[الوادي الأخضر - لحظة الحقيقة]

خيم الصمتُ المطبق على الوادي. حتى خريرُ الماء، وزقزقة العصافير، وحفيف الأشجار.. كل شيء بدا وكأنه توقف وانحنى احتراماً لرهبة اللحظة. كان إصبعُ العجوز المتغضن، الذي يشبه جذع شجرة يابس، لا يزال يشيرُ بوضوح مرعب إلى وجهي.. وتحديداً إلى محجري عينيّ.

"خطيئة؟" كررتُ الكلمة، وصوتي يخرج مبحوحاً، ثقيلاً، وكأنه يرفض الخروج من حلقي. "النظامُ أسماها (أعين الخطيئة).. ظننتُه مجرد لقبٍ درامي لإخافة المبتدئين."

ضحك العجوز. لم تكن ضحكة الجد الطيب التي عهدتها. كانت ضحكةً جافةً، باردة، وخاليةً من أي مرح، تشبه صوت تكسر أوراق الخريف الميتة تحت الأقدام. "النظامُ لا يميلُ للدراما يا بني.. النظامُ آلة، والآلة تميلُ للتوصيف الدقيق والحرفي." أنزل يده ببطء، ونظر إلى السماء الصافية وكأنه يرى شيئاً لا أراه. شيئاً قديماً، مظلماً، ومتعفناً يختبئ خلف زرقة السماء البريئة.

"اجلس يا راي. ولا تقاطعني." سحب نفساً عميقاً من غليونه، ونفث الدخان. لكن الدخان هذه المرة لم يتلاشَ. بل بدأ يتشكل ويتلوى في الهواء، راسماً صوراً رمادية متحركة. "القصة التي سأحكيها لك الآن، لم يسمعها (كاي) لأنه كان مشغولاً بتحليل فيزياء المكان، ولم يسمعها (غور) لأنه كان مشغولاً بالضحك على خرافات العجائز." وجه نظره لي بحدة السيف: "لكن أنت.. أنت بحاجة لسماعها. لأنك لا تحمل مجرد مهارة.. أنت تحملُ (إرثاً) ملعوناً في جمجمتك."

1. سقوطُ آروس (الكبرياء الذي التهم العالم)

"قبل مائة ألف سنة.. في مجرةٍ بعيدةٍ اندثرت نجومها وتحولت لغبار كوني، كان هناك كوكبٌ يُدعى (أركاديا)." تشكل في الدخان صورة كوكب رائع، محاط بحلقات ذهبية، ومدن تطفو فوق السحاب. "كان عالماً مثالياً. سكانه وصلوا لأقصى درجات التطور، دمجوا السحر بالتكنولوجيا حتى أصبحوا أشبه بالآلهة الصغار. وكان يحكمهم رجلٌ واحد. الملك (آروس)."

ظهر في الدخان وجه رجل وسيم، قوي، بعيون تشع ذكاءً وطموحاً لا حدود له. "آروس لم يكن شريراً في البداية. كان باحثاً عن الكمال المطلق. وصل لقمة القوة الجسدية، وقمة الحكمة العقلية. دانت له المجرة." "لكنه اصطدم بحائط.. حائط (القدرة الفانية). أدرك أنه مهما علا شأنه، فهو محكوم بقوانين الكون، ومحكوم بالموت. كان يكره أن يكون محدوداً. كان يكره أن يكون (مخلوقاً)."

زفر العجوز دخاناً كثيفاً تحول للون الأسود. "في هوسه، اكتشف طقوساً قديمةً ومحرمة. نصوصاً كُتبت قبل ولادة النجوم. طقوساً تستدعي قوىً من (ما وراء الوجود)، من الفراغ الذي يسبق الخلق." "ولإتمامها، لم يضحِ بجيش، ولا بمدينة، ولا حتى بنفسه." "لقد ضحى بـ (قلب كوكبه)." "امتص جوهر حياة كوكب أركاديا بالكامل.. مليارات الأرواح، الطبيعة، السحر.. كلها سحبها ليفتح شقاً صغيراً في نسيج الواقع." "ومن ذلك الشق المظلم.. سرق تلك الأعين."

نظر لي العجوز برعبٍ حقيقي، وكأنه يرى آروس أمامه: "بمجرد أن فتح آروس عينيه الجديدتين.. لم يعد يرى العالم كما نراه." "لم يرَ بشراً، ولا مشاعر، ولا حياة، ولا جمالاً." "رأى (خطوطاً). رأى (رموزآ). رأى (نقاط ضعف) في نسيج الكون يمكن مسحها أو تعديلها." "أصبح حاكمآ للموت." "كان ينظر للجيوش المتمردة.. فتتوقف قلوبهم في آن واحد بسكتة كونية. ينظر للجبال الشاهقة.. فتتفتت لغبار ذري. لقد دمر حضارته بالكامل، ومسح شعبه، ليس لأنه يكرههم.. بل لأنه كان يستمتع بتجربة قوته، يستمتع بـ (تحريرهم) من الوجود."

"وهنا.. تدخل (الكيان)." بلع العجوز ريقه بصعوبة عند ذكر هذا الاسم، وارتجفت شعلة الغليون. "الكيان الذي يدير هذا النظام، والذي يحفظ توازن العوالم المتعددة. لم يرسل جيشاً لقتال آروس. ولم يرسل كارثة طبيعية. بل نزل بنفسه." "لم تكن معركة يا راي. كانت (تأديباً)." "وقف آروس بكل جبروته وعينيه الملعونتين أمام الكيان.. وفي لحظة واحدة.. جُرد من كل شيء." "انتزع الكيان عيني آروس من محجرهما بيده المجردة بينما كان الملك يصرخ صرخة هزت أركان المجرة." "وحكم عليه بالعيش أعمى في الفراغ السرمدي، يتذكر كل ثانية من قوته التي فقدها، دون أن يموت، ودون أن يجن.. فقط يتذكر ويتألم للأبد."

"أما العينان.. فلم يدمرهما الكيان." "بل جعلهما (لعنة). جائزةً ملغومةً توضع في طريق اليائسين والمكسورين.. ليرى من سيستخدمها بحكمة، ومن سيكرر خطيئة آروس ويدمر نفسه."

جلس العجوز أمام النار الهادئة، وعصاه ترسم أربع دوائر متباعدة على التراب. كان الصمت ثقيلاً، وكأنه يزن الكلمات قبل أن ينطقها، خوفاً من أن يسمعها الكون.

"اسمع يا راي.. تلك الأعين ليست هدية. إنها (مقايضة). أنت تشتري القوة بعملة واحدة فقط: ذاكرتك." غرز عصاه في الدائرة الأولى، وبدأ الشرح :

1. المستوى الأول: العينُ الحمراء

القوة: "تمنحك الجسد المثالي. بصر حراري يكشف نقاط الضعف، سرعة تتجاوز رد الفعل البشري، وقوة تكسر الصخر. إنها تحولك إلى (وحش) غريزي لا يُقهر في القتال القريب."

الثمن: "بسيط، لكنه مؤلم. أنت تفقد (اللحظات). في كل مرة تفعلها، تتبخر ومضات عابرة من ذاكرتك. طعم وجبة أحببتها، نكتة ضحكت عليها، أو مشهد غروب شمس رأيته بالأمس. قطرات صغيرة.. لكنها مع الوقت تجفف النهر."

2. المستوى الثاني: العينُ الزرقاء

القوة: "تكسر حاجز الزمن. تمنحك إدراكاً محيطياً كاملاً (360 درجة). ترى العالم بالتصوير البطيء، تحلل مسارات الهجوم قبل حدوثها، وتتحكم في زخم الحركة وثقل الضربات. إنها تجعل منك (سيداً) للمعركة، لا يلمسه أحد."

الثمن: "هنا تبدأ المأساة. أنت تفقد (أحداثاً كاملة). استخدمها لمعركة واحدة.. وقد تنسى نزهة كاملة خرجتها مع عائلتك. تنسى يوم ميلاد صديقك. تنسى كيف تعرفت على شخص ما. ستجد صفحات بيضاء كاملة في كتاب حياتك."

3. المستوى الثالث: العينُ السوداء (العدم)

القوة: "السواد المطلق. عين الحُكم. هذه العين لا تضرب، بل (تمحو). إذا ركزت نظرك وإرادتك على هدف -سواء كان جبلاً أو جيشاً- فإن الوجود يلفظه. يختفي بلا أثر، بلا غبار، بلا طاقة. فناء تام."

الثمن: "كارثي. أنت تفقد (سنوات). استخدام واحد قد يمسح طفولتك بالكامل. استخدام آخر يمحو فترة مراهقتك. ستنظر في المرآة وترى رجلاً لا تعرف كيف كبر، ولا من رباه، ولا كيف أصبح بهذا الشكل. ستكون غريباً في جسدك."

صمت العجوز طويلاً.. طويلاً جداً. كان يحدق في الدائرة الرابعة البيضاء، ويده ترتجف وكأنها تلمس جمراً.

4. المستوى المحرم: العينُ البيضاء (الخطيئة)

القوة: "لا أحد يعلم مداها.. لأنها تتجاوز المنطق. قوة مطلقة تغير قوانين الواقع، تمحي أي شيء امامك مهما كان."

الثمن: "هذا المستوى.. حتى (آروس) لم يجرؤ على استخدامه. ليس لأنه خائف.. بل لأنه (لم يقدر)." نظر العجوز في عينيّ برعب حقيقي: "لأن الثمن هنا هو.. (أنت..)." "في المستويات السابقة، أنت تنسى (ماذا) فعلت.. لكنك تعرف (من) تكون." "أما في الأبيض.. أنت تنسى (من أنت)." "يُمحى اسمك، هويتك، مبادئك، ومشاعرك الإنسانية." "الجسد يبقى حياً.. والقوة تصبح لا نهائية.. لكن (راي) يختفي للأبد." "ما سيقف هناك لن يكون بشراً.. ستكون مجرد (خطيئة) تمشي على قدمين. كيان بلا روح، وجد ليدمر كل شيء.. حتى نفسه."

مسح العجوز الرسمة بقدمه بعنف، وكأنه يغلق باباً للجحيم. "لذا احذر يا بني.. أنت تبيع روحك بالتقسيط.. فلا تصل للقسط الأخير."

3. اختبارُ الثبات

تراجعتُ للخلف، واصطدم ظهري بجذع الشجرة القاسي. المعلومات كانت أثقل من أن يحملها عقلي المتعب. "النسيان.." همستُ برعب، ودمعة واحدة تحرقت في عيني. تخيلتُ أن أعود لـ "جين" وأنا لا أعرفه. تخيلتُ أن أنظر لصورة أمي ولا أشعر بشيء. "النسيان هو الموت الحقيقي.. إنه أسوأ من الموت."

"بالضبط." قال العجوز بحزم، وهو يفرغ غليونه من الرماد. "ولهذا.. حذرتك. القوة المطلقة تتطلب تضحية مطلقة."

ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه إلا صوت الرياح، قبل أن أجمع شتات نفسي وأسأله بنبرة مليئة بالحيرة: "وماذا عن هذا؟ ما معنى هذا الرمز الغريب الذي يظهر داخل عيني؟"

توقف العجوز عن الحركة. اقترب مني ببطء، وأمسك بذقني ليرفع رأسي. ضيّق عينيه وراح يركز في بؤبؤ عيني لثوانٍ طويلة بدت وكأنها دهر، ساد فيها وجومٌ تام على ملامحه.

ثم أضاف وهو ينظر إلى عيني بنظرة غامضة "هذا الرمز.. يبدو وكأنه ناقص. كأنه من المفترض أن يكون حرفًا أو كلمةً ما، لكنه لم يكتمل بعد.. شيءٌ ما لا يزال مفقودًا ليصبح تامًا."

"لا أعلم.." تمتم أخيرًا وهو يتراجع للخلف ويهز رأسه ببطء، "لكن.. ستجد من سيخبرك بمعنى هذا الرمز."

وقف العجوز، ونفض الغبار عن ثوبه الأبيض. الشمس بدأت تميل للمغيب، محولةً الوادي الذهبي إلى لوحة من الشفق الأحمر الحزين، وكأن العالم يودعني. "لقد حان الوقت يا بني. الراحة انتهت. والزمن في عالمك لا يرحم. كل ثانية تضيعها هنا، قد تعني حياة شخص هناك."

مشى العجوز بخطوات ثابتة نحو الشلال الهادر الذي يصب في النهر. رفع عصاه، وتمتم بكلمات لم أفهمها. "وووووش..." انشقت المياه كستارة مسرح عملاقة، كاشفةً عن مدخل كهف مظلم خلف الشلال. وفي نهاية الكهف.. كان هناك باب. ليس خشبياً، ولا حديدياً. كان باباً صخرياً ضخماً، أملس، مصقولاً كالمرايا، ليس له مقبض ولا ثقب مفتاح. لونه رمادي كئيب يمتص الضوء حوله.

وقفتُ بجانب العجوز، ورذاذ الماء يبلل وجهي. "يا جد.." سألتُ وأنا أنظر للباب برهبة. "الباب السادس.. قلتَ إنه ليس عن القوة ولا الذكاء. ما هو الاختبار إذن؟ كيف سأعبره؟"

التفت إليّ العجوز. في عينيه نظرةُ وداعٍ نهائية، نظرة أب يرسل ابنه للحرب. "الباب السادس هو (الثبات)." "في الداخل.. لن يهاجمك وحشٌ لتقتله، ولن تُطرح عليك أحجيةٌ لتحلها." "في الداخل.. سيتم تعريتك." "سيتم وضعُ (راي) الإنسان في كفة.. و (المسخ) الذي أصبحتَه في كفة." "سيتم وضع (ماضيك) ضد (حاضرك)." "الخطر هناك ليس أن يموت جسدك.. بل أن ينهار واقعك. أن تفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم."

صمت العجوز، وبردت ملامحه بشكل مفاجئ وهو يكمل: "لكن الحذر كل الحذر مما بعد هذا الباب يا راي.. أنا لا أعلم ما الذي ينتظرك هناك يقيناً، لكنني أعلم أنك ستدخل حيزاً تسكنه كائناتٌ لا تخضع لحواسك. كائناتٌ لن تستطيع لمسها مهما مددت يدك، ولن تلمح ظلها مهما حدقت، بل ولن تستطيع حتى الإحساس بوجودها أو هالتها.. إنها خارج حدود إدراكك تماماً. ومع ذلك، هي هناك.. كائناتٌ تستطيع محوك من الوجود، ومسح أثرك من الزمان، بمجرد نظرة واحدة منها."

وضع يده على كتفي لآخر مرة. كانت يده دافئة، حقيقية، عكس برودة العالم الذي أنا ذاهب إليه. "لا تحاول أن تنتصر على الباب بقوتك. فقط.. تمسك بمن أنت. تذكر الألم. تذكر الجوع. تذكر لماذا بدأت هذه الرحلة."

"اذهب الآن.. ولا تلتفت."

انحنيتُ له بعمق واحترام. لم أجد كلماتٍ تفي بحق هذا الهدوء والحكمة التي منحني إياها. "شكراً لك.. على الحساء، وعلى الحقيقة.. وعلى التحذير."

استدرتُ نحو الباب الصخري الأملس. لم أدفعه. وضعتُ يدي عليه فقط. كان بارداً كجليد القطب. وكأنه استشعر وجودي، أو استشعر "الخطيئة" في عيني. "كررررررر..." انزاح الصخر ببطء شديد، كاشفاً عن ظلامٍ ليس كالظلام العادي. كان ظلاماً "حياً"، كثيفاً، يهمس بأصواتٍ غير مسموعة، وله رائحة ذكريات قديمة.

أخذتُ نفساً عميقاً، ملأتُ رئتيّ بآخر نسمة هواء نقي من الوادي. "الثبات.." همستُ لنفسي، وعيناي الحمراء تشتعلان في الظلام، مستعدتين لمواجهة الكابوس القادم. "أنا ثابت.. لأنه لم يعد لدي ما أخسره سوى عقلي."

خطوتُ الخطوة الأولى داخل الظلام. "طراااام!" انغلق الباب الصخري خلفي بصوتٍ يشبه إغلاق غطاء التابوت للأبد. اختفى الوادي. اختفى العجوز. اختفت الشمس. اختفى صوت الماء.

أنا وحدي الآن. في مواجهة العدو الأخير والأسوأ: نفسي.

[الباب السادس: مرآةُ الروح.] [تنبيه النظام: لا توجد مهارات نشطة في هذا النطاق.] [الزمن المتبقي للعالم الخارجي: حرج.]

2026/01/14 · 16 مشاهدة · 1655 كلمة
quart
نادي الروايات - 2026