الفصل 9: مريض نفسي؟... أحبهم ولا أقدر على وصف حبي لهم.

قاربت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وكان السكون قد خيم على المكان إلا من صفير الهواء البارد الذي كان يداعب خصلات شعر جين.

انتهى العشاء الذي بدا لها وكأنه حلم لم ترغب في الاستيقاظ منه.

فكل حركة قام بها أندرو، وكل كلمة نطق بها، كانت تزيد من اشتعال تلك المشاعر الغريبة في صدرها.

"لأول مرة في حياتي أشعر بهذا الثقل الجميل في قلبي.. هل يعقل أنني وقعت في حبه بهذه السرعة؟" تساءلت جين في سرها وهي تراقبه من بعيد.

كان أندرو يقف على بعد خطوات، يتحدث في هاتفه بنبرة خفيضة وحازمة.

"جميل جدا.. شاب؟ حسنا، ضعوه ضمن الخطة، سأعرف كيف أتعامل معه لاحقا" قال أندرو ببرود قبل أن يغلق الخط مباشرة.

التفت نحو جين، فتبدلت ملامحه القاسية في لمح البصر إلى تلك النظرة الدافئة التي تسلبها إرادتها.

اقترب منها وسألها وهو يغرق عينيه في عينيها بابتسامة خفيفة: "إذن، هنا تنتهي ليلتنا.. هل استمتعت؟ أتمنى أن العشاء قد نال رضاك."

أجابت جين بصوت يرتجف من العاطفة: "أجل، شكرا لك.. في الحقيقة، هذه أول مرة أستمتع فيها بحياتي بهذا الشكل."

أومأ أندرو برأسه، بينما صرخ وحشه الداخلي بلذة: "أجل، استمتعي بها جيدا، فهي المرة الأخيرة التي ستتذوقين فيها طعم الحياة.. فكل شيء جاهز الآن، ولم يتبق سوى صعودك الأخير إلى المسرح."

ساد الصمت لثوان، ولم يكن يسمع سوى حفيف الأشجار.

فجأة، ودون سابق إنذار، مد أندرو يده وأطبق قبضته برفق ولكن بحزم على خصر جين، ساحبا إياها نحوه.

تعثرت أنفاس جين واتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بحرارة جسده تخترق فستانها.

قرب أندرو وجهه من وجهها حتى اختلطت أنفاسهما، وشعرت جين بلفح هوائه الساخن يلامس بشرتها الرقيقة.

ارتجف جسدها بالكامل، وأغلقت عينيها بقوة وهي في حالة من الارتباك والترقب، منتظرة ما سيحدث.

"لدي مكان جميل أود اصطحابك إليه.." همس أندرو في أذنها بصوت هادئ كاد أن يذوب في سكون الليل. "هل تودين الذهاب معي؟ هناك أشياء مذهلة حقا تنتظرنا."

أفلت خصرها واستدار ببطء، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة لم تلمحها جين.

فتحت عينيها وهي في حالة من الذهول والارتباك، فداخلها كان يصرخ: "اعتقدت أنه سيقبلني.. ياللحرج!".

حاولت استجماع شتاتها وسألت بصوت خافت: "أين هذا المكان الذي يجعلك تتحدث عنه بهذه اللهفة؟"

"هيا بنا وسأريك،" رد أندرو وهو يتجه نحو السيارة. "أعدك بشعور لن تنسيه أبدا. لقد تمنيت طويلا رؤية تلك المناظر.. إنها طبيعية وخلابة بطريقتها الخاصة."

أضاف بنبرة بدت صادقة لأول مرة، وكأن كلمات الحب تخرج من أعماقه: "لسنوات وأنا أحلم بزيارة هذا المكان مع شخص مثلك.. أريد حقا أن أرى علامات الذهول والصدمة على وجهك حين تشاهدين جماله."

انخدعت جين بكلماته، فبالنسبة لها، كان هذا اعترافا ضمنيا بمكانتها عنده.

ركبت السيارة وهي تشعر بسعادة لا توصف، بينما انطلق أندرو بسرعة جنونية شقت صمت الليل.

أندرو لم يكن يكذب، فمن أحلامه الكبرى أن يزور هذا المكان مع الشخص الأحب إلى قلبه، لكنه لم يقصد الحب الذي يعرفه البشر، بل قصد حب الكراهية.

كان يريد أولئك الذين لا يتمنى أن يلفظوا أنفاسهم إلا على يديه هو.

لو سألت أندرو: "هل تحب هؤلاء؟"

لقال لك: "نعم، أحبهم فوق الوصف"، لأنه يحب تلك اللحظة التي يراقبهم فيها وهم يتلاشون ببطء أمام عينيه، مستمتعا بنظرة الرعب في أحداقهم.

قد يبدو الأمر مرضا نفسيا، لكنه بالنسبة لأندرو هو المنطق الوحيد.

وقبل قليل، وصلت رسالة إريك تخبره بأن كل شيء جاهز، بانتظار حضوره فقط.

لكن، هل تعرف؟ لقد شعر بحزن مرعب يجتاح كيانه في تلك اللحظة.

لم يكن حزنا على فشل الخطة، بل لأن هؤلاء الذين أذاقوه الويلات في حيواته الماضية سيرحلون الآن بسهولة تامة.

الموت بهذا الشكل بسيط جدا، وهو يراه رحمة لا يستحقونها.

ورغم أنه سيقوم بتمزيق عائلتها وقتلهم أمام عينيها، وسيمارس عليها أبشع أنواع التنكيل الجسدي والنفسي، إلا أنه تمنى شيئا أكبر.

تمنى لو كان يملك قوة تعيدها للحياة في كل مرة تموت فيها، ليبدأ معها جولة تعذيب جديدة وكأنها المرة الأولى.

قد تراه مريضا نفسيا، لكن هذا الانتقام لا يساوي شيئا أمام ما ذاقه فعلا في الماضي.

لو كنت مكانه، لو عشت تلك الحيوات وشاهدت المرأة التي وهبتها قلبك وهي ترتمي في أحضان رجل آخر جهارا..

لو رأيتها تساعد ذلك الرجل في تعذيبك كل يوم، لعرفت ما يشعر به.

لماذا لم ترحل فحسب؟ لماذا كان عليها أن تهينه وتكسر كرامته أمام من يسمون بـ الأبطال وحتى الحثالة من الشخصيات الثانوية؟

لم يكن يكفيها الرحيل، بل أرادت سحق الشرير وتدميره تماما.

أتدرك حجم الألم الذي كان ينهش قلب أندرو طوال تلك السنين؟

كان قلبه يتمزق بين خيانة، وكذب، وإهانة، وذل.. سب، وشتم، وموت يتكرر عشرات المرات.

خيانة تتبعها خيانة، وموت يليه موت، وتعذيب لا ينتهي.

لم تكن مجرد لحياة واحدة، بل كانت عشرات الحيوات من الجحيم الصرف.

نعم، عشرات المرات وبل مئات المرات من الألم الذي لا يطاق.

بعد عشرين دقيقة، بدأ القلق يتسلل إلى قلب جين.

لقد غادروا حدود المدينة تماما، والوقت كان قد تجاوز الثانية فجرا.

وبعد دقائق أخرى، توقفت السيارة فجأة.

"أندرو.. هل أنت متأكد أن هذا هو المكان؟" سألت جين بصوت يرتجف.

نظرت من النافذة فلم تجد سوى مستودعا ضخما، متهالكا وموحشا، لا يشبه المناظر الطبيعية التي وصفها في شيء.

التفتت إليه لترى وجهه، فتجمدت الدماء في عروقها.

لم تعد هناك ابتسامة، بل عينان خاليتان من أي بريق حياة، نظرات باردة ومظلمة كبئر لا قاع له.

"لا تخافي.. انزلي فحسب،" قالها بهدوء مرعب.

"ولكن.. هذا مجرد مستودع قديم، لا يبدو جميلا كما قلـ.."

"صفعة!"

لم تكمل جملتها.

هوت يد أندرو على خدها بقوة أطاحت برأسها للناحية الأخرى.

ساد صمت قاتل، صمت لم يقطعه سوى أنين جين المصدومة وهي تمسك بوجهها الذي بدأ يحترق من الألم.

لم يرف لأندرو جفن، بل مد يده وبدأ يربت على شعرها ببرود مخيف كأن شيئا لم يكن.

"إذا قلت ننزل.. فنحن ننزل. اتفقنا؟" قالها بنبرة خالية من أي انفعال، نبرة مريض نفسي لا يرى في رعبها أي خطب.

انفجرت جين بالبكاء، دموعها انهمرت بغزارة وهي تتساءل: "كيف تحول هكذا؟ ماذا فعلت ليأتي بي لهذا المكان؟ إذا كان يريد جسدي، لكان الفندق مكانا أفضل.. لماذا هنا؟".

ترجل أندرو من السيارة وفتح بابها بقوة، ثم انحنى نحوها وهمس ببرود مميت: "هيا اخرجي.. سأريك ذلك الشيء الجميل الذي وعدتك به، فالعرض على وشك أن يبدأ."

**

2026/02/10 · 50 مشاهدة · 968 كلمة
Moncefsg
نادي الروايات - 2026