الفصل 14_إليون.

“إذا كان كل هذا بسببك…”

“فأنت من جعلهم يأتون إلى هنا ليلقوا حتفهم.”

تحدث ناغاروث بينما كانت عيناه تمتلئان بالجوع البدائي.

وقف فوق بحر الدماء بهدوء مرعب.

رمحه الأسود يقطر دمًا.

والهواء من حوله يرتجف مع كل نفس يخرجه.

ابتسم الطفل ذو الشعر الأبيض المجعد.

تلك الابتسامة… التي لم تختفِ أبدًا.

“ماذا؟”

“هل أنت نادم على قتلهم؟”

سأل إليون وهو يميل رأسه بفضول طفولي.

“لا.”

أجاب ناغاروث ببرود.

“لكن…”

“كان يمكن أن يصبح قتالهم ممتعًا مستقبلًا.”

ضحك الطفل بخفة.

“إذًا أنت لست مجنونًا…”

“أنت فقط عقلاني.”

“أنا لست مجنونًا.”

“لكن الخطيئة تجعلني هكذا.”

أجاب ناغاروث بينما كان البحر خلفه يهتز بعنف.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم فجأة—

ظهر كتاب أسود من العدم أمام إليون.

غلافه مغطى برموز لا يستطيع العقل البشري فهمها.

لكن الرمز الأوضح…

كان دائرة مكونة من عقارب ذهبية تدور بعكس بعضها البعض.

بدأت الصفحات تتقلب وحدها.

تك…

تك…

تك…

ومع كل صفحة…

كان صوت الزمن يزداد وضوحًا.

حتى بدا وكأن العالم كله يتحرك مع صوت العقارب.

ثم توقفت الصفحات عند صفحة فارغة.

ضاقت عينا ناغاروث قليلًا.

ثم قال ببرود:

“سوف أعود من حيث أتيت.”

“لا داعي للكتابة.”

ابتسم إليون ببراءة.

“افعل ذلك من فضلك.”

استدار ناغاروث ببطء.

لكن قبل أن يخطو نحو البحر…

توقف فجأة.

“أيها الطفل…”

“أنت لست قويًا مقارنة بقوتنا الكاملة.”

“لو واجهت أيًا من وحوش تلك الحرب وجهًا لوجه…”

“لمت في منتصف المواجهة.”

عم الصمت للحظة.

ثم ضاقت عينا ناغاروث قليلًا.

“لكن الغريب…”

“أن الجميع…”

“لم يكونوا يجرؤون على قتالك.”

ارتفعت ابتسامة إليون أكثر.

“يمكنك سؤال نفسك…”

“لماذا لم تكن تجرؤ على قتالي…”

“في الماضي والحاضر يا ناغاروث الصغير.”

لم يجب ناغاروث.

لكنه لم ينكر.

فقط استدار مجددًا.

ثم بدأ يمشي نحو البحر.

لكن—

“لماذا استيقظت قبل خطيئة الموت؟”

توقف ناغاروث.

واستدار جزئيًا.

نظر نحو الطفل الجالس فوق سور محطم.

ثم انفجر ضاحكًا.

“هل بدأ طول عمرك يؤثر على عقلك الصغير؟”

“لقد ماتت خطيئة الموت…”

“في الحرب السابقة.”

للحظة واحدة فقط—

اتسعت عينا إليون الزرقاوان.

لكن سرعان ما عادت ملامحه الطفولية.

“الحرب السابقة…؟”

“ماذا تقصد؟”

سأل بحماس حقيقي.

لكن ناغاروث اكتفى بالضحك.

“لماذا تسأل فجأة؟”

لم يتفاجأ ناغاروث بسؤاله.

لأن إليون في الماضي…

كان دائمًا يسأل عن أشياء حدثت بالفعل.

وكأنه لم يعشها.

ابتسم إليون بخفة.

“كنت أختبر ذاكرتك فقط.”

ثم—

نظر إلى مكان بعيد.

لاحظ ناغاروث ذلك.

فاتبع نظرته.

وعندما رأى ما هناك…

بدأ يضحك مجددًا.

“إذًا…”

“لقد وُلدت الحياة من جديد.”

ثم غاص داخل البحر الأسود.

واختفى تدريجيًا بين الأمواج القرمزية.

...

عمّ الصمت.

لكن فوق أحد المباني المحطمة المطلة على الساحل—

وقفت امرأة بصمت.

كانت ترتدي فستانًا أسود ملكيًا طويلًا.

امتد الفستان فوق الحجارة الملطخة بالدماء…

لكن الدم لم يجرؤ حتى على ملامسته.

شعرها الفضي الطويل تحرك ببطء مع الرياح.

أما عيناها الرماديتان…

فكانتا هادئتين بشكل غريب.

وفي يدها…

بطاقة سوداء.

يتوسطها: هلال غير مكتمل.

وتحته…

زهرة بيضاء ذابلة.

لكن بتلاتها كانت تتجدد كلما ذبلت.

نظرت المرأة نحو إليون بدهشة طفيفة.

“لم أتوقع…”

“أنك لم تتغير.”

سألت بهدوء.

ابتسم إليون.

“على حد علمي…”

“لم نلتقِ من قبل.”

صمتت المرأة للحظة.

ثم ضاقت عيناها قليلًا.

وكأنها أدركت شيئًا.

“آه…”

“إذًا لقد ورثتِ الذكريات أيضًا.”

“هذا نادر جدًا.”

تمتم إليون وهو يميل رأسه بفضول.

وفي اللحظة التالية—

ظهر النظام أمام المرأة.

لكن هذه المرة…

بدأ بالارتجاف.

وكأن وجود إليون وحده…

يشوش على عمله.

ثم بدأت الكلمات بالظهور ببطء.

[الاسم: فيلاريس]

[الخطيئة: الحياة]

[الحالة: وريثة الخطيئة القديمة]

[درجة التوافق: غير مستقرة]

[تحذير]

الطاقة الحيوية المحيطة بالحاملة تتجاوز حدود المعايير الطبيعية.

[تحذير]

الوجود القريب يبدأ باستعادة وظائفه الحيوية قسرًا.

[تحذير]

الموتى ضعيفو الإرادة قد يعودون للحركة تلقائيًا.

اتسعت عينا فيلاريس قليلًا.

لكن قبل أن يختفي النظام—

ظهرت نافذة أخرى تلقائيًا.

دون أن تطلبها.

[الاسم: إليون]

[الخطيئة: غير قابلة للتحديد]

[التحليل: فشل]

[تحذير]

تم رصد تداخل زمني خارج حدود النظام.

[تحذير] البيانات الحالية غير كافية لفهم الكيان.

[تحذير]

لا يمكن تحديد الأصل.

[جاري البحث في السجلات...]

...

...

[فشل]

[السجل أقدم من النظام الحالي]

[تحذير أخير]

إذا استمر حامل النظام بمحاولة التحليل…

فقد يتعرض الإدراك العقلي للانهيار.

تجمدت نظرات فيلاريس.

حتى هي…

لم تستطع فهم معنى: “أقدم من النظام الحالي.”

لكنها فهمت شيئًا واحدًا فقط.

هذا الطفل…

ليس مجرد خطيئة.

ابتسم إليون بسعادة طفولية.

“على الأقل…”

“عرفتِ اسمي.”

ثم وضع يده على ذقنه وكأنه يفكر بجدية شديدة.

“أما لماذا أحضرتك…”

صمت للحظة.

ثم فجأة اتسعت ابتسامته.

“آه!”

“تذكرت!”

أشار بإصبعه نحو آزارث الملقى وسط بحر الدماء.

“عالجي ذلك الطفل الصغير.”

نظرت فيلاريس نحو آزارث.

وفي اللحظة التي وقعت عيناها عليه—

ارتجفت الحياة من حولها.

العشب اليابس بدأ ينمو فوق الحجارة.

الدماء السوداء بدأت تتفتح فوقها زهور بيضاء صغيرة.

حتى الهواء الثقيل…

أصبح أخف.

“حامل اليأس…”

تمتمت بهدوء.

ثم سألت:

“وماذا عن الغراب؟”

“تقصدين نيكورديس الصغير؟”

“يمكنك تجاهله.”

أجاب إليون ببساطة.

ثم—

اختفى.

اتسعت عينا فيلاريس.

ظهر بجانبها مباشرة.

دون أي انتقال.

دون أي أثر للطاقة.

وكأنه…

كان يقف هناك منذ البداية.

تراجعت خطوة للخلف غريزيًا.

لأول مرة منذ استيقاظ الخطيئة....

شعرت بالخطر.

تذكرت كلمات ناغاروث قبل رحيله:

“إليون ليس قويًا مقارنة بنا في أوج قوتنا…”

لكن الآن—

بدأت تشك بمعنى: “القوة.”

لأن الشيء المرعب في إليون…

لم يكن هالته.

بل: أن العالم نفسه بدا وكأنه لا يفهم وجوده.

وفي اللحظة التالية—

تشقق الفراغ بصمت.

وظهرت يد رمادية ضخمة من العدم.

أحاطت الاثنين.

ثم سحبتهما داخل الظلام.

...

وعندما ظهرا مجددًا—

كانا أمام جسد آزارث.

تقدمت فيلاريس ببطء.

وفي كل خطوة…

بدأت الحياة تنتشر حولها بشكل مرعب.

الأرض المتشققة أزهرت.

البحر الأحمر ظهرت فوقه زهور بيضاء تطفو بصمت.

حتى الجثث الممزقة…

بدأت ترتجف.

ثم ظهرت هالة خضراء نقية حول جسدها.

لكن…

لم تكن هالة لطيفة.

بل كانت حياة مفرطة…

أجبرت الموت نفسه على التراجع.

بدأت الجثث بالنهوض ببطء.

جنود.

وحوش.

أجساد ممزقة.

كلهم وقفوا بصمت.

لكن وجوههم…

كانت مشوهة بشكل مرعب.

وكأن الحياة أعادت أجسادهم…

دون أن تعيد ما بداخلهم.

ثم—

ركعت جميع الكائنات المشوهة أمام فيلاريس على ركبة واحدة.

ساد الصمت.

نظرت إليهم بطرف عينها فقط.

وفي اللحظة التالية—

سقط الجميع موتى مجددًا.

2026/06/07 · 1 مشاهدة · 938 كلمة
ZERO
نادي الروايات - 2026