" ​اليوم لم ينتهِ بعد"

قلتُها دون صوت، وأنا أغلق الباب خلفي بهدوءٍ حذر، تاركاً خلفي جدران الغرفة التي بدأت تضيق ببينما قررت الخروج قليلا.

لم يكن خروجي قراراً كبيراً، ولا يحمل معنى واضحاً في ذهني المشتت، فقط كان إحساساً ملحاً بأن الجلوس في المكان نفسه يجعل الأشياء تكبر أكثر مما يجب، ويحول الأفكار الصغيرة إلى وحوش تتربص بي.

​و بمجرد خروجي، شعرت أن الهواء في الخارج كان مختلفاً؛ كان أخفّ، وأبرد بقليل، يلفح وجهي ليوقظ حواسي المعطلة.

المدينة تمضي كعادتها، غارقة في صخبها اللامتناهي وبلا اهتمام بما يجري في رأس شخصٍ واحد، وهذا التهميش المتعمد من العالم كان مريحاً لي بشكل غريب.

مشيتُ بلا وجهة دقيقة، أترك لقدمي حرية الاختيار، حتى وجدتُ نفسي أسير نحو الميناء، منجذباً إلى أطراف المدينة حيث يختلط اليابس بالماء.

لم أختره لأنني أبحث عن شيء محدد، بل لأن الطريق إليه مفتوح كأفق واسع، ولأن الضجيج هناك يبتلع الأفكار ويغرقها في لججه.

​الميناء لا ينام؛ فهو خلية نحل لا تهدأ. حتى في أهدأ ساعاته، هناك حركةٌ دائبة كافية لتذكيرك بأن العالم لا ينتظر أحداً، وأن الزمن هناك يُقاس بحركة الرافعات لا بعقارب الساعات.

كانت هناك روائح مختلطة تهاجم أنفي: ملح البحر المالح، وقود السفن الثقيل، ورائحة قهوة رخيصة تنبعث من الأكشاك الخشبية. وتصاعدت أصوات متداخلة في سمفونية صناعية: من هسيس المحركات إلى صفارات الإنذار البعيدة و صراخ العمّال المكتوم، وضحكات قصيرة تائهة وسط الهواء المترب.

​وقفتُ عند السور المعدني البارد، أراقب سفينة ضخمة تُفرغ حمولتها ببطء شديد، وكأنها جسد عملاق يتخلص من أثقاله. كانت هناك رافعة ترتفع، تتوقف في الفراغ، ثم تنخفض برتابة؛ إيقاع ثابت ومطمئن يوحي بأن كل شيء تحت السيطرة.

أخدت نفس عميق ثم أخرجتُ هاتفي دون سبب حقيقي، قلبت شاشته المظلمة، ثم أعدته إلى جيبي حين تأكدت أنه لا إشعارات تكسر عزلتي، وقلت في سري...

"هذا جيد"

و​وسط هذا الزحام، لاحظتُ أن رجلاً يقف غير بعيد عني يحدّق نحوي بنظرة ثاقبة، لكن حين التقت أعيننا، أشاح بوجهه فوراً نحو الأفق. لم أعر الأمر اهتماماً كبيراً، واعتبرته مجرد عابر آخر.

مشيتُ قليلاً أستكشف الأرصفة، ثم توقفتُ عند كشك صغير يبيع القهوة المغلية. طلبتُ كوباً وجلستُ على حافة الرصيف المتهالكة، أحاول الاندماج في المشهد.

​لم أفعل شيئاً غريباً يثير الانتباه؛ لم أقترب من أحد، لم أسأل عما يحدث، ولم ألتقط صوراً للذكرى. ومع ذلك، بدأ يتسلل إليّ شعور بأن هناك شيئاً في نظرات الناس حولي.

بداية من العامل الذب مرّ بجانبي ثم أبطأ خطوته للحظة وتفحصني بحدة، ثم تابع طريقه. وشابان كانا يتهامسان توقف حديثهما فجأة حين جلستُ قربهما، بينما امرأة غريبة رمقتني بنظرة سريعة مليئة بالتحفظ، ثم شدّت معطفها حول جسدها كأنني مصدر خطر.

​لم أفهم سر هذا الترقب. هل أبدو مختلفاً عنهم؟ أم أن الوقوف بلا سبب واضح في مكان يعج بالعمل هو ما يثير الريبة؟ شربتُ القهوة ببطء؛ كانت سيئة ومرّة، لكنها دافئة بما يكفي لتسكين قلقي المتصاعد.

و حاولت تغيير مكاني، فاقتربتُ من مجموعة عمّال يقفون قرب شاحنة ضخمة. لم أسمعهم أولاً بسبب ضجيج المولدات، ثم التقطتُ الكلمات تلقائياً، دون أن أحاول التلصص:

— «…التأخير صار مزعجاً.»

— «ليس بيدنا شيء، الأوامر واضحة.»

— «منذ قصة الشحنة والكل متوتر.»

​توقفتُ في مكاني، وتجمدت حواسي عند كلمة واحدة: الشحنة.

لم ألتفت فوراً كي لا أنكشف، بل تظاهرتُ بأنني منشغل بالعبث بالهاتف مجدداً، لكن الحديث تغيّر بسرعة مريبة؛ انتقل إلى شيء آخر، تخللته ضحكة مصطنعة، ثم ساد صمت ثقيل. رفعتُ رأسي أبحث عن إشارة، لكن لم يكن هناك اسم، ولا تفاصيل إضافية، ولا أحد ينظر إليّ الآن، فالجميع عادوا لآليتهم.

قلتُ في داخلي محاولاً طمأنة نفسي: لا علاقة لي بهذا، الكلمة وحدها لا تعني شيئاً، ففي الميناء كل شيء يُسمى شحنة.

بعدها ​تحركتُ هرباً من شكوكي، ودخلتُ مقهى صغيراً يطل بزجاجه المغبّر على الأرصفة المزدحمة. جلستُ قرب النافذة، وطلبتُ شيئاً لا أريده، فقط لأحجز لنفسي حق الجلوس والمراقبة من وراء الزجاج. الناس يدخلون ويخرجون في تدفق مستمر، لا أحد يلتفت إليّ هناك، وهذا كان أفضل لروحي المتعبة. لكن حين نهضتُ بعد قليل لأغادر، لاحظتُ تلك النظرات تعود مجدداً؛ نظرات سريعة، وفضول غير معلن يلاحق ظلي، كأن وجودي هنا يحتاج تفسيراً منطقياً لا أملكه.

​هل يجب أن يكون للمرء سببٌ واضح كي يقف؟ كي يراقب تقلبات البحر؟ كي يشرب قهوة رديئة قرب رصيف السفن؟ كي يدخل لهذا المكان وحده؟..

ضحكتُ في سري على عبثية الموقف، وفكرتُ بأنني ربما أنا الغريب الحقيقي هنا؛ ليس لأنني أفعل شيئاً خاطئاً، بل لأنني لا أفعل شيئاً على الإطلاق في عالم مهووس بالفعل والنتيجة.

​قضيتُ بقية اليوم متنقلاً بلا هدف بين الأزقة الضيقة والميادين، مشيتُ حتى كلت قدماي ثم جلستُ على مقاعد الحدائق العامة، وراقبتُ وجوه العابرين.

ضحكتُ من قلبي على موقفٍ تافه لقطة تطارد ظلها، وانزعجتُ من صوت بوق سيارة حاد. كان يوماً يتسم بشيء خفيف، شيء عادي يشبه أي يوم آخر. وعندما بدأت الشمس تميل نحو الغروب وتصبغ الأفق بلون الدم، شعرتُ بأن اليوم قد أدى غرضه في تبديد طاقتي. لا اكتشافات مذهلة، لا إجابات على أسئلتي الوجودية، وهذا كان مقبولاً جداً بالنسبة لي.

​عدتُ إلى المنزل مع حلول المساء، والسكينة تلف الشوارع من جديد و الهدوء في بيتنا كان كثيفاً وثقيلاً، كأنه هدوء ما قبل العاصفة، أو كأنه فراغ ينتظر من يملؤه. دخلتُ بهدوء مفرط كي لا أزعج أحداً، وكنتُ أخلع حذائي عند العتبة حين رنّ هاتف والدي فجأة.

رنّة واحدة اخترقت الصمت، ثم ثانية. نهض والدي بسرعة غير معتادة، وبحركة تنم عن توتر مكتوم، وقف وهو يستمع للمتحدث، وظهره إليّ كحائط منيع.

​لم أسمع سوى جزءٍ صغير ومشوش من المكالمة، جملة واحدة فقط، خرجت منه دون قصد وبنبرة لم أعهدها فيه:

— «لا تقلق نحن نتعامل مع موثف»

—«االشحنة؟ الأن؟»

​توقف الزمن للحظة، وتجمد الهواء في صدري. لم ينظر إليّ، وكأنني غير موجود، أو كأنه يخشى أن تفضحه عيناه. أغلق الهاتف بحدة، واتجه نحو غرفته بخطوات سريعة وحاسمة. وقفتُ في مكاني متسمراً، لم أركض خلفه لأفهم، لم أسأله عما يحدث، ولم أحتج على غموضه.

شيءٌ ما استقر في رأسي الآن، بهدوءٍ مخيف ويقين بارد.

​ليست مصادفة، ولا يمكن أن تكون كذلك. لم أكن أعرف عن أي شحنة يتحدثون، ولا متى وصلت، ولا أين ستذهب، لكنني، وللمرة الأولى منذ بدأت رحلتي الصباحية، شعرتُ أن الخيط الذي أمسكه بيدي، ذلك الخيط الذي بدأ من نظرات العمال وانتهى بكلمة والدي،

لم يكن من خيالي وحده، بل كان حقيقة مرة بدأت تتضح معالمها لكن لم أتحرك فوراً.

بقيت واقفاً في المكان ذاته، أحدّق في الفراغ الذي خلّفه والدي وهو يختفي خلف باب غرفته. كان الصمت بعد المكالمة مختلفاً، صمتاً واعياً، كأن الجدران نفسها سمعت ما قيل وقررت الاحتفاظ به.

جلستُ ببطء على أقرب كرسي، ووضعتُ كفّي على ركبتيّ و لم يكن قلبي يخفق بسرعة، بل بثبات مزعج، ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق قراراً لم يُنطق بعد.

"شحنة"

الكلمة وحدها لم تعد بريئة كما كانت صباحاً.

في الميناء كانت مجرد لفظة عابرة، كلمة ضائعة وسط ضجيج الرافعات لكن هنا، في هذا البيت، وفي هذا التوقيت، خرجت من فم والدي محمّلة بشيء آخر... بشيء أثقل.

توقفت و أعدتُ المشهد في رأسي بلا إرادة.

توقيت المكالمة و نبرة صوته و تلك الوقفة القصيرة قبل أن ينطق الكلمة، كأنها ليست شيئاً يُقال أمام الجميع.

نهضتُ بهدوء، لا لأفعل شيئاً، بل لأن الجلوس لم يعد مريحاً، خطوتُ خطوة واحدة في الممر، ثم توقفت أما باب غرفة والدي المغلق.

لم أقترب بل فعلتُ الشيء الوحيد الذي بدا منطقياً في تلك اللحظة: عدتُ إلى غرفتي.

أغلقتُ الباب خلفي، هذه المرة دون حذر وجلستُ على السرير، وأسندتُ ظهري إلى الحائط البارد، نفس الغرفة التي تركتها صباحاً، لم يتغير فيها شيء، ومع ذلك شعرتُ أنها ليست المكان نفسه.

أغمضتُ عيني لكن لم أرَ صوراً واضحة، بل خطوطاً متشابكة.

الميناء. العمّال. الملف. الدرج المقفول. وكلمة واحدة تتكرر كصدى بعيد.

"شحنة."

لدي إفتراض لكن لم أكن أملك دليلاً و لم أكن أملك معلومة واحدة مكتملة، كل ما كان لديّ… هو الإحساس.

وأسوأ ما في الإحساس، أنه لا يحتاج إلى إذن كي يكبر.

"ربما أبالغ في التفكير"

قلت ذلك بلساني ورددتُه في أعماق نفسي، إن هذا كله قد يكون مجرد توتر عمل، مجرد مشكلة عابرة في شركة كبيرة. بعد كل شيء، والدي ليس من النوع الذي يخبئ أشياء خطيرة خلف صمته.

لكن صوتاً آخر، كان أهدأ من أن يُتجاهل وأعمق من أن يُسكت، همس في داخلي بأسئلة بدأت تنهش ذلك اليقين: لماذا إذن كل هذا الحرص المبالغ فيه؟ ولماذا يظل ذلك الملف مغلقاً بعيداً عن الأعين؟ ولماذا أصروا على أن تكون المعالجة داخلية وحبيسة الجدران؟ ولماذا تلك الاندفاعة نحو اتفاقية عدم إفشاء صارمة تحيط بكل شيء؟ والأهم من ذلك كله.. لماذا كلمة واحدة فقط، كلمة "الشحنة"، تُقال دوماً همساً، كأنها تعويذة محرمة لا يجوز للعلانية أن تلمسها؟

​فتحتُ عينيّ على اتساعهما في عتمة الغرفة، وكأنني أبصر الأشياء لأول مرة. في تلك اللحظة، لم أعد أبحث عن إجابة واحدة شافية، بل كنتُ أبحث عن نمط. والأنماط، حين تبدأ بالظهور والتشابك أمام عينيك، نادراً ما تكون مجرد مصادفة عابرة؛ إنها خيوط تُنسج لتكشف حقيقة ما تحت السطح.

​لم أقرر شيئاً مصيرياً في تلك الليلة الطويلة، ولم أكتب ملاحظة واحدة أخفيها تحت وسادتي. لم أدوّن اسماً مشبوهاً، ولم أضع خطة للهجوم أو الدفاع. لكنني، رغم هذا السكون الظاهري، عرفت شيئاً واحداً فقط؛ معرفة صامتة، باردة، لا تحتاج إلى برهان أو دليل ملموس: أن اليوم.. بكل ثقله وغموضه.. لم ينتهِ بعد.

2026/02/26 · 3 مشاهدة · 1448 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026