[الوادي الأخضر - صباح اليوم التالي]
استيقظتُ.. ليس على صراخ، ولا على صوت تحطم عظام، بل على صوت زقزقة عصافير بعيدة، ورائحة حساء دافئ بالخضروات تتسلل بخبث إلى أنفي لتدغدغ معدتي التي اعتادت على الجوع ونسيت الشبع.
فتحتُ عيني ببطء، متوقعاً السقف الحجري الرطب أو السماء البيضاء الحارقة. لكنني وجدتُ أوراق شجر تراقصها الرياح، وشعاع شمس ذهبياً في كبد السماء يصب نوره بدفء وحنان على وجهي. نهضتُ، وتحسستُ أطرافي. شعرتُ بخفة غريبة في جسدي. تلك "الثقل" الدائم في عظامي.. اختفى. ذلك "الضجيج" المستمر في أعصابي.. سكن. عقلي كان صافياً كالسماء الزرقاء فوقي، وكأن النوم تحت هذه الشجرة المقدسة قد غسل روحي كما يغسل الماء الجسد.
مشيتُ نحو العجوز. كان يجلس القرفصاء أمام قِدر حديدي أسود معلق فوق نار هادئة، يسكب الحساء في أطباق خشبية منحوتة يدوياً. "صباح الخير يا بني.." قالها بصوت رخيم، دون أن يلتفت، وناولني الطبق بابتسامة هادئة.
جلستُ أمامه على صخرة مغطاة بالطحالب. أخذتُ ملعقة من الحساء. الخضروات كانت طازجة، مطهوة ببطء حتى ذابت في المرق الكثيف. اللحم كان طرياً يذوب في الفم. أكلتُ بصمت وخشوع، أحاول تثبيت هذه اللحظة، هذا الطعم، في ذاكرتي للأبد. طعم "السلام" الذي قد لا أتذوقه مجدداً.
بعد أن انتهيت، وضعتُ الطبق الفارغ جانباً، ونظرتُ إلى العجوز الذي كان يشعل غليونه الطويل، وينفث دخاناً أزرق برائحة الفانيليا والتبغ المعتق. كان ينظر للنهر الجاري بصمت، وعيناه الزرقاوان تلمعان وكأنه يقرأ في تموجات الماء أسرار الكون وتاريخه.
"يا جد.." ناديتُه بصوت فيه رجفة خفيفة، محاولاً استجماع شتات نفسي. التفت إليّ ببطء، وكأن حركته ذاتها محكومة بقوانين زمنية مختلفة. "أشعر أنني نمت لقرن.. وأشعر أنني وصلت هنا منذ زمن طويل جداً.. أيام.. أسابيع.. لا أعرف." بلعتُ ريقي، وضغطت على ركبتي بيدي حتى غرزت أظافري في اللحم، وسألته السؤال الذي كان يأكل عقلي من الداخل منذ استيقظت: "كم مر من الوقت في عالمي؟"
تغيرت ملامح العجوز فوراً. اختفت تلك الابتسامة الوديعة، وحلت محلها نظرة "الحكيم" الحزينة والثقيلة كالجبال الراسية. سحب نفساً عميقاً من غليونه، وزفر الدخان ببطء ليصنع غيمة رمادية حجبت وجهه لثوانٍ، ثم قال بصوت يحمل ثقل القرون: "الزمن يا راي.. نهر مخادع ومسموم. في هذه المرحلة، مرحلة الأبواب الستة، الزمن هو لصّك الأكبر."
توقف قليلاً، ثم نظر إلى عينيّ مباشرة بنظرة اخترقت أعماقي: "في هذه الأبواب التي تخوضها الآن، يجري الزمن في عالمك الخارجي بسرعة جنونية. اليوم الواحد الذي تقضيه هنا في صراعك أو راحتك.. يساوي شهراً كاملاً أو أكثر في أرضك."
"شهر؟!" صرختُ، وقفزتُ على قدمي وكأن صاعقة ضربتني. "شهر كامل؟! أنا هنا منذ أيام.. وقضيت في الأبواب السابقة ما بدا لي كأنه دهور.. هل تعني.." بدأت أحسب بجنون، وأصابع يدي ترتجف. شهور؟ ربما سنة؟ هل "جين" لا يزال يبحث عني؟ أم أنه ظن أنني مت في الحريق وأقام جنازتي ونثر رمادي؟ هل نسي الناس الحريق؟
وضع العجوز يده على ذراعي ليثبتني، وتابع بنبرة غامضة: "لكن اسمعني جيداً.. هذا القانون يسري فقط على هذه الأبواب الستة. بمجرد أن تتجاوزها وتخرج من هذا القاع.. لا أحد يعلم ما سيحدث. ربما يمشي الزمن ببطء شديد هناك.. وربما، في أعمق نقطة من العوالم، يتوقف الزمن تماماً."
"يتوقف..؟" تمتمتُ بذهول، والكلمة بدت وكأنها مستحيلة الاستيعاب.
تابع العجوز وهو ينظر للنهر مرة أخرى، وكأنه يرى وجوهاً في الماء: "أنت تظن أن معاناتك فريدة.. تظن أنك الوحيد الذي سار في هذا الطريق الملعون، أليس كذلك؟" هز رأسه بأسى وحزن عميق: "لستَ الأول.. ولن تكون الأخير. هذا المكان ليس مجرد ممر.. إنه مقبرة للأحلام يا بني." أشار بيده نحو الوادي الجميل. "على مر العصور، وصل الملايين للباب الأول. مات معظمهم في البناء. وصل الآلاف للباب الثاني. المئات للباب الثالث." صمت قليلاً، ثم رفع إصبعين فقط من يده المتغضنة. "لكن.. إلى هنا؟ إلى هذه الواحة التي تسبق الباب السادس؟" "اثنان فقط.. خلال الثمانية آلاف سنة الماضية."
ساد صمت ثقيل. حتى صوت الشلال وصوت الطيور بدا وكأنه توقف احتراماً للموتى. "من هما؟" سألتُ بصوت خافت، خائفاً من الإجابة.
اعتدل العجوز في جلسته، وبدأ يسرد القصص، وعيناه سارحتان وكأنه كان هناك، يراقب سقوطهم لحظة بلحظة.
1. حكاية (كاي) - "العقل الذي احترق"
"جاء الأول قبل 7200 سنة. كان اسمه كاي." "لم يكن محارباً، ولم يكن وحشاً. في عالمه، كان (مستشاراً امبراطورياً) وعبقري زمانه. رجلاً نحيلاً، بعينين حادتين كالصقر، وعقل يزن الأمور بميزان الذهب." "كان يؤمن بشيء واحد فقط: (لا توجد صدفة.. كل شيء في الكون له حل منطقي ومعادلة رياضية)."
ضحك العجوز بمرارة وهو يتذكر. "كاي لم يرفع سيفاً قط داخل الأبواب. هل تصدق ذلك؟" "في الباب الأول، لم يصرخ من الألم أثناء بناء جسده، بل قام بحساب الزوايا المثالية للأعصاب لكي لا يشعر بالألم مستقبلاً. هندس جسده كآلة مثالية." "في الباب الثالث (الصحراء)، لم يقطع ساقه كما فعلت أنت بتهور. لقد جلس، وحسب زاوية انكسار الضوء، واستخدم (السراب) ليجد ثغرة بصرية في النظام، وصعد للباب دون أن يخسر قطرة دم واحدة."
"كان عبقرياً.. عبقرية مرعبة وباردة. وصل إلى هنا، وجلس مكاني هذا، وتناقش معي في فلسفة الوجود والعدم لثلاثة أيام." "سألته قبل أن يرحل: (هل أنت خائف مما هو قادم؟)." "أجابني ببرود وثقة مطلقة: (الخوف هو نقص في المعلومات. بمجرد أن أجمع بيانات الباب السادس، سأحله كما حللت البقية)."
تنهد العجوز ونظر للأرض بحزن. "لكن الباب السادس.. ليس لغزاً يا راي. الباب السادس هو (فوضى)." "إنه مكان لا تعمل فيه القوانين، ولا المنطق، ولا الفيزياء. مكان يتغير فيه الواقع كل ثانية." "دخل كاي.. وهو واثق من عقله." "لم يدم دقيقة واحدة." "سمعتُ صرخة.. ليست صرخة ألم جسدي.. بل صرخة شخص فقد عقله." "دماغه المرتب، الذي اعتاد على النظام والمنطق، انهار تماماً أمام العبثية المطلقة التي وجدها هناك. انفجرت خلايا مخه لأنه لم يستطع (حساب) المجهول." "مات كاي.. لأن ذكاءه كان سجنه. ولأن المنطق لا ينفع أمام الجنون."
2. حكاية (غور) - "الحاكم الفاني"
"ثم جاء الثاني.. قبل 4000 سنة. نقيض كاي تماماً. كان اسمه غور." "وحش.. بكل ما تحمله الكلمة من معنى. في عالمه، كان إمبراطوراً حربياً يحكم كوكباً كاملاً بقبضته. ولد بجسد لا يُخترق. لم يتدرب يوماً في حياته لأنه لم يحتج لذلك. كان يعتبر الألم (نكتة) والموت (كذبة)."
"غور لم يحلل الأبواب.. هو سحقها. حرفياً." "في ساحة القتال، لم يستخدم التكتيك أو السرعة. كان يمسك الوحوش ويمزقها لنصفين بيديه العاريتين وهو يضحك بصوت يزلزل الجدران. في الصحراء، شرب الأسيد ليروي عطشه وقال إنه (شراب منعش وحار)." "وصل إلى هنا وجسده يضج بالقوة والحياة، عضلاته كالفولاذ، ولم يكن لديه خدش واحد."
"جلس هنا، وأكل خروفا كاملاً في لقمة واحدة، وشرب النهر." "نظرتُ إليه وقلت: (التواضع قد ينقذ حياتك يا بني)." "فرد علي بصوت كالرعد، وهو يمسح الدهن عن لحيته: (التواضع للضعفاء. أنا سأكسر الباب السادس، وسأجعل الكيان يركع لي)."
أغمض العجوز عينيه، وكأنه يسمع صدى ذلك اليوم البعيد. "وقف غور أمام الباب السادس، ورفسه بقدمه ليدخل، ضاحكاً." "لكن الباب السادس لا يُهزم بالعضلات. لا يمكنك لكم الفراغ." "في الداخل.. واجه غور شيئاً لا يمكن كسره." "واجه (انعكاسه)." "واجه ضعفه الداخلي، وخوفه، ووحدته التي أخفاها خلف عضلاته وغروره لقرون." "سمعتُ صرخة واحدة.. لم تكن صرخة محارب." "كانت صرخة طفل صغير مرعوب يبكي طلباً لأمه." "أقوى رجل في الكون، انهار وتحول لكومة من اللحم المرتجف الباكي في ثوانٍ. قلبه توقف من الرعب." "مات غور.. لأن قوته كانت قشرة خارجية فارغة، ولأنه لم يعرف نفسه."
[المرشح المكسور]
عاد العجوز لينظر إليّ. كانت عيناه مليئتين بمزيج غريب من الشفقة والفضول. "والآن.. بعد 40 قرناً من الصمت.. جئت أنت."
تفحصني بنظرة فاحصة. "أنت لستَ كاي. لستَ عبقرياً مثالياً، فأنت تتصرف بغريزة يائسة، وترتكب الأخطاء، وتتعثر، وتقطع يدك لكي تفوز." "ولستَ غور. جسدك قوي، نعم، لكنه مليء بالعيوب، والندوب، والشقوق.. وقد رأيتك تبكي أمس وأنت تأكل التفاح."
ابتسم العجوز ابتسامة غامضة، وكأنه اكتشف سراً. "أنت (مشوه) يا راي." "أنت خليط فوضوي من الذكاء اليائس والقوة المؤلمة. أنت الوحيد الذي وصل هنا وهو (مكسور) بالفعل." "أنت لست كاملاً.. وهذا هو سرك." "ربما.. ربما انكسارك هو ما سيجعلك تنجو حيث فشل الكاملون." "فالشيء المكسور.. لا يمكن كسره مرة أخرى. والوعاء المشروخ.. لا يخشى الضغط لأنه يسرب الفائض."
صمت العجوز طويلاً، ثم حدق في وجهي بتركيز شديد، وكأنه يرى ما وراء الجلد. تحولت نظرته تدريجياً من الحزن الفلسفي إلى شيء أقرب للرعب القديم. رفع يده المرتجفة، وأشار بإصبعه الطويل المعقوف نحو وجهي.. تحديداً نحو عينيّ.
"ولكن.. هناك شيء آخر يميزك عنهما." انخفض صوته ليصبح همساً مرعباً يمتزج بصوت الريح: "كاي وغور.. كانا بشراً في النهاية. روحاهما كانتا نقيتين." "أما أنت.." ارتجفت شفة العجوز. "تلك اللعنة التي تحملها في محجرك.. إنها ليست مجرد عيون، وليست مجرد مهارة منحها النظام." "إنها خطيئة." "خطيئةٌ أقدم من هذا العالم نفسه.. وتنتظر اللحظة المناسبة لتبتلعك."