كانت المحطة مزدحمة أكثر من المعتاد.
الجو بارد، والهواء يلسع جلده كإبرٍ صغيرة. وقف متكئاً على عمودٍ معدني بارد، قابضاً على هاتفه بكلتا يديه، كما لو كان طوق نجاة وسط بحرٍ هائج.
“آه… لم تظهر النتيجة بعد. لم أعد أحتمل هذا الانتظار.”
كان قلبه يخفق بعنف، حتى خُيّل إليه أن صوته يعلو على إعلانات مكبرات الصوت المتكررة. خرج من بين الحشود لعلّه يهدئ من روعه أو يشتت ذهنه قليلاً.
درس لشهور.
نام أقل من أربع ساعات يومياً خلال الأسبوعين الأخيرين.
كانت والدته تحضر له القهوة ليلاً، بينما يشجعه والده بكلماتٍ هادئة لكنها راسخة.
وإخوته يتصلون به بين الحين والآخر، مزيجٌ غريب من القلق والفخر يتسلل عبر أصواتهم.
تنهد بانزعاج وهو يتذكر كيف كان أخوه الكبير يمازحه بهذا الشأن:
“لا بأس إن لم تنجح، أسوأ ما قد يحدث هو أن تعيش حياتك كفاشل!”
عندها تعرض الأخ للتوبيخ من قِبل والدتهم بسبب مزاحه الثقيل، ورغم علمه أنه يمزح، إلا أنه تمكن من إرعابه حقاً.
تنهد بعمق، كأنما يحاول طرد كل هذا التوتر من صدره، ثم بدأ يتصفح التطبيقات بحثاً عن أي شيء… أي شيء يشتت ذهنه.
دخل إلى تطبيق القراءة المفضل لديه، وتوجه إلى قسم الروايات المترجمة. كان يبحث عن قصة خفيفة وسريعة، لا تتطلب تركيزاً أو تفكيراً عميقاً.
وقعت عيناه على غلافٍ أسود، يتخلله وميض أزرق كهربائي كشرارةٍ حية.
“قيامة عبقري البرق”
«أليست هذه الرواية التي كان أصدقائي يتحدثون عنها؟ لا أعرف حقاً.. ذوقهم سيء عادةً.»
تذكر الروايات التي نصحوه بها سابقاً؛ فبالرغم من صداقتهم، إلا أن ذوقه في القصص كان مختلفاً تماماً عنهم.
“الغلاف ليس سيئاً. لنجرب ذوقهم هذه المرة.”
قرأ الوصف أسفل العنوان:
“في عالمٍ بعد بضع مئات من السنين من ظهور البوابات، عاش ما تبقى من البشر في مملكة موحدة، وانضموا لتحالف الأعراق للقتال ضد الشياطين.
روين فلدريك ، الذي قُتلت عائلته أمام عينيه، أقسم أن ينتقم من الشياطين.
وُلد بموهبة نادرة في عنصر البرق — بنسبة 94%.
من الضعف إلى القمة، ومن اليأس إلى الانتقام.
هل يستطيع صياد البرق تغيير مصير عالمه… أم سيسقط أمام الشياطين؟”
ضحك في نفسه بسخرية خافتة.
“كليشيه جداً… يتيم، موهبة خارقة، شياطين، انتقام. القصة ذاتها التي لا تنتهي.”
ومع ذلك، ضغط زر الإضافة إلى المكتبة. أحياناً، تكون القصص المكررة هي ما يحتاجه الإنسان ليهرب قليلاً من واقعه.
“سأجربها… ماذا سأخسر؟”
وبينما كان ينتظر تحميل الفصل الأول، اخترق أذنيه صوت ضحكة طفلٍ عالية.
نظر إلى يمينه؛ طفل لا يتجاوز الخامسة، يركض بين الناس حاملاً بالوناً أحمر، بينما تحاول أمه اللحاق به وهي تحمل حقيبة ثقيلة، وتوبخه بصوتٍ متعب:
«توقف أيها المشاغب! تعال إلى هنا حالاً!»
التفت الطفل وضحك أكثر، ثم أخرج لسانه بتحدٍّ: «أمسكيني إن استطعتِ!»
تمكنت الأم من الإمساك به أخيراً، وبدأت بتأنيبه، لكنه أفلت منها فجأة وركض باتجاه حافة الرصيف.
ابتسم الشاب لا إرادياً:
“أطفال…”
وتساءل في داخله: هل كنتُ مشاغباً إلى هذا الحد عندما كنت صغيراً؟
تذكر حين حدثته والدته عن ضياعه هو وأخته عندما كانا صغيرين، وكيف وجدوهما بعد ساعة يختبئان لأنهما كانا يلعبان "الغميضة".
لا أتذكر ذلك الأمر، لكن أختي كانت تتحدث بانزعاج قائلة إنها الوحيدة التي تعرضت للتوبيخ، بينما حصلتُ أنا على المثلجات.
ضحك بهدوء وعاد بنظره إلى هاتفه. كان الفصل الأول قد اكتمل تحميله.
[الفصل الأول: الدماء والبرق]
قرأ بداية الفصل:
“فتى يلوح بسيفه بشكل مستمر.. كان يلوح منذ ساعات حتى بدأت يداه تنزفان. شعور الألم والتعب والعرق ينهكه، لكن عينيه كانتا مليئتين بالغضب. كان اليوم الذي مات فيه والداه هو اليوم الذي وُلد فيه من جديد.”
“متوقع…” تمتم بسخرية.
وفجأة، رن هاتفه. رسالة من أخته الكبرى: "ظهرت النتيجة."
تجمد في مكانه. بردت أطرافه، وشعر برعشةٍ تسري في عموده الفقري. كاد الهاتف يسقط من يده من فرط التوتر. فتح الموقع بسرعة، وبدأ بتحديث الصفحة.
مرّت ثانية… ثم أخرى…
فتحت الصفحة أخيراً. أدخل بياناته وقلبه يخفق بقوة لدرجة الألم. لم يستطع النظر؛ أغمض عينيه ثم فتحهما ببطء مجدداً.
اسمه.. وبجانبه كلمة: ناجح.
توقف الزمن للحظة، ثم صرخ دون أن يشعر: «لقد نجحت!»
قفز في الهواء مرتين، ورفع قبضتيه بانتصار، قبل أن يدرك فجأة أن عشرات العيون تحدق به. احمر وجهه خجلاً، فابتسم بإحراج ولوّح بيده معتذراً.
ابتسم رجلٌ مسن كان يقف بالقرب منه، وأومأ برأسه كأنه يبارك له. ضحق الطفل الصغير بصوتٍ أعلى، وقلده بالقفز مشيراً إليه بإبهامه. حاولت أمه منعه، لكنها ابتسمت هي الأخرى.
ابتسم لهما، ثم رفع هاتفه ليتصل بوالديه. حلمٌ تحقق أخيراً… وبعد كل هذا العناء، ستبدأ حياتي الجامعية.
لكن، قبل أن يضغط زر الاتصال، لاحظ الطفل يقترب مرةً أخرى من حافة السكة الحديدية. أراد أن ينبه والدته… لكنه تأخر.
سقط الطفل. وفي اللحظة ذاتها، دوّى صوت القطار القادم.
صرخت الأم ونظرت حولها تستجدي المساعدة. نظر الشاب إلى الطفل بفزع؛ كان العجوز خائفاً لكنه عاجز، والآخرون تجمدوا في أماكنهم. نظر إلى مكان الحارس.. كان بعيداً جداً.
دون تفكير، وضع هاتفه في جيبه وقفز إلى السكة.
«هل أنا مجنون؟ ما الذي أفعله بحق!»
أمسك بالطفل ورفعه بكل ما أوتي من قوة، ثم دفعه نحو أمه التي احتضنته وهي ترتجف. حاول الصعود لكن الرصيف كان عالياً، نظر إلى القطار مرتعباً؛ كان قريباً.. قريباً جداً.
رغم ذلك، امتدت يدا شخصين لاحظا مأزقه. أمسك بهما وبدأوا برفعـه.
«حسناً.. لا بأس.. لقد نجوت. لقد نجو—»
تغير المشهد فجأة.
وصل القطار.
اصطدم به بعنفٍ هائل. تدحرج جسده عدة مرات قبل أن يستقر على الأرض.
جسده مغطى بالدماء، أطرافه ملتوية بشكلٍ مخيف، وأضلاعه محطمة.
ومع ذلك… لم يكن يشعر بالألم.
لا يعلم إن كان هذا أمراً جيداً أم سيئاً. لا… إنه سيء بالتأكيد.
«ماذا حدث؟ فمي مليء بالدماء… دمائي. فهمت.. لم أتمكن من الصعود.»
ضحك بمرارة: «يا للسخرية… كان من المفترض أن يكون هذا أفضل يومٍ في حياتي. ويبدو أنه.. الأخير.»
انسابت الدموع من عينيه دون إرادة. وفجأة، سمع صوت هاتفه يرن بجانبه.
بصعوبة شديدة، أدار رأسه. رأى الهاتف ملقىً هناك، شاشته محطمة، لكن الاسم كان واضحاً: أبي .
حاول رفع ذراعه بكل ما تبقى لديه من قوة.
«هذا ليس عدلاً.. لم أحقق أحلامي بعد. لم أخبر والدي أنني نجحت. لم أرَ أمي تتباهى بي أمام الجيران. لم أحظَ بفرصة مضايقة أخي بنجاحي.»
«لا أريد أن أموت… أريد أن أعيش.»
ازدادت الرؤية ظلمة، وكان آخر ما رآه هو اسم والده يلمع على الشاشة المحطمة.
سقطت ذراعه، وانطفأ النور في عينيه.
لقد مات.