريد شيئًا.”

“لكن دعني أحذركم…”

أصبحت عيناه أكثر عمقًا فجأة.

“لا تهاجموا ناغاروث عند الساحل الجنوبي.”

“انتظروه عند العاصمة.”

تغيرت ملامح فالدار فورًا.

“لماذا؟”

لكن الطفل لم يجب.

بل ضحك بخفة.

ثم اختفى.

دون أي أثر.

وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

ساد الصمت داخل القاعة.

حتى بعد اختفائه…

بقي الجميع يرتجفون.

وقف فالدار بصعوبة.

ثم قال مباشرة:

“تم تغيير الخطة.”

“سوف ننتظر عند العاصمة.”

“لكن سيدي فالدا—”

“اخرس!”

صرخ بعنف.

“لا أريد مواجهة وحشين في الوقت نفسه.”

شحب وجه الرجل فورًا.

أما فالدار…

فكان يعلم شيئًا واحدًا فقط.

ذلك الطفل…

لم يكن إنسانًا طبيعيًا.

.......... ........ ......

خرج الطفل من متجر صغير وهو يمسك بحلوى تفاح.

أزال الغلاف ببطء.

ثم أخذ قضمة صغيرة.

“نيكورديس الصغير…”

ضحك بخفة.

“عليك أن تتحرك كما خططت لك.”

كان يتحدث مع نفسه وكأنه يستمتع بمسرحية طويلة.

ثم…

اختفى.

وفي اللحظة التالية—

ظهر فوق أحد المباني داخل مدينة مطلة على بحرٍ هادئ.

وقف هناك بصمت.

ثم نظر للأسفل.

كان غراب أسود يقف فوق كتف شاب ذي شعر أسود داكن وعينين مظلمتين.

لم يكن ذلك الشاب سوى آزارث.

أما الغراب…

فكان نيكورديس.

اتسعت ابتسامة الطفل.

وفجأة—

ظهرت عقارب ساعة داخل عينيه.

عقرب طويل.

وآخر قصير.

كانا يدوران ببطء داخل ظلام ذهبي عميق.

تك…

تك…

تك…

ثم نظر نحو آزارث مجددًا.

لكن…

ما رآه لم يكن الجسد الحقيقي.

بل الجسد الروحي.

اتسعت عيناه قليلًا.

“كما توقعت…”

“مالثير الصغير.”

كان فوق روح آزارث رمز غريب.

دائرة سوداء متشققة.

وفي مركزها…

عين مغلقة.

لكن الطفل رفع يده ببطء.

فتغير الرمز.

اختفى نصف الدائرة.

وتحول إلى ساعة ذهبية مكسورة.

كانت عقاربها تتحرك باتجاهين مختلفين.

ومع كل دورة…

كانت العين تنزف دمًا ذهبيًا.

ثم تتحطم العقارب.

ثم تتجدد مجددًا.

حلقة أبدية لا تنتهي.

وفي اللحظة التالية—

ظهر كتاب أسود من العدم.

غلافه مغطى برموز لا يستطيع العقل البشري فهمها.

لكن الرمز الأوضح…

كان دائرة من عقارب ذهبية تدور بعكس بعضها.

بدأت الصفحات تتقلب وحدها.

تك…

تك…

تك…

ومع كل صفحة…

كان صوت الزمن يصبح أعلى.

حتى توقف الكتاب فجأة.

ثم ظهرت كلمات حمراء باهتة فوق الصفحات السوداء:

[تم تأكيد المستقبل المتوقع]

2026/06/06 · 1 مشاهدة · 736 كلمة
ZERO
نادي الروايات - 2026