الفصل 17: شارلوت

{منظور الشخص الأول}

جلست داخل السيارة وأطرافي ترتعد، والعرق يتصبب مني بغزارة. لا أعرف كيف أتجاوز هذا المشهد، فمنذ أن وقعت عيناي على ذلك المنظر البشع، فقدت قدرتي على التنفس.

توقف عقلي عن استيعاب هول المنظر، وشعرت وكأن الهواء قد شح في صدري. لم يكن التنفس وحده هو المعضلة، بل كل شيء... تفكيري تخشب، ولم أعد أرى سوى صورتها وطريقة موتها البشعة.

لماذا حدث لها هذا؟ لا أعلم. كل ما أعرفه هو أنني خذلتها مرة أخرى. لقد عدت من الماضي لكي أحميها، لكي أنقذها من كايل، لكنني فشلت في حمايتها حتى من شخص مجهول! أحببتها من كل قلبي، ومع ذلك لم أقدم لها شيئا واحدا.. لم أحميها، ولم أمنحها حتى الحياة الآمنة التي تستحقها.. لماذا أحبها إذن؟

وضعت رأسي بين يدي وقلبي يتمزق ألما. كانت فتاة طيبة، كانت السند الوحيد لعائلتها، فلماذا يحدث هذا لها؟ لماذا يقرر وحش مثل هذا قتل فتاة رقيقة مثلها؟ لقد رحلت الآن، فما النفع الذي سأقدمه لها؟

أشعر بألم يعتصرني، لكنني لا أبكي.. أعرف لماذا لا أريد البكاء.. لن أذرف دمعة واحدة حتى أقتله، حتى أريه الجحيم بعينيه.

ولكن، ماذا علي أن أفعل الآن؟ هل أبلغ الشرطة؟ وماذا ستفعل الشرطة؟ وكيف سأواجه عائلتها؟ ألن يظنوا أنني أنا المجرم؟ ما هذا الكابوس الذي أعيشه؟

بدأ تنفسي يضطرب ويخرج عن السيطرة، ولم أعد قادرا على كتم حزني أكثر. يوم كامل مر وأنا على هذه الحال، لا أعرف ماذا أفعل بجثتها، ولا أطيق حتى النظر إليها.

عندما أخرج من السيارة، أرفع بصري سريعا نحو السماء، هربا من النظر إلى الأرض.. فأنا أخشى في أي لحظة أن تقع عيناي على تلك البقعة، وحينها سيتفتت قلبي تماما.

عالمي كله توقف، وقلبي لا يكف عن إيلامي.. لأنني أشعر بأنني شريك في قتلها. لماذا لم آت بسرعة وأمنعه؟ لماذا فكرت في التمثيل بدلا من قتله؟ ألم يكن الأجدر بي الخروج فور ظهور سيارته وإطلاق الرصاص عليه؟ لماذا علي أن أعاني؟ بل لماذا علينا أن نعاني أنا وهي؟ لقد منحني الخالق فرصة ثانية لتكون لي، لكنهم سلبوها مني مرة أخرى. تساؤلات هائلة تكتسح عقلي ولا إجابة لها.. لقد كنت أنا السبب!

في هذه اللحظة، شعرت برئتي تخذلانني، فزعي وخوفي من الحقيقة جعلاني عاجزا عن استنشاق الهواء. توقف كل شيء، وها أنا سأسقط مغشيا علي.

لكن، لماذا تأبى صورة عنقها المكسور أن تفارق مخيلتي؟ حتى وأنا أفقد وعيي، لا أرى سواها. "ذلك الشخص.. فلينتظرني فقط".

"الشيء الوحيد الذي سيخفف ألمي هو موته.. يجب أن أقتله"، تمتمت بهذه الكلمات بصعوبة بالغة وسط أنفاسي المتلاحقة.

أشعر أنني سأموت في أي لحظة، الرؤية تلاشت ولم يتبق سوى الضباب ووجهها الجميل.

"تنفس.. اهدأ يا لويس.. تنفس ببطء"، قلتها محاولا تهدئة نفسي، لكن دون جدوى.

لقد انتهى كل شيء، ماتت، ولا أقوى حتى على حفر قبرها.. لا أريد فراقها، فهذا ما حدث في حياتي الماضية.. بمجرد أن أضعها في تلك الحفرة، لن تعود أبدا.. مهما فعلت لن تعود.

"ااااااااااااااه!"

صرخت من أعماق قلبي، رفعت رأسي عاليا والدموع تنهمر أخيرا على وجنتي. كان ألما يفوق قدرتي على الاحتمال.

وضعت يدي فوق صدري وبدأت أضربه بعنف، محاولا إزاحة ذلك الثقل الذي يطبق على قلبي، لكن لا شيء سينفع.. هذا الألم لن يزول إلا بموته، ولن يختفي إلا باختفائه هو من هذا الوجود.

**

{منظور الشخص الثالث}

خرج أندرو من المتجر بمظهر مختلف تماما.. كان يرتدي قميصا أبيض بأكمام قصيرة، ترك أزراره العلوية مفتوحة مما كشف عن طول عنقه ووضوح عظام الترقوة لديه.

نسق معه بنطالا أحمر فضفاضا وحذاء رياضيا أبيض ناصعا، فبدا كشاب أنيق لا يوحي مظهره بأي خطر.

"ينقصني مسدس وذخيرة فقط لأنهي هذا.. لقد سئمت، ولدي الكثير من العمل بانتظاري،" تمتم وهو يضع يديه في جيوبه ببرود.

[النظام: ومن أين ستأتي بالسلاح؟ لماذا لا تجرب السوق السوداء؟]

"سوق سوداء؟ أعرف رجلا يملك ترسانة أسلحة كاملة، لكنني نسيت مكانه بالضبط في هذه الحياة" ابتسم أندرو وهو يسير ببطء.

[النظام: هل تنوي مواجهتهم وجها لوجه؟]

رد أندرو بيقين تام جعل النظام يرتاب: "لا، لدي طريقتي الخاصة للتعامل معهم.. اعتبرهم قد اختفوا بالفعل." كانت نظراته حادة وواثقة، وهي نفس الثقة التي قد تقوده للموت مرة أخرى.

[النظام: وبما أنك نسيت مكان الرجل.. لماذا لا تقتل شرطيا وتأخذ سلاحه؟]

ساد الصمت فجأة. توقف أندرو على الرصيف وثبت بصره على نقطة معينة في الشارع، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة ومريبة.

[النظام: توقف! أقسم أنني كنت أمزح.. ] صرخ النظام بسرعة حين ظن أن أندرو سيأخذ اقتراحه على محمل الجد.

"لست غبيا لأفعل ذلك.." رد أندرو وهو لا يزال يركز نظره على تلك النقطة، ثم سأل بهدوء: "أخبرني، هل سبق لـ الحبكة أن ساعدت شريرا؟"

[النظام: الحبكة؟ نادرا ما يحدث ذلك، وإذا حدث، فغالبا يكون الهدف هو دفعه نحو طريق مسدود في النهاية ليصبح سقوطه أكثر بشاعة.]

"أحسنت.. فالحبكة أحيانا تمد يدها للشرير، لكنها يد مسمومة لا تمتد إلا لتدفعه نحو الهاوية في الوقت المناسب،" تمتم أندرو وهو يعبر الرصيف، مشيحا بنظره عن شرطي المرور الواقف هناك.

فكر لثانية في قتله وسلب سلاحه، لكنه تراجع.. لو كان هو والشرطي في مكان خال لفعلها، ولكن الآن هو وسط الشارع.. سيكون من الغباء القيام بحركة مثل هذه في هذا الموقف.

[النظام: وكيف ستعثر على ذلك الرجل الآن؟] سأل النظام بفضول.

"أعرف ابنته.. شارلوت،" أجاب أندرو وهو يغير اتجاه سيره فجأة، "تدرس في سنتها الأخيرة بالثانوية، أعرف مدرستها جيدا، لكن عنوان منزلهم غاب عن ذاكرتي مع تداخل الحيوات."

[النظام: دقيقة.. لا تقل لي إنها بطلة أخرى؟]

"من الممكن.." أوضح أندرو ببرود، "درست معها في إحدى حيواتي الماضية. لم نكن مقربين، لكنني أذكر الشائعات التي طاردتها.. والدها كان جنديا سرح من الخدمة، وبدلا من التقاعد، انغمس في تجارة الأسلحة غير القانونية. كان يدير سوقا سوداء مصغرة من قبو منزله."

بعد مسيرة عشر دقائق، توقف أندرو أمام مبنى المدرسة الثانوية.. بناء تقليدي من ثلاثة طوابق يحيط به سور حديدي كأنه سجن مصغر. نظر إلى ساعته، كانت قد تجاوزت السادسة مساء، والأبواب موصدة تماما.

شعر بالانزعاج.. فهو لا يملك ترف الانتظار حتى الغد، فـلويس قد يظهر في أي لحظة.

لمحت عيناه حارسا أمنيا يتجول في الساحة الداخلية، فقفزت فكرة إلى رأسه. عدل قميصه، ورسم على وجهه ملامح الهدوء والوقار، ثم اقترب من الحارس وتوقف على بعد خطوات منه.

"مرحبا يا سيدي،" قالها بابتسامة مهذبة. كان أندرو بهيئته الحالية، بطوله الفارع ووسامته الناضجة، يبدو بوضوح كرجل في منتصف عشرينياته.

توقف الحارس الأربعيني وتفحصه من خلف السياج، وانطبعت في ذهنه صورة فورية: شاب أنيق، مهذب، ومن عائلة ميسورة. "مرحبا بك.. كيف يمكنني مساعدتك؟" سأله الحارس.

"لقد جئت لاصطحاب ابنة عمي، لكن يبدو أنني تأخرت قليلا، متى يخرج الطلاب عادة؟" سأل أندرو بنبرة توحي بالقلق الأخوي.

تأسف الحارس قائلا: "أوه يا بني، لقد غادر الجميع قبل قليل، المدرسة خالية تماما الآن."

"يا للخسارة.." تنهد أندرو باصطناع، ثم تابع وكأنه يحاول التأكد من وجودها: "بالمناسبة، هل تعرف طالبة تدعى شارلوت؟ هل كانت موجودة اليوم؟ أود التأكد أنها لم تغادر مع شخص آخر."

رد الحارس بعفوية: "آه، شارلوت.. نعم، إنها فتاة مجتهدة وخلوقة، هذا كل ما أعرفه عنها."

هنا، خفض أندرو صوته قليلا وسأل بسلاسة: "هل تملك عنوان منزلها؟ فقدت هاتفي وعلي الوصول إليها بسرعة، فوالدها ينتظرها لأمر هام."

ساد صمت مفاجئ. توقف الحارس عن الكلام، وضاقت عيناه وهو يركز نظره في عيني أندرو. شعر الحارس بوخزة من الشك.. فالسؤال عن العنوان بهذه المباشرة لم يكن يتناسب مع تلك الديباجة المهذبة التي بدأ بها الشاب.

2026/03/02 · 27 مشاهدة · 1142 كلمة
Moncefsg
نادي الروايات - 2026