"راي.. راي!"
اخترق الصوت المألوف ضباب أفكاري ، تبعه وخز حاد في كتفي، وكأن أحدهم يغرس مسماراً صغيراً في عظمي.
انتفضت في مكاني، ساحباً شهيقاً مفاجئاً وكأني كنت أغرق للتو. رمشت بعنف، محاولاً إجبار عيني على التركيز. تلاشت الصورة الضبابية ببطء، وحل محلها وجه "جين" القريب بشكل مزعج، تعلوه تلك الابتسامة الجانبية الساخرة التي لم تتغير منذ الابتدائية. بيده قلم رصاص خشبي، وجهه نحوي كسلاح.
"أهلاً بعودتك من عالم الموتى،" قال جين بنبرة مازحة، وهو يدير القلم بين أصابعه بمهارة. "الجرس رن منذ دقيقة كاملة، والجميع غادروا. هل كنت تخطط للنوم هنا حتى الصباح؟"
حركت رقبتي المتيبسة، وسمعت طقطقة خفيفة في فقراتي. نظرت حولي ببطء. الفصل الدراسي كان يغرق في سكون ما بعد الدوام. الكراسي مبعثرة بغير انتظام، السبورة الخضراء لا تزال تحمل آثار الطباشير الأبيض من درس الرياضيات الممل، وشعاع الشمس الغارب يصبغ الصف بلون برتقالي داكن، يسقط على الطاولات الخشبية القديمة ليظهر جزيئات الغبار وهي تسبح في الهواء ببطء.. ببطء شديد.
"أنا.. معك،" خرج صوتي مبحوحاً، غريباً على أذني. مددت يدي لأجمع كتبي، لكن أصابعي بدت ثقيلة، وكأن الإشارة العصبية تأخذ وقتاً أطول من المعتاد لتصل إليها.
"مجرد صداع،" تمتمت، وأنا أحشر كتاب الفيزياء في الحقيبة بعنف لا داعي له. "صداع خفيف."
"صداع؟" رفع جين حاجبه، واتكأ بظهره على الطاولة المجاورة، يراقبني بعيون فاحصة. "هذا ثالث يوم على التوالي يا صاح. هل عادت تلك الأرق الكوابيس؟ أم أنك تسهر سراً لتطور مستواك في الألعاب وتفاجئني؟"
تجمدت يدي للحظة فوق سحاب الحقيبة.
كوابيس؟ لا.. لم تكن كوابيس. ليت الأمر كان بهذه البساطة.
المشكلة كانت في "الواقع" نفسه. منذ يومين، بدأ العالم يبدو.. غير متزامن. وكأن هناك تأخيراً بسيطاً في البث المباشر للحياة.
قبل ساعة فقط، عندما كان الأستاذ يشرح، سقطت ممحاته من على الطاولة. أقسم أنني رأيتها تسقط. رأيتها ترتطم بالأرض، وترتد مرتين، وتستقر تحت كرسي الطالب الأول. لكن الغريب.. أنني رأيت ذلك في عقلي قبل أن يحدث فعلياً بثانيتين. جلست أحدق في الممحاة وهي لا تزال على الطاولة، وأقول في نفسي: "ستسقط الآن" وبعد لحظتين.. سقطت، بنفس الطريقة، ونفس الارتداد، ونفس المكان.
كان شعوراً يبعث على الغثيان. وكأنني قرأت سيناريو هذا اليوم من قبل، لكني نسيت أين...
"لا شيء من هذا،" نفضت الأفكار المظلمة عن رأسي بقوة، ووقفت وأنا أرسم ابتسامة مزيفة أعرف أنها تخدع جين دائماً. "مجرد إرهاق دراسة وتفكير في الامتحانات. المهم.. هل ما زلت عند كلمتك بخصوص التحدي؟"
بمجرد ذكر "التحدي"، تبخر قلق جين وحل محله حماس طفولي. اتسعت عيناه ولمعت. "بالطبع! المقهى الإلكتروني الجديد في الشارع الرابع! سمعت أنهم أحضروا أجهزة محاكاة قتالية بنظام الواقع المعزز. سأسحقك اليوم يا راي، ولن أقبل الصداع كعذر حينما تبكي"
ضحكت، لكن الضحكة لم تصل لعيوني. "سنرى من سيبكي"
خرجنا معاً من الفصل، وأصوات خطواتنا تتردد في الرواق الفارغ. لكن ذلك الشعور.. الشعور بأن شيئاً ما يراقبني من خلف زجاج النوافذ.. لم يفارقني.
[المقهى الإلكتروني – الساعة 4:45 مساءً]
الأضواء النيونية الزرقاء والحمراء كانت تنعكس على وجوه اللاعبين المتحمسين، الصراخ، أصوات الأزرار الميكانيكية وهي تضغط بجنون، والموسيقى الإلكترونية الصاخبة.. كل هذا كان عادة يملؤني بالحماس.
لكن اليوم.. كان الصوت عالياً جداً. عالياً لدرجة الألم.
"يسار! يمين! راي انتبه خلفك!" صرخ جين وهو يضرب ذراع التحكم بعنف، لسانه خارج فمه من شدة التركيز. على الشاشة الكبيرة، كانت شخصيته (محارب ساموراي) تشن هجوماً كاسحاً على شخصيتي.
جين كان سريعاً. لا، كان "عشوائياً" ومندفعاً، وهذا ما يجعله خطيراً. لكني.. كنت أشعر ببرود غريب يزحف في أطرافي.
العالم من حولي بدأ يتباطأ. نظرت للشاشة. لم أرَ مجرد "هجوم". رأيت إصبعة السبابة يرتعش فوق الزر الأحمر (زر الركلة العالية) قبل أن يضغط عليه بأجزاء من الثانية. عقلي ترجم الحركة فوراً. سيضغط.. الآن. تحركت يدي تلقائياً، أسرع من تفكيري الواعي. ضغطت زر الصد والمراوغة لليسار. على الشاشة، شخصيتي انحنت بسلاسة متفادية ركلة جين القاتلة، ثم وجهت لكمة مضادة في الفك.
"ماذا؟!" صرخ جين، وحاول تدارك الموقف بضغط عشوائي للأزرار. لكن الأمر كان قد انتهى. كنت أرى كل احتمالاته. زر مربع.. لكمة يمين. صد. زر مثلث.. قفزة. التقاط هوائي. زر دائرة.. الضربة القاضية.
"K.O!" ظهرت الحروف الحمراء الكبيرة على الشاشة، معلنة موته الخامس على التوالي.
"يا رجل! هذا مستحيل!" رمى جين ذراع التحكم على الطاولة بيأس، وصوت ارتطام البلاستيك كان مزعجاً. مسح العرق عن جبينه ونظر إلي باتهام مازح. "أنت تغش! كيف عرفت أنني سأستخدم الضربة القاضية في تلك اللحظة؟ أنا نفسي لم أكن أعرف أنني سأفعلها!"
أخذت رشفة طويلة من مشروبي الغازي، وشعرت بفقاعات الصودا تلسع حلقي وتوقظني قليلاً. البرودة ساعدت في تخفيف ضجيج عقلي. "أنت كتاب مفتوح يا صديقي،" قلت بهدوء، وأنا أحدق في يدي التي كانت تتحرك وحدها قبل قليل. "حركاتك.. واضحة جداً اليوم"
"واضحة؟" ضحك جين وهو ينهض، يضربني بخفة على كتفي. "حسناً أيها العبقري الاستراتيجي، عقابك هو أن تدفع الحساب. هيا بنا، الجو هنا بدأ يختنقني"
خرجنا إلى الشارع. الهواء المسائي كان منعشاً، يحمل برودة الخريف المبكرة. السيارات تمر بجانبنا، أضواؤها ترسم خطوطاً طويلة في عيني. جين كان يثرثر عن خططه لدخول كلية الهندسة، وعن الفتاة "سارة" التي يحاول لفت انتباهها منذ شهر.
كنت أومئ برأسي وأبتسم في الأوقات المناسبة، لكن عقلي كان في مكان آخر. لماذا شعرت أنني "غريب" عن هذا العالم؟ جين، الشارع، المقهى.. كل شيء بدا وكأنه ديكور مسرحي متقن الصنع، وأنا الممثل الوحيد الذي نسي دوره. "راي؟ هل تسمعني؟" "آه.. نعم، الهندسة خيار ممتاز لك" نظر إلي جين بشك، لكنه لم يعلق.
[المنزل – الساعة 7:30 مساءً]
"لقد عدت!" خلعت حذائي عند المدخل، وصففته بعناية بجانب حذاء والدي الرسمي الملمع. استقبلتني الرائحة التي تعتبر "تعريف الأمان" بالنسبة لي، رائحة "يخنة اللحم" التي تطهو أماه بالتبواب الخاصة. رائحة دافئة، ثقيلة، ومطمئنة.
"أهلاً بك يا بني،" أطلت أمي من باب المطبخ، مريلتها ملطخة بقطرات صلصة الطماطم. وجهها كان يحمل تعب السنين، خطوط رقيقة حول العينين والفم، لكن ابتسامتها كانت كافية لتضيء المنزل. "اغسل يديك بسرعة، والدك عاد للتو ويبدو جائعاً"
جلست على مائدة العشاء الدائرية الصغيرة. الإضاءة الصفراء الدافئة تملأ الغرفة. أبي كان يجلس على رأس الطاولة، قميصه الأبيض مفتوح الزر العلوي، وربطة عنقه مرخية. كان يفرك صدغيه بتعب، لكن بمجرد أن رآني، وضع هاتفه جانباً واعتدل في جلسته.
"كيف كانت المدرسة يا بطل؟" سأل بصوته الهادئ العميق، الصوت الذي طالما شعرت أنه درعي ضد العالم.
"جيدة يا أبي." بدأت أسكب الأرز في طبقي. "هزمت جين خمس مرات متتالية في الألعاب الجديدة. أعتقد أنه سيعتزل اللعب بسببي"
ضحك أبي ضحكة خفيفة اهتز لها صدره. "جين المسكين.. لا ييأس أبداً، هذا الفتى عنيد" ثم تنهد، ونظر لصحنه بشرود للحظة. "أتمنى لو كان لدي نصف إصراره في العمل. المدير الجديد.. يضغط علينا بخصوص الحسابات الضريبية. يبدو أنني سأضطر للعمل ساعات إضافية الأسبوع القادم"
توقفت يدي بالملعقة في منتصف الطريق. نظرت لوجهه. رأيت الشيب الذي بدأ يغزو شعره الأسود، والتجاعيد التي لم تكن موجودة قبل سنوات. إنه يذبل.. من أجلنا. شعور مفاجئ بالحزن -أو ربما الخوف- اعتصر قلبي. "لا تقلق يا أبي،" قلت بجدية مفاجئة، ناظراً في عينيه مباشرة. "عندما أتخرج وأعمل، سأتكفل بكل شيء. سأجعلك تتقاعد وترتاح في منزل ريفي كما تحب"
نظرت إلي أمي، وعيناها تلمعان بالدموع المحبوسة. ربتت على يدي بحنان. "نعلم ذلك يا حبيبي.. أنت أملنا الوحيد"
كان مشهداً مثالياً. مثالياً جداً. صوت الملاعق وهي تلمس الصحون الخزفية، بخار اليخنة، ضحكات والدي. لماذا إذن.. شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودي الفقري؟ لماذا شعرت، للحظة واحدة مرعبة، أنني أنظر إلى "صورة" ستتمزق قريباً؟
[النادي الرياضي – الساعة 10:15 ليلاً]
صوت ارتطام الكرة بالأرضية الخشبية المصقولة كان يدوي كالانفجارات في الصالة المغلقة. رائحة الورنيش القديم والعرق ملأت رئتي.
"راي! الكرة لك!"
رفعت رأسي. الكرة الطائرة كانت تحلق عالياً، تدور ببطء تحت الأضواء الكاشفة الساطعة. ركضت، ثلاث خطوات إيقاعية، ثم قفزت. شعرت بجسدي يرتفع عن الأرض بخفة غير طبيعية اليوم، وكأن الجاذبية نسيت أن تمسك بقدمي. ارتفعت فوق الشبكة. رأيت ملعب الخصم (فريق الحي) مكشوفاً تماماً أمامي.
"بام!" ضربت الكرة بيدي المفتوحة بكل ما أوتيت من قوة. انطلقت كالقذيفة، وارتطمت بأرضية الخصم قبل أن يتحركوا حتى.
"يا إلهي! يا لها من ضربة!" صاح زميلي، وهو يركض ليصافحني. "قفزتك تزداد ارتفاعاً كل يوم يا وحش!"
هبطت على الأرض، وركبتي امتصت الصدمة بمرونة. كنت ألهث، والعرق يغطي وجهي ورقبتي، وقميصي يلتصق بظهري. شعور الإرهاق الجسدي كان مخدراً رائعاً. يغسل العقل من التفكير. لا غرابة، فقط عضلات تعمل وقلب يضخ الدم.
مشيت نحو دكة البدلاء، وسحبت منشفتي ومسحت وجهي بعنف. التقطت زجاجة الماء البلاستيكية. نظرت إلى يدي وهي تمسك الزجاجة. كانت ترتجف قليلاً من الجهد وتدفق الأدرينالين.
ولحظة واحدة.. توقف الزمن.
تغيرت الإضاءة في الصالة، من الأبيض الساطع إلى الأحمر القاني الخافت. اختفى صوت صدى الكرات وصياح اللاعبين. حل محله صمت مطبق، ثقيل، يشبه صمت القبور. نظرت ليدي مرة أخرى. لم تكن تمسك زجاجة ماء. كانت تمسك خنجراً أسود، نصله معقوف ومسنن كأنياب وحش، يقطر سائلاً لزجاً أحمر. والأرضية الخشبية تحتي.. لم تكن خشباً. كانت بركة من الدماء الدافئة التي تصل لكاحلي.
شهقت، وسقطت الزجاجة من يدي. "طراخ!" الصوت أعادني للواقع. فتحت عيني التي أغمضتها لا إرادياً. الصالة عادت بيضاء، الأصدقاء يضحكون، الزجاجة تتدحرج على الأرضية الخشبية الجافة.
"راي؟ هل أنت بخير؟" ناداني المدرب من بعيد، عاقداً حاجبيه بقلق. "تبدو شاحباً كأنك رأيت شبحاً"
وضعت يدي على صدري، محاولاً تهدئة قلبي الذي كان يقرع طبول الحرب داخل قفصي الصدري. "أنا.. بخير،" همست بصوت مرتعش. "مجرد دوار.. ربما لم أشرب ما يكفي من الماء"
"خذ استراحة،" أشار المدرب للدكة.
جلست، وأنا أحدق في يدي المرتجفة. تلك لم تكن "هلوسة" عادية. لقد شعرت بوزن الخنجر. شممت رائحة الحديد في الدم. شعرت بلزوجته على جلدي. ما الذي يحدث لي بحق الجحيم؟