المدرسة الثانوية ليست مكاناً لطلب العلم فقط، أي شخص يعتقد ذلك هو إما ساذج أو كاذب، إنها غابة مصغرة، نظام بيئي متكامل ومعقد، في القمة: الوحوش (المتنمرون، الرياضيون المشاهير)، في الوسط: القطيع (الطلاب العاديون الذين يحاولون الاندماج)، وفي القاع: الفرائس (المنبوذون، الضعفاء).

وأنا؟ لطالما كنتُ "الشجرة"، صامت، ثابت، لا يلاحظني أحد، ولا أتدخل في شؤون الغابة، كنتُ راضياً بهذا الدور، لكن اليوم.. الغابة قررت أن تختبرني.

كنتُ أمشي في الرواق المزدحم وقت استراحة الغذاء، رائحة السندويشات المختلطة برائحة مواد التنظيف تملأ المكان، ضجيج الطلاب كان عالياً، لكن عقلي كان لا يزال محبوساً في "خنجر الأمس"، شعور غريب، حارق، كان يسري في عروقي منذ استيقظت هذا الصباح، ليس نشاطاً، بل.. طاقة، وكأنني شربت عشر علب قهوة دفعة واحدة.

في الزاوية البعيدة، قرب دورات المياه، رأيتُ المشهد الكلاسيكي المبتذل، ثلاثة طلاب من السنة الثالثة، يرتدون زيهم بأسلوب فوضوي (أكمام مشمرة، أزرار مفتوحة)، يحاصرون طالباً نحيلاً يرتجف من السنة الأولى، كانوا مثل الضباع التي تحاصر أرنباً مصاباً.

"هل نسيت محفظتك مجدداً؟" سأل أحدهم، صوته كان مليئاً بالسخرية المقززة، وهو يدفع الطالب للجدار بقوة جعلت رأسه يرتطم بالبلاط، ضحك البقية، استعد أحدهم، "كانغ" -الضخم ذو السمعة السيئة- لتوجيه لكمة "تأديبية" لبطن الطالب الصغير.

في العادة، كنتُ سأخفض رأسي، أغير طريقي، وأدعي أنني لم أرَ شيئاً، "ليس شأني"، هكذا كنتُ أنجو، لكن اليوم.. قدمي توقفت رغماً عني، تلك الطاقة الغريبة اشتعلت في صدري، وتحولت إلى صوت داخلي يهمس بوضوح مرعب: أنت أقوى منهم، إنهم بطيئون، حشرات، يمكنك سحقهم.

تحركتُ، لم يكن قراراً واعياً، بل كان "غريزة" استحوذت علي، شقت خطواتي طريقها عبر الطلاب المتجمهرين، وقفتُ بين الطالب المرتجف وبين قبضة "كانغ".

"اتركوه!" صرختُ، صوتي خرج قوياً، جهورياً، فاجأني أنا قبل أن يفاجئهم، ساد صمت مفاجئ في الرواق، توقفت الضحكات، التفتت الرؤوس، "كانغ" توقف، يده لا تزال معلقة في الهواء، نظر إليّ باستغراب ممزوج باحتقار، ثم ارتسمت على وجهه القبيح ابتسامة شريرة كشفت عن أسنان صفراء.

"أوه؟ انظروا من هنا.." قال بصوت متهكم وهو يقترب مني، ظله الضخم يبتلعني، "راي الهادئ.. قرر أن يلعب دور بطل العدالة اليوم؟ هل شاهدت فيلماً كرتونياً في الصباح وتأثرت به؟"

وقفتُ بثبات، رفعتُ قبضتي في وضعية قتالية تعلمتها من الألعاب، كنتُ أتوقع أن يخافوا من نظرتي، كنتُ أتوقع أن أصد ضرباتهم بمهارة خارقة كما فعلت في اللعبة أمس، "قلتُ لكم.. اتركوه يذهب"

طرقع كانغ رقبته يميناً ويساراً، واقترب حتى أصبحتُ أشم رائحة التبغ في أنفاسه، "وإذا لم نفعل؟ ماذا ستفعل يا (بطل)؟"

سددتُ لكمة، في عقلي، كانت اللكمة سريعة كالبرق، تستهدف فكه السفلي لتسقطه أرضاً، لكن في الواقع.. كانت بطيئة، مثيرة للشفقة، تحركت يدي كأنها في حلم ثقيل، أمسك "كانغ" بقبضتي بسهولة تامة بيده الكبيرة، وعصرها حتى سمعتُ صوت طقطقة مفاصل أصابعي، الألم كان حاداً ومفاجئاً.

ضحك في وجهي، ورذاذ لعابه تطاير على خدي، "هل تسمي هذه لكمة؟ جدتي المشلولة تضرب أقوى منك"

ثم.. اختفت الثقة، تبخرت تلك القوة الوهمية، وانطفأ الصوت الداخلي، تاركاً إياي وحيداً عارياً أمام وحش حقيقي، أدركتُ الحقيقة الباردة: أنا لست بطلاً.

"طرااااخ!" لم أرَ اللكمة تأتي، شعرتُ بالانفجار في وجنتي اليسرى، العالم دار بي 180 درجة، السقف أصبح أرضاً، والأرض أصبحت سقفاً، ارتطم جسدي بالبلاط البارد بقوة أخرجت الهواء من رئتي، طعم الحديد (الدم) ملأ فمي فوراً، طنين حاد في أذني حجب صوت ضحكات الطلاب المتجمهرين.

"انظروا إليه! ظن نفسه قوياً!" "يا له من أحمق!" "كانغ مسح به الأرض بضربة واحدة!"

حاولتُ النهوض، كبريائي يصرخ بي أن أقف، لكن ركلة أخرى وحشية في ضلوعي أعادتني للأرض، وأنا أشهق طلباً للهواء، المتنمرون تركوا الطالب الصغير -الذي انتهز الفرصة وهرب كالجرد- وركزوا عليّ، أصبحتُ أنا التسلية الجديدة.

جثا "كانغ" فوقي، وأمسك بشعري ليرفع وجهي الدامي نحوه، "درس لليوم يا راي،" همس، ثم بصق بجانبي باحتقار، "اعرف حجمك، الأبطال يموتون أولاً"

تركني وسار مبتعداً مع عصابته، وهم يضحكون بصوت عالٍ وكأنهم أنجزوا عملاً عظيماً، بقيتُ ملقى على الأرض الباردة، وسط دائرة من الطلاب الذين ينظرون إليّ بشفقة ممزوجة بالاشمئزاز، لا أحد مد يده، لا أحد ساعدني، أغمضتُ عيني، وتمنيتُ لو أن الأرض تنشق وتبتلعني.

[الساحة الخلفية – بعد الدوام]

كنتُ أجلس تحت شجرة الكرز القديمة في الزاوية المنسية من المدرسة، الظلال كانت طويلة، والشمس بدأت تميل للغروب، وضعتُ كيس ثلج رخيص اشتريته من المقصف على خدي المتورم الذي أصبح بلون البنفسج والأزرق، كل نبضة قلب كانت ترسل موجة ألم عبر وجهي.

"تأخرتَ يا بطل" صوت ناعم، يحمل نبرة حنان لم أكن مستعداً لها، التفتُ بفزع، وحاولتُ إخفاء وجهي المشوه بيدي السليمة، لكن الأوان كان قد فات، كانت "لينا"، زميلتي في فصل الأدب، والفتاة التي -سراً- كنتُ أعتقد أنها أجمل ما في هذا العالم الكئيب.

جلست بجانبي على العشب دون أن تهتم لملابسها النظيفة، نظرت للكدمة بعيون متسعة قليلاً، لكن لم يكن فيها اشمئزاز، كان فيها.. قلق؟ "راي.. يا إلهي، ماذا حدث لوجهك؟ هل تشاجرت؟"

"حاولتُ،" خرج صوتي مكسوراً، وبصقتُ قليلاً من الدم على العشب، "حاولتُ أن أساعد طالباً من السنة الأولى.. لكني أكلتُ الضرب بدلاً منه، نهاية قصة البطل التراجيدية"

توقعتُ أن تسخر مني، أن تقول لي "لماذا تدخلت؟"، لكنها فعلت العكس، ابتسمت برقة، ومدت يدها لتأخذ كيس الثلج من يدي المرتجفة، ووضعته برفق شديد على وجنتي، لمسة أصابعها الباردة كانت مريحة بشكل لا يوصف، "هذا شجاع منك يا راي" قالتها بصدق، وهي تنظر في عيني مباشرة، "معظم الأولاد هنا عبارة عن عضلات فارغة، الغباء والشجاعة وجهان لعملة واحدة أحياناً، لكنك اخترت الوجه الصحيح"

ضحكتُ، وتأوهتُ من الألم الذي سببته الضحكة، "شكراً.. أعتقد أنني سأتقاعد من البطولة وأكتفي بالدراسة من الآن فصاعداً" "لا تقل هذا،" ضغطت برفق على الكيس، "أنت طيب القلب.. وفي هذا العالم، القلب الطيب أندر وأقوى من العضلات"

[طريق العودة – مع جين]

"سمعتُ أنك تحولتَ لكيس ملاكمة بشري اليوم؟" قالها جين وهو يمشي بجانبي، يركل حجراً صغيراً أمامه بحذائه الرياضي، نبرته لم تكن ساخرة كالعادة، بل كانت مشحونة بغضب مكتوم، يداه كانتا في جيوبه، لكني رأيته يقبضهما بقوة، "لماذا لم تنادني؟ كنتُ في الكافيتيريا، كنا سنمسح بهم الأرض معاً"

"حدث الأمر بسرعة،" قلتُ بهدوء، وأنا ألمس الضمادة التي وضعتها الممرضة على خدي، "ثم إنني.. ظننتُ أنني أستطيع التعامل معهم، ذلك الشعور من الأمس.. خدعني"

توقف جين فجأة تحت عمود إنارة بدأ يومض استعداداً لليل، أمسك بكتفي وأدارني نحوه، "راي.. اسمعني" كان وجهه جاداً بشكل لم أعهده، "أنت لست ضعيفاً، مشكلتك أنك متردد، أنت تفكر كثيراً قبل أن تضرب" هزني بخفة، "في المرة القادمة، لا تقاتل وحدك، نحن فريق، تذكر؟ أنا العضلات وأنت العقل، لا تخلط الأدوار"

ابتسمتُ له، وشعرتُ بدفء الصداقة يذيب قليلاً من جليد الإهانة في صدري، "فريق للأبد"

افترقنا عند تقاطع الحي، أكملتُ طريقي وحدي للمنزل، الشوارع كانت تفرغ من الناس، الظلال تطول وتندمج مع الظلام القادم، البرد بدأ يتسلل تحت ملابسي، رغم كلام لينا وجين.. الخزي كان لا يزال يحرقني، "أنا ضعيف،" همستُ لنفسي، وصوتي يضيع في الريح، "أنا مجرد وهم"

مررتُ بجانب سيارة سوداء متوقفة تحت ظل شجرة، زجاجها كان عاكساً كالمرآة، توقفتُ لأرى انعكاس وجهي المكدوم، نظرتُ للانعكاس، ورمشت، الانعكاس.. لم يرمش.

تسمرتُ في مكاني، الشخص في الزجاج كان يشبهني، لكنه لم يكن أنا، كان يقف باستقامة، بينما أنا منحني الظهر، ابتسامة مرعبة، واسعة، وشيطانية كانت تشق وجهه، بينما أنا كنتُ عابساً، والأكثر رعباً.. عيناه، لم تكن بنية مثل عيني، كانت حمراء، حمراء كالجمر المشتعل، تتوهج في ظلام الزجاج، كان ينظر إليّ.. ليس كانعكاس، بل ككيان منفصل ومحبوس، نظرته كانت مليئة بالاحتقار، الغضب، والجوع.

سمعتُ صوتاً في عقلي، ليس صوتي، بل صوت يشبه صوتي لكنه أعمق وأقدم: (انظر لحالك.. يا لك من وعاء مثير للشفقة..)

شهقتُ، وتراجعتُ للخلف متعثراً بقدمي، رمشتُ مرة أخرى بقوة، اختفى، عاد الانعكاس طبيعياً، وجهي المكدوم، عيوني البنية الخائفة، وفمي المفتوح بذهول.

ارتجفتُ، وشعرتُ أن قلبي سيتوقف، لم يكن خيالاً، أنا متأكد، ركضتُ، ركضتُ نحو منزلي بكل سرعتي، ليس هرباً من الشارع المظلم.. بل هرباً من "الشيء" الذي بدأ يستيقظ بداخلي.

2026/01/09 · 27 مشاهدة · 1216 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026