بعد أيام من المسير، بزغت مشارف القرية التي غادرها سالم هاربًا قبل ما يقارب السنة من الآن، ومظاهر التوتر والخوف تعتلي وجهه بشدة؛ فهو لا يدري ماذا سيقول، وبأي وجه سيقابل الناس الذين تركهم وراءه. يضع علي كفَّه فوق كتف سالم مشجعًا إياه.
بدأت القرية تبزغ أكثر فأكثر، ومع اقترابهم بدأت ملامح الصدمة والرعب تعتلي وجوه المقاومين؛ حيث كانت القرية حطامًا متناثرًا، وما إن وطئت أقدام سالم أرضها حتى لم يكد يتوقف عن الركض والصراخ.
⌖ سالم: هااااي، لقد عدت، عدت! أين ذهبتم جميعًا؟! هوووووي، جلاااال، خالة زينب! أي أحد!
يتعثر أثناء ركضه بصخرة أفقدته توازنه، مُسقِطَةً إياه على وجهه الذي تلطخ بالطين.
⌖ سالم: أرجوكم، أي أحد، فليجبني... أي...
تنزل دموع سالم كالمطر على الأرض، لكن تقطعها صرخة أحد الرفقاء:
"ساااالم، سااااالم!"
يلتفت سالم متعجبًا، فيطلب منه الآخر المجيء. يذهب إليه، فيخبره المنادي بأنه وجد أحد الناجين. يهرع سالم ليرى شخصًا كان يعرفه.
⌖ سالم: عم حسن، هل أنت بخير؟!
⌖ حسن: سالم؟ ماذا... ما الذي يحصل؟!
⌖ سالم: هذا ما نرغب في سؤالك إياه! لماذا القرية بهذه الحالة، وأين اختفى الجميع؟
يسند حسن رأسه على يده متألمًا ويقول:
⌖ حسن: حدث الأمر بسرعة خاطفة، لم نستوعب ما حصل.
صرخ سالم قائلًا:
⌖ سالم: تكلّم!
⌖ حسن: كانت ليلة هادئة؛ الأطفال يلعبون، والنساء يطبخن، أما أنا وبعض الرجال فكنا نتسكع في الأزقة، حتى...
⌖ سالم: حتى؟
⌖ حسن: حتى دوت أصوات المدافع والنيران في كل أرجاء القرية. قتلوا رجالنا ونساءنا وأطفالنا وكل من عارضهم، أما المستسلمون، وأغلبهم كانوا أطفالًا ونساءً، فتم أسرهم وسَوْقهم بعيدًا. أنا ظللت مختبئًا في برميل خشبي إلى حين انقضائهم.
نادى شخص من بعيد، مخبرًا إياهم أن هناك المزيد من الناجين. توجه البعض إليهم، بينما بقي سالم مع بعض الرجال رفقة حسن.
⌖ سالم: أخبرني رجاءً، متى انطلقوا، وفي أي اتجاه؟
⌖ حسن: إن لم تخُنّي ذاكرتي، فقد انطلقوا مساء أمس باتجاه الجنوب.
نادى سالم بانفعال المقاومين:
⌖ سالم: هااااااي، جميعكم! سنتبع الفرقة الفرنسية التي أسرت السكان. فمن منكم قادر على القتال فليتبعني، وليَبقَ بعضكم هنا لحراسة المصابين والاعتناء بهم!
يخاطب علي سالم بكل حزم:
⌖ علي: هيا بنا!
⌖ سالم: آسف، ولكن عليك البقاء هنا.
⌖ علي: مهلًا! لماذا؟
⌖ سالم: لا نعرف ما إذا كان الفرنسيون سيهجمون ثانيةً أم لا، لذا هم بأمسّ الحاجة إليك هنا!
⌖ علي: ولكن...
يقاطعه سالم:
⌖ سالم: لا تقلق، سأكون بخير.
⌖ علي: أتمنى هذا، لن أسامحك إن متَّ.
يقول سالم بسخرية:
⌖ سالم: ههههه، لك هذا.
يمتطي سالم حصانه الأصغر، والغضب مشعلٌ قلبه يتجه رفقة كمٍّ من الرجال ناحية الجنوب، حيث توجهت الفرقة الفرنسية.
بعد نصف يوم من المسير بأسرع ما يمكن، بدأت أدخنة المركبات في الظهور أعلى السماء الزرقاء. أوقف سالم الرجال قبل اكتشاف أمرهم، وبدأ يدرس بعينيه السوداوين تضاريس المنطقة، وهنا جاءت في باله خطة عبقرية.
قسّم رجاله إلى نصفين؛ نصف توجه خلف الكثبان الرملية جهة اليمين، والنصف الثاني جهة اليسار.
وفجأة...
أعطى سالم الأمر بالهجوم، فنزل الرجال من الجهة اليمنى، وبينهم سالم كالقطيع، وبدأت الاشتباكات بينهم وبين الفرنسيين. وبينما هم منشغلون في الجهة اليمنى، أعطى سالم الإشارة لرجال الميسرة بالهجوم.
وهنا برزت خطة سالم؛ حيث إن جميع الجنود ركزوا دفاعهم على الجهة اليمنى، متناسين اليسرى، ظنًّا منهم أنه لا خطر سيأتي منها.
وبالفعل، حار الجنود الفرنسيون بين البقاء في جهة اليمين أو التمركز في اليسار، وتقدم المغاربة مستغلين هذا الارتباك، ما دفعهم إلى الاستسلام في النهاية.
بدأ المقاومون في الإفراج عن الأسرى واحدًا تلو الآخر، حتى كانت من بينهم فتاة يعرفها سالم جيدًا، ببشرتها الصافية وعينيها البنيتين، مع حجابها المزخرف.
أجل...
إنها حفصة.
لم يسَع سالم سوى رؤيتها من بعيد والاطمئنان في قلبه. شَحَذَ نظره عنها، فإذا بالصدمة تعلو وجهه.
كانوا...
كانوا فرنسيين!
العشرات، بل المئات، المئات منهم متجهون نحوهم، مع عشرات المركبات والأسلحة.
ارتعب سالم بشدة، ونادى الجميع مطالبًا إياهم بالهروب بأسرع ما يمكن.
وبالفعل، سارع المغاربة إلى امتطاء العربات الفرنسية والخيول، وقبل انطلاقهم لمح أحدهم أن سالم لا يزال واقفًا هناك، فنادى:
"سالم، هيا بسرعة! علينا الانطلاق!"
⌖ سالم: هم يريدونني أنا، ومهما انطلقنا بسرعة، فلن نستطيع الإفلات على أي حال، كما أنني لا أريد المخاطرة بحياة هؤلاء الناس.
يقاطع سالم صوت حفصة الرقيق والمرتجف من إحدى العربات، التي لم تعرف قبل سماع المنادي لاسم سالم أنه موجود هناك، وبكل توتر قالت:
⌖ حفصة: س... سالم!
التفت سالم إليها بنظرات حزن وقال:
⌖ سالم: آسف، لم نحظَ بفرصة للكلام حاليًا، لذا دعينا نؤجل هذا فيما بعد. الآن اذهبوا بأقصى سرعة دون الالتفات إلى الخلف مهما حصل، أفهمتم؟!
وبالفعل، انطلقت العربات والخيول، حاملةً عليها أناسًا قلوبهم تألمت لتركهم شابًا ككبش فداء لهروبهم.
كيف ستغدو حياة هؤلاء الرجال بعد هذا؟
وحفصة، التي احمرّت عيناها بكاءً بعد لُقيا لم تكتمل!
نعود إلى سالم، الذي أدركته القوات الفرنسية، ودون أدنى مقاومة استسلم.
ليس جبنًا، أو عجزًا، أو خضوعًا؛ فهذا ليس من شيم سالم إطلاقًا، لكنه يهدف إلى ما هو أكبر، لدرجة دفعته إلى التخلي عن كبريائه والاستسلام للفرنسيين.
وبهذا، تعود تلك القوات متجاهلةً الهاربين بعد حصولها على مرادها، وتتم سياقة سالم الآن إلى واحدة من أخطر مراكز الاحتجاز الفرنسية!
يــتــبــع...
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
إنستغرام الكاتب: uruma._.01@
تلغرام الكاتب: itz_shun1@