قبل ما يقارب الـ15 سنة من أحداث روايتنا، بزغت نسمة حياة جديدة، ليس في بيت جميل أو حديقة خلابة، بل في واحدة من أقصى الأماكن على وجه الأرض، "مُعسكرات الاعتقال". خرج هذا المولود من رحم امرأة أرملة، توفي زوجها قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، تاركا لها فتاة صغيرة وهي الأخت غير الشقيقة لحديث العهد هذا، وقد أُطلق عليه اسم علي.
تعرضت أم علي لأشد أنواع التعذيب والاعتداءات، التي أفرزت وراءها هذا الصبي، والذي ترعرع تحت قسوة أمه ونبذها له، كونه مجرد نتيجة لعذابها، واستحقار أخته له التي كرهته كرها جمّا، ولم يسلم حتى من قسوة الجنود وبطشهم. كبر هذا الطفل في أشد أنواع العذاب والجحيم، كره نفسه وشكله الذي كان يشبه الفرنسيين إلى حد كبير، لم يمتلك نسبا يوما، لذا لقب نفسه بابن قاسم زوج أمه المتوفى، فقد اعتبره أباه الحقيقي رغم عدم لقياه له أو حتى معرفة من يكون حقا، لكن كان هذا أرحمَ له من أن ينسب أو حتى يلقب بألقاب الفرنسيين، فقد حمل في قلبه كرها لهم... كرها ككُره الضحية لقاتلها.
فور بلوغه السابعة من عمره، اقتيد إلى مختبرات التجارب، أُجريت عليه أشد التجارب وأخطرها، ومنها كانت تجربة عرَّضوه فيها للدغة من عقرب معدلة جينيا لتمنح الملدوغ بعضا من قدراتها الخارقة التي تتعدى فهم الإنسان، وبالفعل. بات علي بعد التجربة يتمتع بقدرة استشعار هائلة لمحيطه باستعمال عقله لا أكثر، ولكن بأي ثمن... أثّرت اللدغة على عقله مباشرة لدرجة إفقاده حاستي السمع والبصر. بعد التجربة مباشرة، باشر الفرنسيون تدريب علي بأقصى الطرق ليغدو قادرا على خدمتهم بأكمل وجه... وقد حاول هذا الأخير التمرد عليهم لعشرات المرات، لكن هذه المحاولات توقفت بسبب التهديدات المباشرة من الفرنسيين بقتل أمه وأخته، ما دفعه للانصياع لهم.
غدا بعدها علي أحد أقوى أسلحة الفرنسيين ضد المقاومة، فقد كان قادرا على مجابهة عشرات الرجال دون الإصابة بخدش، نظرا لقدرته الخارقة على توقع مواضع ومسارات من حوله بزاوية 360º، لكنه كره هذا... كره كل ما كان يفعله من سفك وقتل دماء المقاومين الأبرياء، فقد كان دائم الاكتئاب والغضب، لكنه حاول إخفاءهما عبر السخرية الدائمة ممن حوله. كره كل شيء، نفسه وأمه التي كانت تنبذه، وأخته التي كرهته، والفرنسيين الذين كانوا السبب في معاناته، لكن أكثر ما كان يكرهه هو نفسه وشكله، يشعر دائما بأن جزءا منه يشبه الفرنسيين خصوصا شكل رأسه، الذي غطاه بالكامل بالضمادات حتى لم تبرز منه مثقال شعرة!
استمر علي على هذه الحال حتى لاقى سالما في مهمة أوكلت إليه وهي القبض على هذا الأخير وسياقته إلى المعسكرات الفرنسية.
⌖ علي: خائن؟ كيف لك...؟!
⌖ سالم: أجل خائن! هؤلاء الحثالة يملكون دافعا لأفعالهم وهو توسيع وخدمة بلادهم، رغم عدم تخويلهم هذا حق اقتراف أفعالهم، لكنه يظل دافعا! أما أنت، فمجرد جُرَذٍ حقير خان وطنه وباع نفسه لمجموعة من الحثالة الذين قتلوا عائلتك وأبناء وطنك ويستمرون في اقتراف أشد الجرائم فيهم. ماذا عرضوا عليك؟ الأموال؟ السلطة؟ مهما كان السبب فهو تافه، واحزر ماذا؟ أنت أسوأ منهم بمراحل!
كانت كلمات سالم هي ما دفع عليا لاستحضار كل لحظات حياته المليئة بالحزن والمعاناة، ما دفع عليا أخيرا لإخراج كل الغضب والحزن الذي احتفظ به في أعماق قلبه طوال حياته، وقد أخرجه في حين غرّة عبر صرخة باكية بلا دموع، عيناه لم تستطع أن تدمع ولو قليلا، ففقدان بصره أفقده واحدة من أجمل ما يشكل الإنسان، وهي الدموع... الدموع الساحرة التي تنزل كقطرات الماء وتمنح الإنسان الهدوء والخلاص، لم يستطع... لم يستطع علي إنزالها.
بعد استعراض ماضي علي الأقل ما يقال عنه مأساويّ، نعود الآن إلى أحداث روايتنا الحالية حيث كان سالم وعلي رفقة الأسرى الذين تم تحريرهم يتجهون نحو قرية سالم التي عاش فيها رفقة الجد إبراهيم، فقد سعى إلى الاعتذار لهم عما بدر منه قبل سنة، وكان يخطط أيضا لتكوين قوة صغيرة للمقاومة رفقة علي ومجموعة من المقاومين. كان سالم يمتطي عربة جوار علي، وتحت غروب الشمس.
⌖ علي: إذا... هل اقتربنا من الوصول إلى موطنك؟
ينفعل سالم ويقول:
⌖ سالم: كم علي أن أكرر، ليس موطني! فقط عشت هناك فترة من حياتي. ونعم إذا أكملنا المسير بهذا الشكل قد نصل صباح الغد.
⌖ علي: ههههه هيا أنت سريع الغضب، أردت التأكد فقط.
يلتزم سالم الصمت.
⌖ علي: ابتهج، سترى رفاقك وأناسا تعرفهم بعد طول غياب، فكفى عبوسا!
يتنهد سالم ويقول:
⌖ سالم: الأمر فقط... أنني متوتر قليلا، سببت لهم بعض المشاكل في السابق، لذا أتساءل إذا كانوا يبتغون رؤيتي.
⌖ علي: سيكون كل شيء بخير، لا تقلق.
⌖ سالم: أتمنى.
تمضي العربات في اتجاه الغروب، نحو معقل سالم القديم، فكيف سيكون لقاؤهم وما الأحداث التي سنراها؟!
يــتــبــع...
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إنستغرام الكاتب: uruma._.01@
تلغرام الكاتب: itz_shun1@