الفصل السادس: حين تلدغك الأرض تحت قدميك
---
استيقظتُ في اليوم التالي على صوت لم أسمعه من قبل. لم يكن طرقاً على الباب، ولا صوت فاروس وهو يفتح ساعته القديمة. كان صوتاً غريباً، كأن عظامي كانت تتشقق، وكأن جسدي كان يتمدد من الداخل مثل شجرة تنبت في ليلة واحدة. فتحتُ عينيّ، ونهضتُ من السرير، وشعرتُ بشيء مختلف.
كانت قدماي تلامسان الأرض بشكل مختلف. كان رأسي أقرب إلى السقف مما كان عليه بالأمس. وقفتُ أمام المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط، ونظرتُ إلى انعكاسي، فكادت عيناي تخرجان من محجريهما.
كنت أطول. بكثير.
قستُ نفسي بسرعة، فوجدت أنني أصبحت مئة وواحداً وثمانين سنتيمتراً. كنت مئة وواحداً وسبعين في اليوم السابق. عشرة سنتيمترات في ليلة واحدة. جسدي كان قد تغير، كأنه قرر أن يلحق بما كان يحدث في داخلي، كأن الطابع الذي استيقظ كان يغيرني من الداخل والخارج معاً.
"ما هذا؟" همستُ لنفسي، وأنا ألمس وجهي، وأتأكد أنني لا أحلم. كانت عضلاتي أكثر وضوحاً، وكتفيّ أوسع، وصوتي أصبح أعمق قليلاً. شعرتُ بأنني أصبحت شخصاً آخر، وكأن جسداً جديداً كان يُصَبُّ في قالب قديم.
طرق الباب، وفتحتُ لأجد كايل واقفاً هناك، يحمل سيفه الطويل، وينظر إليّ بنظرة غريبة.
"أنت... أطول،" قال، وهو يرفع حاجباً واحداً.
"أعرف،" قلتُ، وأنا لا أزال في حالة صدمة. "لقد نمتُ، واستيقظتُ هكذا. عشرة سنتيمترات."
صمت كايل للحظة، ثم ابتسم ابتسامة جانبية. "طابعك لا يلعب. تعال، سنبدأ التدريب اليوم. الجسد الجديد يحتاج إلى أن يتعلم كيف يتحرك."
---
قاعة التدريب كانت واسعة، أرضيتها من الرمل الناعم، وجدرانها مغطاة بوسائد جلدية ممزقة من آثار ضربات سابقة. كايل كان واقفاً في المنتصف، سيفه الطويل في يده، وعينه الواحدة تراقبني باهتمام.
"اليوم،" قال، "لن تتعلم كيفية القتال. ستتعلم كيفية التحمل. الجسد الجديد لا يعرف حدوده بعد. سأعلمك أين تنتهي أنت، وأين يبدأ الألم."
"ماذا يعني ذلك؟"
"يعني أنك ستسقط. كثيراً. وستنهض. أكثر."
ثم بدأ التدريب.
كان كايل قاسياً، لا يرحم. جعلني أركض حول القاعة حتى شعرتُ بأن رئتيّ ستشتعلان ناراً. ثم جعلني أقفز فوق حواجز خشبية، وأتسلق جدراناً حجرية، وأتدحرج على الرمل وكأنني جذع شجرة. كلما توقفتُ لألتقط أنفاسي، كان يصرخ في وجهي: "استمر! الجسد لا يتعلم في الراحة!"
كانت ساقاي ترتجفان، وذراعاي تؤلماني، وظهراي يشتعلان ألماً. لكن شيئاً غريباً كان يحدث: كلما أنهيتُ تمريناً، شعرتُ بأن جسدي يتكيف بشكل أسرع مما ينبغي. كانت عضلاتي تستجيب، وكأنها كانت تتعلم أسرع من عقلي.
"أنت تتكيف بسرعة،" قال كايل، وهو يراقبني من بعيد. "هذا جيد. لكن لا تدع هذا يخدعك. الجسد يتكيف، لكن الروح تحتاج إلى وقت أطول."
"ماذا تقصد؟"
"أقصد أنك قد تصبح أقوى جسدياً، لكنك لن تصبح مقاتلاً حتى تتعلم كيف تتحكم في خوفك." نظر إليّ بعينه الواحدة، وأضاف: "الخوف هو العدو الحقيقي. ليس السيف، ولا العدو."
---
بعد ساعات من التدريب، كنت جالساً على الرمل، ألهث كأنني كلب مذبوح. كايل كان واقفاً بجانبي، يشرب من قارورة ماء، ويبدو غير متعب تماماً.
"هذا يكفي لليوم،" قال. "غداً سنبدأ بتعلم حركات المنجل الأساسية. لكن قبل ذلك،" نظر إلى الباب، "لديك رفاق جدد."
فتح الباب، ودخلت فتاتان.
الأولى كانت طويلة، نحيفة، بشعر أخضر داكن ينسدل على كتفيها كأوراق شجر في الخريف. عيناها كانتا بلون العسل، دافئتين لكن حادتين، كمن ترى ما وراء المرئي. كانت ترتدي سترة خضراء فاتحة، وسروالاً بنياً، وحذاءً جلدياً طويلاً. على كتفها الأيسر، كان هناك نبات صغير غريب، يتنفس ككائن حي، وأوراقه تتحرك برفق كأنها تهمس.
الثانية كانت أقصر قليلاً، بشعر أحمر ناري مقصوص بقصر يلامس أذنيها، وعينين زرقاوين كالثلج. كانت ترتدي سترة جلدية سوداء، وحزاماً عريضاً يحيط خصرها، وفي كل يد منها، كان هناك خنجر صغير، يلمع بلمعة فضية باردة. كانت تقف كمن يستعد للقفز في أي لحظة، وابتسامتها كانت خفيفة، لكنها حملت ثقلاً ساخراً.
"كينج،" قال كايل، وأشار إلى الأولى. "هذه سيلفا. تستخدم مدرك العنصر، وتحديداً عنصر الطبيعة. لا تسألها عن النباتات، وإلا ستتحدث لساعات."
ابتسمت سيلفا، ورفعت يدها، وفجأة نبتت زهرة صغيرة من الرمل بين أصابعها. "الطبيعة ليست مجرد نباتات،" قالت، وصوتها كان ناعماً كالماء الهادئ. "الطبيعة هي الحياة نفسها. وهي تتنفس في كل مكان."
"وهذه،" قال كايل، وأشار إلى الثانية. "نيرا. تستخدم مدرك النصل، وتحديداً الخناجر. لا تقترب منها عندما تكون غاضبة، وإلا ستجد نفسك بلا أذنين."
ضحكت نيرا، وأدارت الخنجر بين أصابعها ببراعة مذهلة. "لا تخف،" قالت، وصوتها كان حاداً كحافة السيف. "أنا لا أقطع إلا ما يستحق القطع."
وقفتُ، وأنا أشعر بالإرهاق يختلط بالفضول. نظرت إلى سيلفا، ثم إلى نيرا، وحاولتُ أن أبدو واثقاً. "أنا كينج،" قلتُ، ومددتُ يدي.
نظرت سيلفا إلى يدي، ثم إلى عينيّ، وابتسمت ابتسامة غامضة. "نعرف من أنت،" قالت، ولم تصافحني. "الشفاء السريع، الطابع غير المستقر، المنجل الغريب. حديث المدينة."
"وماذا يقول الحديث؟"
"يقول إنك مختلف،" قالت نيرا، وأوقفت الخنجر في الهواء. "وهذا يعني أنك إما أن تكون مفيداً جداً، أو أن تموت بسرعة. آمل أن تكون الأول."
ضحكتُ محاولاً إخفاء توترّي. "سأبذل قصارى جهدي."
"جيد،" قالت نيرا، ووضعت الخنجر في حزامها. "لأننا سنتدرب معاً اليوم. وكايل قال إنك بحاجة إلى تعلم كيفية التعامل مع خصوم مختلفين."
نظرت إلى كايل، الذي كان واقفاً بجانب الحائط، يبتسم ابتسامة جانبية. "سيلفا ونيرا من أفضل المبتدئين في تير. سيعلمونك أشياء لا أستطيع تعليمها."
"مثل ماذا؟"
"مثل كيفية التعامل مع شخص يهاجمك من مسافة،" قالت سيلفا، ورفعت يدها، وفجأة تشكلت كرمة خضراء من الرمل، ولفت حول ساقي. شعرتُ بساقي تُسحب، وكدت أسقط لولا أنني تمسكتُ بالحائط.
"أو كيفية التعامل مع شخص سريع جداً،" قالت نيرا، وقبل أن أنتبه، كانت واقفة خلفي، وخنجرها عند رقبتي. "مفاجأة."
تراجعتُ، وأنا أشعر بالدهشة. "حسناً، أنتم سريعون."
"نحن سريعون،" قالت نيرا، وابتسمت ابتسامة ساخرة. "وأنت بطيء. لكن لا بأس. سنصلح هذا."
---
بدأ التدريب الجماعي.
سيلفا كانت تستخدم عنصر الطبيعة ببراعة. كانت تنبت الكروم من الرمل، وتشكل جدراناً من الأوراق الكثيفة، وتطلق بذوراً تنفجر كقنابل صغيرة. كل حركة منها كانت سلسة، كأنها ترقص مع الأرض.
نيرا كانت مختلفة. كانت سريعة كالبرق، تتحرك بين الظلال، وتطلق خناجرها من زوايا غير متوقعة. كل ضربة منها كانت مميتة، لكنها كانت توقفها قبل أن تلمسني، فقط لتظهر لي كم أنا ضعيف.
وكنت أنا، أحاول أن أراوغ، أن أهرب، أن أرد الضربات. لكنني كنت أبطأ منهم جميعاً. كنت أسقط، أتعثر، وأفشل مراراً وتكراراً.
بعد جولة طويلة من التدريب، توقفنا جميعاً لنلتقط أنفاسنا. جلستُ على الرمل، وأنظر إلى سيلفا ونيرا وهما تتحدثان بهدوء. كانتا مختلفتين تماماً، لكن كل واحدة منهما كانت تمتلك حضوراً خاصاً.
اقتربتُ منهما، وجلستُ بجانبهما. "سؤال،" قلتُ، وأنا أنظر إلى الرمل بين أصابعي. "كيف تعلمتما هذا؟ أعني، كيف اخترتما مدراككما؟"
نظرت سيلفا إليّ، وتأملت سؤالي للحظة. "لم أختره،" قالت أخيراً. "الأمر أشبه بأن الطبيعة اختارتني. منذ كنت صغيرة، كنت أشعر بالنباتات، وكأنها تتحدث إليّ. لم يكن لدي خيار آخر."
"أما أنا،" قالت نيرا، وهي تلعب بخنجرها بين أصابعها، "فقد اخترت الخناجر لأنها الأقرب إلى الحقيقة. السيف طويل، يتطلب مسافة. الخنجر قصير، يتطلب قرباً. وفي القرب، لا يمكنك الكذب."
نظرتُ إليهما، وأنا أفكر في كلماتهما. "وأنا؟ لم أختر المنجل. أعطوني إياه. قالوا إنه مناسب لي."
"ربما هم على حق،" قالت سيلفا، وابتسمت. "المنجل سلاح المرن. سلاح من لا يزال يبحث عن طريقه. مثلك تماماً."
"لكن كيف أعرف أن هذا هو طريقي؟" سألتُ، وأنا أشعر بالارتباك. "كيف أعرف أنني اخترت المدرك الصحيح؟"
صمتت سيلفا للحظة، ثم قالت بصوت هادئ: "المدرك ليس اختياراً، كينج. هو اكتشاف. أنت لا تختار من تكون، أنت تكتشف من أنت. التدريب ليس ليجعلك شخصاً آخر، بل ليكشف عن الشخص الذي كنت عليه دائماً."
نظرت إليّ نيرا، وأضافت: "الخناجر علمتني أن القوة ليست في السرعة أو القوة. القوة في أن تعرف متى تضرب، ومتى تتراجع. هذا ما يفعله التدريب: يعلمك حدودك، ثم يدفعك لتجاوزها."
"لكن حدودي،" قلتُ، وأنا أنظر إلى يديّ، "تتغير كل يوم. بالأمس كنت أطول بعشرة سنتيمترات. وقبل أيام، شفيت جرحاً مميتاً. لا أعرف ما هي حدودي."
نظرت سيلفا إليّ بعينين عميقتين، وقالت: "ربما هذا هو سرك. أنت لا تعرف حدودك، ولن تعرف أبداً. لأن حدودك تتغير مع كل استيقاظ. هذا ليس ضعفاً، هذا قوة."
"قوة؟ كيف؟"
"لأن من لا يعرف حدوده، لا يخاف من تجاوزها،" قالت نيرا، ووضعت خنجرها في حزامها. "نحن نعرف حدودنا، وهذا يخيفنا. أنت لا تعرفها، وهذا يحررك."
صمتُ، وأنا أفكر في كلماتهما. شعرتُ بشيء غريب، كأنهما كانا يتحدثان عن شيء لم أفهمه تماماً بعد.
"لكن،" قلتُ، "إذا كنت لا أعرف حدودي، كيف أتأكد من أنني لا أتجاوزها بطريقة خطيرة؟"
"لأنك ستشعر بذلك،" قالت سيلفا، ورفعت يدها، فنبتت زهرة صغيرة من الرمل بين أصابعها. "الجسد يعرف قبل العقل. عندما تقترب من حدودك، ستشعر بالألم. هذا هو دليل الجسد. كل ما عليك فعله هو الاستماع إليه."
"ولكن إذا تجاهلت الألم؟" سألتُ.
"عندها ستتعلم درساً جديداً،" قالت نيرا، وابتسمت ابتسامة حادة. "وهو أن الألم لا يختفي بمجرد تجاهله. إنه ينتظر، في مكان ما، حتى يحين الوقت المناسب."
وقفتُ، وأنا أشعر بأنني فهمت شيئاً لم أفهمه من قبل. "شكراً لكما،" قلتُ. "هذا... ساعدني."
"لا تشكرنا،" قالت سيلفا، وابتسمت ابتسامة خفيفة. "فقط تذكر: التدريب ليس عقاباً. إنه هدية. كل ألم تتحمله الآن، هو ثمن لقوة ستحتاجها غداً."
---
استمر التدريب لساعات أخرى، وكنت أتحسن ببطء. جسدي الجديد كان يتكيف، وحركاتي أصبحت أكثر سلاسة. لم أعد أسقط كثيراً، ولم أعد أتلعثم في حركاتي. كنت أتعلم كيف أستمع إلى جسدي، وكيف أثق به.
في نهاية اليوم، كنت مرهقاً، لكنني شعرتُ بأنني أقوى. سيلفا ونيرا كانتا قد غادرتا، لكن كلماتهما بقيت في ذهني.
عدتُ إلى غرفتي، وأنا أشعر بالتعب والإثارة معاً. جلستُ على سريري، وأخرجت العظمة الغامضة من جيبي. تأملتها تحت ضوء المصباح، والنقش الذي يحمل دائرة وهلالين أخضر وأحمر.
وفجأة، سمعتُ صوتاً خلفي.
"العظمة التي معك... أريدها."
التفتُ بسرعة. كانت إيريس، الفتاة الصغيرة التي رأيتها في أول يوم، تلك التي كانت ترسم على الأرض. كانت تقف في زاوية الغرفة، ثوبها الأبيض يلمع في الظلام، وعيناها الداكتان تحدقان في العظمة التي في يدي.
"إيريس؟" سألتُ، وأنا أشعر بالدهشة. "كيف دخلتِ؟"
"الأبواب لا تهمني،" قالت، وصوتها كان هادئاً، لكنه حمل ثقلاً غريباً. "العظمة. أريدها. إنها ليست لك."
نظرتُ إلى العظمة في يدي، ثم إليها. "ماذا تعني؟"
"تعني أن هذه العظمة تخصني،" قالت، وتقدمت خطوة. "لقد تركتها لك. لكنني الآن أريدها مرة أخرى."
"تركتها لي؟" شعرتُ بالارتباك. "أنتِ من تركها على نافذتي؟"
ابتسمت إيريس ابتسامة غامضة، وقالت: "العظمة ليست مجرد حجر. إنها مفتاح. ومفتاحي لا ينبغي أن يكون في جيب شخص لا يعرف كيف يستخدمه."
وقفتُ، وأنا أشعر بالحيرة والخوف معاً. "ماذا تريدين مني؟"
"سأخبرك لاحقاً،" قالت، ومدت يدها. "لكن الآن، أعطني العظمة."
نظرتُ إلى العظمة، ثم إليها. كان هناك شيء في عينيها، شيء عميق وغامض. شعرتُ بأنني لا أملك خياراً آخر.
مددتُ يدي، وأعطيتها العظمة.
أخذتها، وابتسمت ابتسامة خفيفة. "شكراً. ستعود إليك عندما يحين الوقت."
ثم التفتت، ومشت نحو الباب، واختفت كما جاءت. وقفتُ هناك، أنظر إلى يدي الفارغة، وأشعر بأنني فقدت شيئاً مهماً.
لكنني كنت أعرف أن هذه لم تكن النهاية. كانت البداية فقط.
في الخارج، كان القمر الأخضر يخفت، والأحمر يشتد. ليلة جديدة كانت تبدأ.
وكانت الأسئلة تنتظر.
---
نهاية الفصل السادس