الفصل 15: محاصر
[جاري تنفيذ العودة عبر بطاقة نرغال..]
من العدم، ظهرت بطاقة حمراء داكنة مزينة بنقوش غامضة، كتب عليها بخط أبيض متوهج كلمة واحدة: نرغال.
وفجأة، اهتز الفراغ من حوله وبدأ العالم يتلاشى في وهج أحمر غريب.
[النظام: تحذير! خطأ في تحديد الإحداثيات الزمانية والمكانية.. تدارك الأمر فورا!!]
لكن أندرو كان قد غاب عن الوعي تماما، ولم تصل صرخات النظام إلى مسامعه.
[النظام: فشل الاستجابة.. سيتم النقل العشوائي خلال 5 ثوان.. يرجى إعادة الاختيار!]
لم يتحرك أندرو. عد النظام ثوانيه الأخيرة، ثم انهار كل شيء في ذلك الوهج الأحمر.
حين فتح أندرو عينيه، لم يجد مطعم هيلتون ولا تلك اللحظة الهادئة التي خطط لها.
مرر نظره في المكان، فارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة ومشوبة بالسخرية.
"أيها النظام.. ماذا فعلت؟" سأل ببرود.
[النظام: حذرتك بأن تختار بسرعة لكنك سقطت كالجثة! أنت الآن أمام المستودع مجددا.. للعلم، هذه فرصتك الأخيرة، إما أن تنجو وإما أن تحبس في لحظات موتك للأبد.]
"هل تستهزئ بي؟ اخترت مطعم هيلتون، لماذا رميتني هنا؟" قال أندرو والغضب يغلي تحت جلده.
[النظام: اهدأ، لست أنا من أخطأ، بل وعيك الذي خذلك في الثانية الأخيرة.]
التفت أندرو إلى يمينه.. كانت جين بجانبه، ترتعش بذهول وخوف بعد تلك الصفعة التي تلقتها منه قبل قليل.
كانت لا تزال تظن أن الأمر يتعلق برغبة جسدية.
[النظام: فيما تفكر الآن؟]
"أفكر في كيفية الخروج من هذا المأزق الذي وضعتني فيه للمرة الثانية،" رد أندرو وهو يراقب مدخل المستودع.
[النظام: استمر، أرجوك.. موتك الآن سيكون مملا.]
بدت نبرة النظام وكأنه يشاهد عرضا ترفيهيا.
"في الداخل، ستة قتلة بمسدساتهم الجاهزة.. وأنا؟ ما الذي أملكه لمواجهتهم هذه المرة؟"
شعر أندرو بثقل الموقف.. فنجاحه في تصفية أربعة منهم في المرة السابقة لم يكن سوى معجزة لم يصدقها هو نفسه، كانت مجرد ضربة حظ لن تتكرر.
أما الآن، وبلا سلاح ولا خطة، فالمشهد لا يبدو كمواجهة عادلة، بل كمن يقرر طواعية أن يخطو بقدميه داخل فوهة الجحيم.
[النظام: ألا تملك شيئا.. حقا؟]
"ما الذي أملكه؟" قالها بابتسامة باردة.
"لدي صديقي الصغير.. والموت."
[النظام: صديق؟ ها.. هذا جديد. لم أرك تملك شيئا يستحق أن يسمى كذلك. أخبرني.. هل سيأتي لينقذك؟ أم أنه مجرد وهم آخر؟]
ألقى أندرو نظرة سريعة إلى الأسفل، ثم رسم ابتسامة باردة وقال : "صديقي الصغير؟ لا.. هذا ليس للاستخدام القتالي بتاتا، إنه غير مفيد في هذه المعمعة.. بالمناسبة، هل تتضمن مكافآتك القادمة عنصرا نسائيا؟"
خيم صمت مريب في عقل أندرو. بدا وكأن النظام قد أصيب بعطل فني من هول السؤال.
[النظام: ...........]
"أعني.. فقط في حال أردت ممارسة بعض الأنشطة لتفريغ الضغط النفسي، أنت تعرف.. وسيلة للترفيه عن النفس وسط هذا الجحيم."
حاول أندرو تدارك الصمت، لكنه جعل الموقف أكثر غرابة.
[النظام: ...........]
"أقصد.. هذا أمر بيولوجي طبيعي جدا لأي إنسان في مكاني، أليس كذلك؟" أضاف أندرو وهو يحاول أن يبدو منطقيا.
[النظام: ...........]
"هل هناك نساء في القائمة أم لا؟ أجبني!" فقد أندرو صبره وصرخ في عقله.
[النظام: لا! وأقسم بكل الأكواد التي برمجتني.. لن أمنحك شيئا كهذا أبدا! أي نوع من المرضى النفسيين أنت؟! الموت يحيط بك من كل جانب وأنت تفكر في صديقك الصغير؟]
انفجر أندرو ضاحكا في سره، مستمتعا بحالة الصدمة التي أصابت النظام.
"أرجوك.. ولو واحدة فقط لمكافأة تعبي؟"
[النظام: اسمعني جيدا أيها المنحرف.. نصيحتي الأخيرة لك هي الهرب. اللامبورغيني التي تقف خلفك سريعة بما يكفي لتجعلك تختفي من هنا في ثوان. اركب سيارتك وانطلق قبل أن يتم ثقبك وثقب صديقك الصغير بمئات الرصاصات! اترك هذه القذارة وركز في كيفية البقاء حيا!]
تحدث النظام بجدية هذه المرة، فالموقف لا يحتمل المزاح.
"أهرب؟ وماذا بعد؟" سأل أندرو. الهرب قد يكون منجاة لحظية، لكنه قد يتحول إلى لعنة تطارده.
كان الموقف يخرج عن السيطرة.. بلا أسلحة كافية، وبلا خطة بديلة، الدخول يعني الانتحار، والهرب يعني ضياع الفرصة.
[النظام: استخدمها كرهينة!] اقترح النظام فجأة.
"فكرة غبية،" رد أندرو بحدة، "أمسكها من عنقها وأهددهم؟ هل تعتقد أن قتلة محترفين سيهتمون لحياة فتاة؟ سيطلقون النار علينا معا وينتهي الأمر. لا أريد أن أموت مليار مرة هنا بلا نهاية."
لم يكن أندرو يعرف نيات لويس الحقيقية بعد، وهل سيمتثل لمطالبه أم سيستغل الفرصة للتخلص منه.
[النظام: هاهاهاها!]
انفجر النظام ضاحكا من ارتباك أندرو. كان المشهد مثيرا للشفقة... الشرير محاصر، وفرصة تعذيب جين قد تضيع منه ليتحول هو إلى الشخص الذي يتعذب مجددا.
"اصمت.." تمتم أندرو، وفجأة، تحولت ملامحه. بدأت تلك النشوة القديمة تسري في عروقه. "هذا.. هذا مثير حقا."
اتسعت ابتسامته بذهول. لم يسبق له أن وضع في زاوية ضيقة كهذه في حيواته السابقة... كان دائما يموت ميتة عادية، لكن الآن؟ هو محاصر بطريقة تجعل دمه يغلي.
[النظام: تشعر بالإثارة؟ وأنت على بعد خطوة من جحيم لا ينتهي؟]
تعجب النظام من هذه العقلية. أندرو كان يواجه دمارا شاملا، ومع ذلك، كان يبتسم. لقد كان جنونا خالصا.
"فكر معي .. ماذا كنت ستفعل لو كنت شريرا حقيقيا في هذا الموقف؟" سأل أندرو، وعيناه تراقبان مدخل المستودع الصامت.
[النظام: الطرق مسدودة تماما أمامك.. لو كنت مكانك لهربت بسرعة.]
لم يعلق أندرو، بل التفت نحو جين التي كانت تقف بجانبه ترتجف، يلفح الهواء البارد وجهها الذي بدأ يتورم من أثر الصفعة.
نظر إليها ببرود، ثم قال بنبرة جافة.."جين، هل تدركين حقا لماذا جئت بك إلى هنا؟"
"لا.." همست وهي تحاول استجماع شتاتها، وعيناها تلمعان بالدموع.
"سأخبرك.." اقترب منها وتابع بفحيح سام: "داخل هذا المستودع، تقبع شقيقتك هانا، ووالدك ألبرت، وأمك هيلين." توقف لثوان ليراقب كيف تجمدت الدماء في عروقها، ثم أكمل: "كنت أخطط لتعذيبهم وقتلهم بأبشع الطرق أمام عينيك، لكن الظروف تعقدت الآن.. ومع ذلك، أعدك أنني سأعود إليهم مستقبلا ليذوقوا جحيما لا يوصف."
شحب وجه جين تماما، ولم تصرخ أو تنهار... بل تجمدت ملامحها في ذهول مرعب. الرعب بدأ ينهش صدرها لأن نبرة أندرو كانت تخلو من أي مبالغة، كانت نبرة يقين.
ارتسمت على وجهها ابتسامة شاحبة، ليست ابتسامة سعادة، بل ابتسامة فقدان العقل.. حيث بدأ وعيها يتفتت تحت وطأة الصدمة.
"أنت.. تكذب،" همست دون أن ترمش، محدقة في ملامحه التي لم تعد تألفها.
رفع أندرو يديه ببطء نحو عنقها وقال: "سأسألك سؤالا واحدا: هل تموتين بهدوء الآن وأفكر في العفو عنهم؟ أم أقتلك رغما عنك ثم أنتقل إليهم فورا؟"
نظرت جين في عينيه، ورأت سوادا أخبرها أنه لا يمزح. في تلك اللحظة، تحول كل شيء إلى رماد.. حبها، ذكرياتها، ومستقبلها.
"ماذا فعلت لك لتعاملني هكذا؟" كان هذا هو السؤال الأخير الذي دار في عقلها المحطم.
ساد صمت قاتل، ثم مال أندرو نحوها وحضنها من الخلف بحركة بدت للوهلة الأولى حميمية، لكنها كانت قبضة الموت.
"وداعا يا جين،" قالها ببرود.
بسرعة خاطفة وبقوة وحشية، وضع يده على ذقنها والأخرى على مؤخرة رأسها.
وبحركة لولبية عنيفة، لف رأسها مئة وثمانين درجة في جزء من الثانية.
*طـق.. طـق!*
دوى صوت تكسر الفقرات العنقية وتمزق الأربطة بوضوح في سكون الليل. لم تكن هناك صرخة، ولا حتى أنين، فقط جسد ارتخى فجأة كدمية قطعت خيوطها.
استدار رأس جين بشكل كامل حتى أصبحت عيناها الجاحظتان تنظران إلى الخلف، نحو أندرو، في نظرة أخيرة تجمد فيها الرعب المطلق.
كان الكسر مثاليا.. لقد انقطع النخاع الشوكي فورا، ما أدى إلى شلل كامل وتوقف القلب في لحظة واحدة.
أفلتها أندرو، فسقط جسدها على الأرض الصلبة كقطعة من القماش، بينما ظل رأسها مستديرا بزاوية غير بشرية.
نظر أندرو إلى الجثة الهامدة ببرود، ثم مسح يديه بلامبالاة والتفت نحو سيارته.