ڤاين : …..

​لم يعد يشعر ببرودة الأرض المجمدة التي كانت تسحب الحياة من أطرافه، واختفت السلاسل الثقيلة التي كانت تخنق معصميه وتدميهما وكأنها لم تكن موجودة قط.

فتح عينيه ببطء شديد، فهاجمه نورٌ ساطعٌ أعمى بصيرته التي اعتادت على العتمة المطلقة في ذلك السجن الموحش. اجتاح عينيه ألمٌ حاد من شدة السطوع، لكنه سرعان ما بدأ يتلاشى ليترك مكانه لوناً أخضرَ فاتحاً يبعث السكينة في القلوب.

​نهض "ڤاين" واقفاً بتوجس، فشعر بدغدغة لطيفة تحت قدميه الحافيتين؛ كان يقف على بساط من عشب ناعم ومريح، نقيضاً تاماً للأرضية الجليدية في تلك الغرفة الكئيبة المليئة برائحة الدماء.

امتد العشب القصير على مرمى البصر لا نهاية له، والجو من حوله دافئ يفوح برائحة الهواء النقي والمنعش التي طردت بقايا البرد القارس من عظامه. لم يعد يشعر بالألم، بل بشعور غريب من الراحة لم يعهده من قبل.

​رفع نظره نحو السماء؛ كانت زرقاء صافية تبعث على الطمأنينة، مرصعة بغيوم بيضاء تحجب الشمس جزئياً لتنشر ضوءاً ناعماً. وفي الأفق البعيد، انتصب جبل بني شاهق تعانق الغيوم قمته .

لمح في الأعالي أسراباً من الطيور البيضاء تحلق بحرية تامة، حرية تناقضت بشدة مع حاله كمسجون مقيد ومسلوب الإرادة قبل لحظات.

لامست رياح دافئة جلده الذي لا يزال يحمل آثار التعذيب، وبينما هو واقف في هذه الجنة الهادئة، اجتاحه شعور قوي بالألفة، وكأن ذرات كيانه تتعرف على هذا المكان.

​ڤاين: لماذا أشعر أن هذا المكان يبدو مألوفاً؟

​همس بها لنفسه، لكن الرد جاءه من خلفه مباشرة، صوتاً هادئاً وواثقاً:

—: مرحباً يا فتى.

​انتفض "ڤاين" وخرجت من حنجرته صرخة مكتومة؛ أرعبه ظهور صوت مفاجئ آخر، لكن هذا الصوت كان مختلفاً تماماً. كانت نبرته لطيفة ودافئة، ورغم أنها كانت مجرد جملة قصيرة، إلا أن التناقض كان صارخاً بينها وبين ذلك الكيان الذي سلب عينه في الظلام.

​استدار بسرعة ليرى مصدر الصوت، فوجد رجلاً بشرياً طويل القامة، ذا شعر أشقر، ينظر مباشرة إلى عينيه بابتسامة هادئة. كان الرجل يرتدي لباساً غريباً، ويحمل في يده عصا خشبية ملفتة للنظر، يستقر على رأسها شيء يلمع تحت ضوء الشمس... يبدو كجوهرة .

​—: إلى متى ستبقى تحدق؟

ڤاين: لا أ…

​تلاشت كلماته وهو يلاحظ إبتسامة الرجل بتمعن؛ كانت إبتسامة دافئة جداً، لكنها ممزوجة بحسرة عميقة وثقيلة، وكأن الرجل يقف على حافة البكاء.

​—: لا تقلق، لن أمسك بأي أذى.

​تأجج ذلك الشعور الغريب في صدر "ڤاين"؛ كان متيقناً أن هذا الشخص يعرفه، بل يعرفه جيداً. رأى في هذا اللقاء فرصة ذهبية لفهم حقيقته الضائعة.

​ڤاين: هـ- هل تعرف من أنـ…

—: توقف.

​قاطعه الرجل بصرامة مفاجئة، مما سبب له صدمة قوية. لقد أوقفه قبل أن يكمل سؤاله حتى، وكأن الرجل قرأ أفكاره وعلم ما كان سيطلبه. تلاشت الابتسامة اللطيفة، وأصبحت نظرة الرجل حازمة وقاطعة، مما جعل الجو من حوله يصبح ثقيلاً ومتوتراً بشكل مباغت.

​تنهد الرجل وعادت الابتسامة لتضيء وجهه من جديد:

—: يا إلهي، الجو أصبح متوتراً. حسناً، حسناً، لنعد الكرة.

—: سأعرف عن نفسي أولاً؛ اسمي ناروس... ناروس تايتر.

​كان "ناروس تايتر" يمتلك هالة مهيبة، ورغم تصرفه المريب قبل قليل، إلا أنه بدا كشخص ذي نوايا حسنة. لم يستطع "ڤاين" منع نفسه من الشعور بالأمان تجاهه، وكأن جزءاً منه يهمس له بأنه لا بأس بالوثوق بهذا الرجل.

​ڤاين: ڤاين.

​اتسعت عينا "ناروس" بتفاجؤ واضح بمجرد سماع الاسم، وشعر "ڤاين" ببعض الارتياح؛ فهذا يؤكد بنسبة كبيرة أن الكيان لم يكذب عليه، وأن هذا هو اسمه الحقيقي فعلاً.

​ڤاين: اسمي ڤاين، رغم أنني أشعر أنك تعلم ذلك مسبقاً.

​تلاشت ملامح المفاجأة عن وجه "ناروس" تدريجياً، لتُستبدل بابتسامة أعرض وأكثر غموضاً. أمال رأسه إلى جانبه الأيمن، ونظر بعمق نحو عصاه الغريبة، ثم رفع بصره ليحدق مباشرة في عيني "ڤاين" بنظرة ثاقبة جعلت القلق يتسرب إلى قلبه مجدداً.

​ڤاين: مـ- ماذا هناك؟ ماذا تريد؟

ناروس: ماذا أريد؟ هاا... لم يتبقَ لي الكثير من الوقت، لذا أتيت لأقول لك إنني…

​اكتسى وجه "ناروس" بحزم مخيف وهو يكمل:

ناروس: غيرت رأيي.

ڤاين: هاه؟

ناروس: كما قلت... سأخلف وعدي.

​تخبطت الكلمات في رأس "ڤاين" المشتت؛ أي وعد؟ عن ماذا يتحدث هذا الرجل؟

ڤاين: ما الذي تتحدث عنه؟ أي وعد؟

ودون أي سابق إنذار، وجه "ناروس" عصاه مباشرة نحو "ڤاين". انبعث وميض خاطف من الجوهرة وتوهجت بقوة عمياء. دبت غريزة البقاء في جسد "ڤاين" فوراً، فاستدار وركض بأقصى سرعة ممكنة حافي القدمين على العشب الناعم، هارباً من هذا الرجل الذي انقلب فجأة.

لكن الضوء كان أسرع؛ اخترق شعاع من الطاقة ساقه اليمنى على حين غرة، فاختفت الساقة بالكامل في لحظة. اختل توازنه وهوى إلى الأمام ليسقط على وجهه بقوة عنيفة ارتجت لها جمجمته، وغاب وعيه لجزء من الثانية. تحطم أنفه وتمزق نصف وجهه جراء الارتطام، ولم يلحظ حجم الضرر بسبب السرعة الجنونية للأحداث، حتى انفجرت الدماء من ساقه المبتورة لتلطخ العشب الأخضر بغزارة.

أطلق "ڤاين" صرخة مدوية نابعة من ألم جسدي مبرح وذهول قاتل. لماذا يفعل هذا؟ وسط عذابه، أدار رأسه بصعوبة ليرى ما يفعله "ناروس"، فخرج ضوء آخر بسرعة خارقة واخترق قلبه مباشرة.

سكن كل شيء، وعم صمت مطبق على المكان. اختفى صوت الرياح، وللحظة قصيرة جداً، ابتلع الفراغ كل الألم. رأى "ڤاين" في تلك اللحظة يد "ناروس" الأخرى وهي تتفتت في الهواء وكأنها رماد يذوب، حتى اختفت تماماً.

​ناروس: عُد وحاول مجدداً.

​همس بها "ناروس" وهو يبتسم، وكانت تلك الابتسامة.

دافئة .

2026/06/01 · 2 مشاهدة · 821 كلمة
TOUDI
نادي الروايات - 2026