الفصل 19: المنسي من التاريخ

قبل يوم…

كانت الأمواج القرمزية تضرب الساحل ببطء.

والسماء مغطاة بغيوم سوداء ثقيلة.

أما الجثث…

فما تزال تملأ الأرض.

تقدمت فيلاريس نحو جسد آزارث الملقى وسط بحر الدماء.

ركعت ببطء.

ثم وضعت يديها فوق صدره.

في اللحظة التالية—

انتشرت هالة خضراء فضية من كفيها.

ليست مجرد طاقة حياة…

بل مفهوم الحياة نفسه.

بدأت عظام آزارث بالتحرك.

تك…

تك…

تك…

عاد العظم ليلتحم.

اللحم نما فوقه.

الأوردة عادت.

الجلد تشكل من جديد.

وخلال ثوانٍ فقط…

عاد جسده كما كان.

لكن—

لم يفتح عينيه.

تراجعت فيلاريس خطوة للخلف.

ثم قالت بهدوء:

“لقد مات.”

ساد الصمت للحظات.

ثم أكملت:

“أستطيع إعادة الجسد.”

“لكن الروح…”

“لن تعود كما كانت.”

اقترب إليون بهدوء.

عيناه الزرقاوان تدور داخلهما العقارب الذهبية ببطء.

ثم قال:

“ابتعدي قليلًا.”

لم تسأل فيلاريس.

فقط تراجعت بصمت.

وفجأة—

تك…

تاك…

تك…

تاك…

تك…

تاك…

ظهر صوت ساعة قديمة.

صوت…

بدا وكأنه قادم من خارج الزمن نفسه.

ثم—

ظهرت خلف إليون ساعة هائلة.

أكبر من المباني.

عقاربها الذهبية تدور بعكس بعضها بعنف.

بدأ الزمن بالعودة.

الأمواج عادت للخلف.

قطرات الدم ارتفعت من الأرض.

حتى الرياح…

تراجعت للحظة.

ثم—

ارتجف جسد آزارث بعنف.

دق…

دق…

دق…

عاد قلبه للنبض.

اتسعت عينا فيلاريس.

“ماذا فعلت…؟”

نظر إليها إليون بهدوء.

“هل تعرفين القانون المطلق للخطيئة؟”

أومأت برأسها ببطء.

“فناء الروح والجسد.”

“نعم.”

“لكن روحه…”

“لم تفنَ بالكامل بعد.”

ثم أشار نحو الساعة خلفه.

“الزمن لا يعيد الموتى.”

“لكنه…”

“يعيد ما لم يكتمل فناؤه بعد.”

اختفت الساعة تدريجيًا.

لكن—

قبل أن يتكلم أحد…

هاهاهاهاهاهاهاها…!

انفجرت ضحكة بائسة داخل المكان.

ثم—

صرخة.

صرخة جعلت الهواء يرتجف.

فتح آزارث عينيه فجأة.

لكن عينيه…

لم تكونا طبيعيتين.

كانتا ممتلئتين بالجنون.

“ابتعدوا عني!!”

صرخ بعنف.

ثم أمسك رأسه بجنون.

بدأ جسده يرتجف.

وعيناه تتحركان بعشوائية.

“لا أريد سماعكم!!”

“اصمتوا!!”

تراجعَت فيلاريس خطوة.

أما إليون…

فضاقت عيناه.

ثم فجأة—

غرس آزارث أسنانه في ذراعه.

مزق اللحم.

كسر العظم.

وأكل القطع المتساقطة كأنه لم يشعر بالألم.

تناثرت الدماء فوق الأرض.

لكن آزارث لم يتوقف.

“تعال…”

“تعال إلي…”

ظهر صوت داخل رأسه.

صوت ثقيل.

قديم.

يشبه صدى لا نهائيًا.

ثم—

صوت آخر.

“لا تأتي…”

“لا تقترب…”

اتسعت عينا آزارث.

لأنه رأى القلعة.

قلعة أركاد.

العرش الأسود.

الصورة خلفه.

والرجل الجالس…

والسيف المغروس داخل قلبه.

لكنه لم يكن هناك.

ومع ذلك…

كان يراها بوضوح.

“لا…”

“لا…”

سقط على الأرض وهو يصرخ.

أما فيلاريس…

فهمست بصوت مرتجف:

“ماذا يحدث له…؟”

أجاب إليون بهدوء:

“هناك صوتان داخل رأسه.”

“أحدهما…”

“يدعوه إلى العرش.”

صمت للحظة.

ثم أكمل:

“والآخر…”

“يحاول منعه.”

اتسعت عينا فيلاريس.

“من…؟”

لكن إليون لم يجب.

وفجأة—

تحرك بسرعة.

وضرب آزارث على رأسه.

فقد آزارث وعيه فورًا.

ساد الصمت.

ثم—

تجمد إليون فجأة.

ظهرت أمامه صفحات سوداء.

الكتاب.

بدأت الصفحات تتقلب بعنف.

أما العقارب داخل عينيه…

فدارت بسرعة مرعبة.

ثم ظهرت الكلمات.

[تم تحريف المستقبل المتوقع]

[الاحتمالات بدأت بالانهيار]

[تم رصد نقطة خارج الحسابات الزمنية]

[تحذير]

[المستقبل لم يعد ثابتًا]

اختفت ابتسامة إليون.

ثم قال بسرعة:

“خذيه معك.”

قبل أن تسأل فيلاريس—

اختفى.

............

............

............

بعد ساعات…

كانت السماء سوداء بالكامل.

البرق يمزق الغيوم.

والرعد يهز البحر.

أما جسد الغراب العملاق…

فبدأ بالتلاشي.

الريش تحول إلى دخان.

العظام اختفت.

حتى الظلال…

بدأت تذوب.

ثم—

بقي غراب صغير فقط.

مغلق العينين.

وفجأة—

فتح عينيه.

وفي اللحظة نفسها…

ظهرت خيوط سوداء من العدم.

لم يكن لها مصدر واضح.

لكن الغراب شعر بها.

قلعة أركاد.

العرش المظلم.

بدأت الخيوط تدخل جسده.

تلتف حول قلبه.

حتى أصبح قلبه…

أسود بالكامل.

ثم ظهر صوت.

“إذا أردت القوة…”

“فاجلب اليأس.”

“اليأس…”

“هو المفتاح.”

كرر الصوت الجملة مرارًا.

لكن شيئًا ما بدأ يتغير.

عينا الغراب أصبحتا أعمق.

أبرد.

أكثر ظلمة.

حتى الظلال…

بدأت ترتجف خوفًا منه.

ثم—

انفجرت هالة سوداء من جسده.

غطت المدن القريبة.

أطفأت الأنوار.

وأغرقت الجميع باليأس.

وفي وسط الظلام…

خرج شخص.

شاب طويل يرتدي معطفًا أسود.

شعره داكن.

وعيناه حمراوان كهاوية لا نهاية لها.

نظر نحو السماء.

ثم قال بهدوء:

“سأساعدك…”

“على جلب اليأس.”

ثم اختفى.

............

............

............

في الوقت الحاضر…

كان هناك رجلان مقيدان بسلاسل صدئة داخل مكان مجهول.

النصف السفلي من جسديهما…

غير موجود.

لا دماء.

فقط قطرات سوداء تسقط…

ثم تختفي قبل أن تلامس الأرض.

كانا يحدقان في رسائل النظام.

ثم انفجرا ضاحكين.

“لقد فعلها…”

“لقد قلب العالم رأسًا على عقب.”

ظهر النظام أمامهما.

[تحذير عالمي]

[تم فقدان سجل زمني رئيسي]

[فشل في استعادة البيانات]

[خطأ]

[اسم غير معروف]

[خطأ]

[تم حذف المعلومات من التاريخ]

توقفت الرسائل.

أما الرجلان…

فظلا يضحكان.

............

............

............

“أنا ذاهب.”

قالها إليون بهدوء.

ثم اختفى.

وفي اللحظة التالية—

ظهر أمام قلعة أركاد.

لكن قبل أن يدخل…

ظهر الكتاب أمامه بعنف.

[تحذير]

[تم قطع جميع الاتصالات مع العرش المظلم]

[تحذير]

[تم عزل قلعة أركاد عن النظام العالمي]

[تحذير]

[لا يمكن تحليل السبب]

اتسعت عينا إليون.

ثم اندفع داخل القلعة.

وعندما وصل إلى القاعة الرئيسية…

تجمد.

كانت هناك روح شفافة تقف أمام العرش.

روح…

تقطع الخيوط المرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل.

وفي اللحظة نفسها—

فهم إليون كل شيء.

خطة الشخص القديم.

كل شيء.

ظهر الكتاب مرة أخرى.

[تم رصد روح خارج نطاق قانون الخطيئة]

[خطأ]

[الروح لا تخضع للنظام الحالي]

[خطأ]

[تعذر التحليل]

[الخطر غير قابل للتقدير]

وفجأة—

انفجرت هالة زرقاء من جسد إليون.

غطت القارات.

البحار.

العالم بأكمله.

ثم—

توقف الزمن.

كل شيء تجمد.

البشر.

البحار.

الرياح.

حتى الضوء.

إلا الروح.

نظرت الروح نحو إليون.

ثم عادت إلى الصورة.

أما إليون…

فلم يسمح للزمن بالعودة.

بل اختفى مباشرة.

وظهر داخل مبنى قديم.

على بابه رمز:

دائرة متشققة.

وفي المنتصف…

عين مغلقة.

دخل بسرعة.

ثم صرخ:

“مالثير… استيقظ.”

فتحت عينان ذهبيتان داخل الظلام.

استيقظ مالثير فورًا.

نظر حوله.

ثم لاحظ:

الزمن متوقف.

اختفت تعابيره فورًا.

“كارثة؟”

أجاب إليون بسرعة:

“امحُ ذكرياتي.”

اتسعت عينا مالثير.

لكن إليون أكمل فورًا:

“امحُ ذكريات الجميع عني.”

“حتى النظام العالمي.”

“اجعل الأمر…”

“وكأن إليون لم يوجد أبدًا.”

لأول مرة منذ قرون…

تغيرت تعابير مالثير.

لكنه لم يسأل.

فقط أغمض عينيه.

ثم—

انتشرت هالة عديمة اللون.

غطت العالم بالكامل.

ظهرت رسائل النظام:

[تحذير]

[فقدان بيانات رئيسية]

[خطأ]

[تعذر استعادة السجل]

[خطأ حرج]

[تم حذف كيان من التاريخ]

[فشل في تحديد الهوية]

ثم—

اختفت جميع الرسائل.

ساد الصمت.

ثم فتح مالثير عينيه.

“لقد انتهى.”

“الآن…”

“لا أحد يتذكرك.”

نظر نحوه بهدوء.

“أيها المنسي من التاريخ.”

ساد الصمت للحظة.

ثم سأل مالثير:

“ماذا حدث؟”

ابتسم إليون ابتسامة طفولية خافتة.

“لا أستطيع إخبارك.”

“لكن…”

“ذلك الشخص…”

نظر نحو البعيد.

“لم تفشل خطته بالكامل.”

اتسعت عينا مالثير.

لكنه لم يسأل أكثر.

“ماذا ستفعل الآن؟”

أجاب إليون وهو يستدير نحو الباب:

“سأعود إلى غابة الأسرار.”

“حتى ينسى النظام ما فقده.”

ثم ابتسم مجددًا.

“وأنت؟”

أغلق مالثير عينيه.

“سأعود إلى النوم.”

أما إليون…

فنظر نحو السماء المتجمدة.

ثم قال بهدوء:

“إذًا…”

“حان وقت إعادة الزمن.”

2026/06/09 · 2 مشاهدة · 1057 كلمة
ZERO
نادي الروايات - 2026