الفصل6_صدى الماضي
هبّت الرياح الباردة فوق الأنقاض.
لكن آزارث لم يستطع تحريك جسده.
كانت عيناه لا تزالان مثبتتين على المكان الذي اختفى فيه الرجل الغامض.
وكأن وجوده ترك أثرًا داخل الهواء نفسه.
ساد الصمت.
صمت ثقيل… وغير مريح.
ثم التفت آزارث ببطء نحو نيكورديس.
ولأول مرة…
رأى شيئًا غريبًا في عينيه.
التوتر.
“من كان ذلك…؟”
لم يجب نيكورديس.
استمر بالنظر نحو المبنى بصمت.
وكأن عقله عاد إلى مكان بعيد جدًا.
اقترب آزارث خطوة أخرى.
“نيكورديس.”
“من هو؟”
هذه المرة…
تحرك الغراب أخيرًا.
فتح جناحيه السوداوين ببطء.
ثم قال بصوت منخفض:
“شخص… كان يجب أن يبقى ميتًا.”
شعر آزارث بقشعريرة تسري في ظهره.
“ميت…؟”
ضحك نيكورديس فجأة.
لكن ضحكته هذه المرة لم تكن مرعبة…
بل بدت باردة.
فارغة.
“في هذا العالم…”
“بعض الأشياء ترفض الموت.”
بدأ الضباب يزداد كثافة حول الأنقاض.
والظلال أصبحت أطول بشكل غير طبيعي.
شعر آزارث بأن شيئًا يراقبه من بعيد.
شيء لا يستطيع رؤيته.
ثم…
ظهر صوت النظام فجأة داخل عقله:
[تحذير]
[تم رصد أثر خطيئة قديم]
اتسعت عينا آزارث فورًا.
لكن قبل أن يسأل—
اهتزت الأرض تحت قدميه.
وتشققت الحجارة السوداء حول المبنى المهدم.
ثم…
خرجت يد رمادية من داخل الظلام.
يد بشرية…
لكن أصابعها كانت طويلة بشكل مرعب.
توقف قلب آزارث للحظة.
أما نيكورديس…
فنظر إليها بصمت.
ثم همس:
“لقد بدأ الأمر…”
تشققت الأرض أكثر.
وخرجت اليد بالكامل من الظلام.
ثم ظهرت بعدها ذراع مشوهة مغطاة بعروق سوداء تتحرك كالأفاعي.
تراجع آزارث خطوة للخلف فورًا.
شعر بغريزة خطيرة تصرخ داخل جسده.
“اهرب…”
لكن الشيء الذي خرج من الشق لم يكن وحشًا عاديًا.
بل بدا…
كجثة تحاول تقليد البشر.
ارتفع الجسد ببطء من داخل الظلام.
عينان فارغتان.
فم ممزق حتى الأذنين.
وجلد رمادي متعفن.
لكن الأسوأ…
أن جسده كان مليئًا بعلامات الخطيئة.
نفس العلامات التي بدأت تظهر على ذراع آزارث أحياناًفي شهر التدريب.
ظهر النظام فجأة:
[كائن ملوث بالخطيئة]
[الاسم غير معروف]
[درجة الخطر: مرتفعة]
تحرك الكائن فجأة.
اختفى من مكانه.
ثم ظهر أمام آزارث مباشرة.
اتسعت عينا آزارث.
رفع ذراعه بسرعة—
لكن الكائن ضربه بعنف في صدره.
طار جسده وتحطم داخل أحد الجدران.
تناثر الحجر في كل مكان.
وسعل الدم بقوة.
وقف الكائن بصمت.
ثم بدأ رأسه يتحرك بطريقة غير طبيعية.
وكأنه يشم رائحة آزارث.
ثم…
ابتسم.
ابتسامة ملتوية جعلت جسد آزارث يقشعر.
“إنه… يبتسم؟”
همس آزارث بصعوبة.
وفجأة—
تحدث الكائن.
بصوت متقطع ومشوه:
“اليأ…س…”
“حام…ل…”
اتسعت عينا آزارث بصدمة.
لكن قبل أن يتحرك—
انفجرت هالة سوداء هائلة داخل المكان.
تجمد الهواء.
وتوقفت الظلال عن الحركة.
حتى الكائن نفسه ارتجف بعنف.
رفع آزارث رأسه ببطء.
ورأى نيكورديس.
لكن…
شيئًا فيه كان مختلفًا.
عيناه الحمراوان أصبحتا أكثر ظلامًا.
والهالة حوله لم تعد تشبه هالة غراب…
بل شيء أقدم بكثير.
شيء لا يجب أن يوجد في هذا العالم.
فتح نيكورديس جناحيه ببطء.
ثم قال بصوت جعل الأرض تهتز:
“اخفض رأسك.”
في اللحظة التالية—
انهار الكائن بالكامل.
تحطم جسده.
وتحول إلى رماد أسود دون أن يلمسه أحد.
ساد الصمت.
نظر آزارث نحو نيكورديس بذهول.
ثم همس:
“ما… أنت بالضبط؟”
لكن نيكورديس لم يجب.
استدار ببطء نحو الظلام البعيد.
وكأنه شعر بشيء آخر هناك.
ثم قال بصوت منخفض:
“إنه يقترب…”
شعر آزارث بأن قلبه انقبض.
“من… يقترب؟”
لكن نيكورديس لم ينظر إليه.
ظل يحدق في أعماق الظلام البعيد.
وكأن شيئًا هناك يتحرك بين الأشجار.
شيء لا تستطيع العين رؤيته…
لكن الروح تشعر به.
بدأ الضباب الأسود ينتشر ببطء حول الأنقاض.
والهواء أصبح أثقل مع كل ثانية.
حتى التنفس صار صعبًا.
ظهر النظام مجددًا داخل عقل آزارث:
[تحذير]
[ارتفاع كثافة الخطيئة في المنطقة]
[يرجى الهروب فورًا]
اتسعت عينا آزارث.
“الهروب…؟”
ولأول مرة…
بدا النظام نفسه خائفًا.
فجأة…
توقفت الرياح.
ثم—
ساد الصمت الكامل.
ليس صمتًا طبيعيًا…
بل صمت ابتلع العالم.
لا أصوات.
لا حركة.
حتى نبضات قلب آزارث شعر وكأنها اختفت للحظة.
ثم…
سمع صوت خطوات.
خطوة…
خطوة…
خطوة…
صوت هادئ جدًا.
لكنه جعل جسد آزارث يتجمد بالكامل.
ظهر ظل طويل بين الأشجار.
ثم بدأت ملامحه تتضح تدريجيًا.
معطف أسود.
شعر داكن يتحرك مع الرياح الباردة.
وعينان رماديتان تحملان هدوءًا مخيفًا.
كان نفس الرجل.
توقف على بعد عدة أمتار فقط.
ونظر مباشرة إلى آزارث هذه المرة.
شعر آزارث وكأن كل أفكاره أصبحت مكشوفة أمام تلك العينين.
ثم…
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
“إذاً…”
“هذا هو الحامل الجديد.”
شعر آزارث بغضب مفاجئ.
“من أنت؟!”
لكن الرجل تجاهله تمامًا.
بل نظر إلى نيكورديس فقط.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم تحدث نيكورديس أخيرًا.
ولأول مرة منذ بداية الرواية…
اختفت السخرية من صوته بالكامل.
“مالثير.”
ارتجفت عينا آزارث.
إذًا…
هذا هو اسمه.
ابتسم مالثير بخفة.
ثم قال:
“لم أتوقع أن أراك مجددًا…”
“يا آخر بقايا اليأس.”
في اللحظة التي قال فيها تلك الكلمات—
اهتزت عينا نيكورديس بعنف.
وانفجرت هالة سوداء مرعبة من جسده.
تشقق الحجر تحت قدمي آزارث.
وتراجعت الظلال وكأنها خائفة.
لكن مالثير…
لم يتحرك.
بل بقي واقفًا بهدوء وسط تلك الهالة المرعبة.
وكأنه اعتاد عليها منذ زمن طويل.
ثم رفع يده ببطء.
وعلى ظهر كفه…
ظهرت علامة سوداء معقدة.
دائرة مكسورة…
وفي وسطها عين مغلقة.
اتسعت عينا نيكورديس فورًا.
أما آزارث…
فشعر برعب حقيقي لأول مرة منذ استيقاظ الخطيئة داخله.
لأن النظام همس فجأة:
[تم التعرف على الهدف]
[حامل خطيئة قديم]
[مستوى الخطر: غير قابل للقياس]
[تحذير مطلق]
[لا يمكن تحليل الخطيئة]
[الفساد تجاوز حدود النظام]
[يرجى عدم النظر مباشرة إلى الهدف]
[احتمالية الموت العقلي: 99.99%]
[احتمالية فقدان السيطرة على اليأس: 99.99]
[اسم الكيان: مالثير]
[اللقب القديم…]
[مُحذوف]
[صلاحيات الوصول مرفوضة]
[تم إغلاق عدة سجلات بواسطة سلطة مجهولة]
[تحذير…]
[الكائن أمامك ليس “مستخدم خطيئة” عاديًا]