خرجت من الصعد متوجها إلى مكتب والدي، خطوات عادية،لا سريعة ولا بطيئة لكن شعرت أن الممر كان أطول مما أتذكر.
الإضاءة البيضاء في السقف بدت أبرد من المعتاد، كأنها لا تُنير المكان بل تغسله بلونٍ شاحب. الأرضية اللامعة تعكس خطواتي بوضوح مبالغ فيه. كل خطوة كانت تُسمَع… بشكل غير طبيعي.
مكتب والدي في نهاية الممر.
أعرف هذا الطريق جيداً. كنتُ أرافقه أحياناً في العطل حين كنت أصغر، أجلس على الأريكة الجلدية وأتظاهر بالملل بينما أسترق السمع لاجتماعاته. كان يقول دائماً إن العمل ليس للأطفال، لكنني لم أكن طفلاً يستمع.
وصلتُ إلى الباب لكنه كان مغلق
ليس هذا الغريب.
الغريب أن لوحة الاسم قد أُزيلت.
توقفتُ أمام الخشب الداكن أحدّق في المكان الذي كان يُثبت فيه الاسم. مستطيلٌ أفتح لوناً من بقية الباب، أثر شيءٍ كان موجوداً ثم اختفى.
مددتُ يدي إلى المقبض.
مغلق بالمفتاح.
وضعتُ أذني على الباب. لا صوت ثم سمعت خطوات خفيفة في الممر خلفي.
التفتُّ.
أحد الموظفين، شاب يعمل في قسم المحاسبة، أعرف وجهه دون أن أعرف اسمه. تجمّد حين رآني، كما لو أن وجودي هنا غير متوقّع.
"صباح الخير." قلتُ بنبرة عادية.
"صباح… الخير"
نظر إلى الباب، ثم إليّ، ثم أشاح بوجهه.
"أتعلم متى يعود أبي؟" سألتُ وكأن الأمر بسيط.
تردد. مرة أخرى ذلك التردد القصير الذي صار يتكرر كثيراً هذه الأيام.
"أظن… أنه لن يعود اليوم."
"هذا واضح. أقصد… هل هو في اجتماع خارج المدينة؟"
بلع ريقه.
"لا أعرف التفاصيل."
الجملة نفسها و النبرة نفسها مثل موضفة إستقبال.
كأنهم تلقّوا تدريباً قصيراً على جملة واحدة فقط.
ابتسمتُ له ابتسامة هادئة، تلك التي لا تكشف شيئاً.
"حسناً."
تابعتُ السير في الممر كأنني فقدتُ اهتمامي. لكنني لم أضغط زر المصعد هذه المرة. انعطفتُ عند الزاوية المؤدية إلى غرفة الأرشيف.
أذكر أن بابها يُغلق غالباً، لكن اليوم كان مفتوحا قليلا، لذلك دفعتُ الباب بخفة.
رائحة الورق القديم والملفات المكدسة استقبلتني. الإضاءة هنا أضعف. رفوفٌ طويلة، صناديق مرتّبة، وأصوات بعيدة لأجهزة التكييف.
لم آتِ إلى هنا عبثاً.
قبل سنوات، حين كنتُ أدرس في الجامعة، احتجتُ إلى وثيقة تتعلق بتسجيل قديم، ولم يكن والدي يريد أن يضيع وقته. أعطاني بطاقة احتياطية للدخول إلى بعض الأقسام لكن لم يستعدها مني بعد ذلك.
أخرجتُ البطاقة من محفظتي، كنت دائما أحتفظ بها بين البطاقات وبعد لحظة .
مرّرتها على جهاز صغير بجانب الباب الداخلي .
ضوء أخضر
لم أكن أتوقع ذلك. لكن إنفتح الباب الداخلي بصوتٍ خافت والغرفة خلفه أصغر، تحتوي على خزائن معدنية مقفلة وأدراج تحمل أرقاماً لا تُكتب على الملفات العادية.
أغلقتُ الباب خلفي ثم تنفستُ ببطء.
"إذا كان هناك شيء… فهو هنا."
لم أكن أعرف تحديداً ماذا أبحث عنه. عقود مشبوهة؟ ديون؟ دعوى قضائية؟
بدأتُ بالأدراج الأقرب. ثم ملفات مشاريع قديمة.
تقارير مالية. مراسلات رسمية... لا شيء غريب.
ثم وجدتُ درجاً يحمل رقماً مختلفاً عن البقية.
بدون عنوان.
مقفول.
وضعتُ البطاقة مرة أخرى.
ضوء أحمر.
حسناً... أخرجتُ هاتفي.
لا، لم أكن سأكسر القفل. لستُ متهوراً. لكنني أعرف شيئاً آخر. في أسفل الخزانة، خلف الدرج الأخير، هناك مسافة صغيرة بين المعدن والجدار. اكتشفتها صدفةً قبل سنوات حين سقط مني قلم.
انحنيتُ ببطء و أدخلتُ يدي في الفراغ، كنت أستهدف الخزنة من الخلف لكن توقفت عندما لمست يدي شيئا.
ورق!، سحبته بحذر، كان ملفٌ رفيع، غير موسوم. من الغريب أن يُخبَّأ ملف خارج الدرج المقفول.
سحبته بحذر ثم جلستُ على الأرض وفتحته
[المرجع: INT-47/HR]
[التصنيف: داخلي – غير مخصص للتداول الخارجي]
[التاريخ: 14 أكتوبر]
[الموضوع: تسوية إدارية – إنهاء خدمات موظف]
"بيانات الموظف"
الاسم: ماركوس راين
القسم: العمليات اللوجستية
مدة الخدمة: 6 سنوات
المعلومات مختصرة بشكل غريب، عبست وقلبت الصفحة التانية لكن كان هناك ورقة مفقودة كما لو أنها ممزقة بقوة ولم تكن واحدة
"هممم" تخطيت الأوراق ممزقة بحتا عن أي شيء سليم حتى وجدته وكان..
[ سبب الإجراء]
[بناءً على المراجعة الداخلية التي أُجريت بتاريخ 10 أكتوبر، تبيّن وجود إخلال بإجراءات الامتثال الإداري المتعلقة بتوثيق العمليات.]
[لا توجد أدلة على سوء نية أو اختلاس.]
[تم تصنيف المخالفة ضمن “إهمال إداري جسيم”.]
"نوع من تهاون؟ " لحسن الحظ وجدت الوقة بعدها واضحة قليلا
[الإجراء المتخد]
—إنهاء خدمات الموظف بالتراضي.
—صرف تعويض مالي وفق البند (12-ب) من عقد العمل.
—توقيع اتفاقية عدم إفشاء متبادل.
—إغلاق الملف داخلياً دون تصعيد قانوني.
علقت كلمة دون تصعيد قانوني في رأسي فورا، بحت بسرعة في باقي اوراق داخل الملف لكن لم أجد سوى ملاحظة أخيرة وتوقيع
[ ملاحظات إضافية]
[مت المعالجة داخلياً حفاظاً على استقرار القسم. و يُمنع تداول تفاصيل الإجراء خارج الإدارة العليا.]
[يُحال الإشراف المؤقت على القسم إلى مدير العمليات لحين إعادة الهيكلة.]
التوقيع:
مدير العمليات الإقليمي
(توقيع: يا## فوكس)
"أبي؟"
لم يكن التوقيع واضحاً بالكامل، مجرد خطٍ متعرج أعرفه جيداً و وقفتُ عند عبارة واحدة.
"يُحال الإشراف المؤقت على القسم إلى مدير العمليات لحين إعادة الهيكلة."
مدير العمليات هذا والدي بالتأكيد.
أعدتُ قراءة التاريخ.
14 أكتوبر.
اليوم هو 17، هذا يعني أنه قبل ثلاثة أيام فقط.
"دعنا لا نتسرع في إستنتاج"
قلبتُ الأوراق الممزقة مرة أخرى.
التمزيق كان عند منتصف الصفحة…و عند الجزء الذي قد يحتوي على تفاصيل إضافية مهمة.
من الذي يمزق نصف سببٍ ويترك نصفه الآخر؟
جلستُ بصمت.
القسم: العمليات اللوجستية.
هو نفس القسم المسؤول عن الشحنات البحرية.
"إهمال إداري جسيم."
إذا كان الأمر مجرد خطأ…
فلماذا اتفاقية عدم إفشاء؟
ولماذا تعويض؟
ولماذا يُمنع تداول التفاصيل؟
أغلقتُ الملف ببطء، لم يقدم أجابات أكثر.
ربما لا علاقة للأمر بالشحنة، لكن ماذا لو كان هذا الموظف قد وثّق شيئاً لم يكن يجب أن يُوثَّق؟
"بتفكير بالأمر والدي كان في مزاج جيد قبل ثلاث أيام"
ثم توقيع الملف قبل ثلاث أيام ثم تم تمزيقه.. والأمس بدى والدي منزعحا لدرجة أنه صرخ في وجهي.
"صدفة؟" لا أعتقد ذلك
هناك شيئاً يتعلق بتعديل مسار أو فجوة في سجل تتبع.
أو حاوية لم تسقط بسبب عاصفة.
رفعتُ رأسي نحو الخزنة المقفلة إلى ذلك الدرج الذي رفضت البطاقة فتحه. ربما هذا ليس الملف المهم.
ربما هذا فقط… الطرف الظاهر من شيءٍ أكبر. لذلك وضعتُ الملف مكانه كما كان لكنني لم أعد كما كنت.
لم يكن القلق في وجه والدي خوف خسارةٍ تجارية.
كان خوف انكشاف.
أليس كذلك؟
"أحتاج مزيد من معلومات"
لم يكن ذلك قراراً بل كان اعترافاً.
أعدتُ الملف إلى مكانه بعناية، تماماً كما وجدته.
ضغطتُ عليه بيدي قليلاً، كأنني أعتذر له لأنني قرأته ثم نهضتُ ببطء.
الغرفة بدت أضيق مما كانت عليه قبل دقائق و أصوات المكيف في الخارج لم تعد بعيدة… كانت قريبة أكثر من اللازم.
تقدّمتُ نحو الخزنة المقفلة.
ذلك الدرج بلا عنوان.بلا اسم و بلا تفسير.
جرّبتُ البطاقة مرة أخرى، رغم علمي بالنتيجة.
ضوء أحمر.
ابتسمتُ ابتسامة قصيرة بلا معنى.
"حسناً… ليس اليوم."
خرجتُ من غرفة الأرشيف بهدوء،ثم أغلقتُ الباب كما كان، وتركتُ كل شيء في مكانه. لا آثار. لا بعثرة. ولا دليل على أن أحداً كان هنا.
لكن رأسي لم يكن مرتباً مثل الغرفة.
في الممر، مرّ موظفان بجانبي و توقفا عن الحديث حين اقتربت، لم ينظرا إليّ مباشرة. و لم يكن ذلك دليلاً.
لكنه كان كافياً.
نزلتُ بالمصعد وهذه المرة لم أراقب انعكاس وجهي.
كنتُ أعرف كيف أبدو. خرجتُ من المبنى، والهواء في الخارج بدا أثقل من قبل رغم أنه نفس الشارع. نفس المخبز. ونفس المقهى.
لكن التفاصيل الصغيرة لم تعد صامتة.
"لن أواجهه بعد."
المواجهة تحتاج يقيناً وأنا… لم أكن أملك سوى أنماط.
لكن الأنماط كانت تتكاثر لذلك عدتُ إلى المنزل قبل المعتاد لأجده صامتاً و كثر هدوءاً من اللازم.
صوت خفيف جاء من غرفة والدي.
لم يكن حديثاً. كان مجرد حركة.
وقفتُ أمام الباب. و لم أطرقه.
ليس بعد.
ذهبت إلى غرفتي و أغلقتُ الباب خلفي دون صوت.
جلستُ على حافة السرير، لم أخلع معطفي، ولم أشعل الضوء، الظلام كان أخف من الأفكار.
لم أعد أرى الملف أمامي، لكن الكلمات كانت مرتّبة في رأسي بوضوح مزعج، كأنني ما زلتُ أجلس على أرض غرفة الأرشيف.
INT-47/HR
رقم بارد… بلا معنى. الأرقام لا تكذب، لكنها لا تشرح أيضاً.
موظف. ست سنوات. وقسم العمليات اللوجستية.
ليس جديداً.و ليس شخصاً عابراً.
أغمضتُ عيني أفكر أنه لو كنتُ محققاً في قضية لا تخصني،لكن لدي هذه المعطيات…ماذا سأفكر؟
أبدأ بالزمن.
14 أكتوبر. التوقيع. و المعالجة الداخلية.
قبلها بيومين، لا شيء.
قبلها بثلاثة أيام… والدي كان طبيعياً.
يتحدث. يضحك. حتى في الطريق، لم يكن متجهماً.
ثم فجأة…توتر وصمت. و صرخة.
الناس لا يتغيرون هكذا بلا سبب.
فتحتُ عيني.
المعالجة داخلياً. تلك جملة قصيرة، لكنها ثقيلة و حين تُغلق الأمور داخلياً، فهذا يعني أن فتحها خارجياً خطر.
"لكن خطر على من؟"
الشركة؟أم الأشخاص؟
أعدتُ ترتيب الأوراق في رأسي.
إهمال إداري جسيم.
الإهمال كلمة مريحة و تُستخدم كثيراً عندما لا تريد قول شيء آخر. لكنهم كتبوا أيضاً: لا توجد أدلة على سوء نية أو اختلاس.
لماذا يكتبون ما لا يوجد؟
لو لم يكن هناك شك،لما احتاجوا لنفيه.
ثم…اتفاقية عدم إفشاء متبادل.
لماذا “متبادل”؟
ماذا كانت الشركة تخفي؟
وماذا كان الموظف يعرف؟
رفعتُ رأسي،" العمليات اللوجستية و التتبع و المسارات و التوثيق."
التوثيق.
هذه الكلمة علقت في رأسي. الإخلال بإجراءات التوثيق.
ليس فقدان شحنة. ول يس حادثاً. بل ما كُتب… أو ما لم يُكتب.
تخيلتُ المشهد دون وعي:
موظف يكتب تقريراً» يلاحظ فجوة.
تعديل مسار غير مبرر. سبع دقائق بلا إشارة.
ثم يرفع التقرير. وفي مكانٍ ما…
شخص يقرر أن هذا التقرير لا يجب أن يوجد.
ابتسمتُ بمرارة. هكذا تبدأ القصص دائماً.
لكن…
هل هذا استنتاج؟ أم رغبة؟
تنفستُ بعمق.
"لو كنتُ مخطئاً،"
فالملف مجرد إجراء إداري بارد.
ولو كنتُ محقاً…
فالملف ليس القضية.
هو فقط أثرٌ جانبي.
"الدرج المقفول…ذلك هو القلب."
فتحتُ عيني تماماً.
لم أكن غاضباً و لم أكن خائفاً بل كنتُ مركزاً.
وهذا أسوأ شعور أعرفه. لأنني حين أصل إلى هذه الحالة، نادراً ما أتراجع.