1 - المدرسةُ الكائــنةُ تحتَ الأرضِ.

الجزءُ الأوّل: المدرسةُ الكائــنةُ تحتَ الأرضِ.

من سلسلةِ "الكلماتِ المُرسَلة".

✿ الفصلُ الأوّل ✿

إنّ الأماكنَ التي يَعبُرها الناسُ بلا انقطاع، لا بُدَّ أن تتراكمَ فيها الحكاياتُ بقدرِ ما يمرُّ بها من عابرين. فإذا كان ذلك المكانُ يجمعُ فِتيةً فيريعانِ شبابهم، كانت القصصُ أشدَّ تنوّعًا وأكثرَ وفرةً.

ومن بين تلك الحكاياتِ المتراكمة، أيُّها يبقى راسخًا في الذاكرةِ مهما طال الزمن؟ أيمكنُ الجزمُ بأنّها حكاياتُ الرُّعب؟

قصصٌ تبدو كأنّها وقائعُ حدثت حقًّا… نُصدّقها كأنّها حقيقة، ثمّ لا نلبثُ أن نشكَّ فيها إن ظهرت ثغرةٌ، فتغدو خيالًا محضًا. ومع ذلك، تظلُّمُثيرةً آسرة.

وفي مدرستي أيضًا، لم تَخْلُ الأروقةُ من مثلِ هذه الحكاياتِ الشائعة، التي وإن بدت مألوفة، فإنّ السامعَ لا يملكُ إلّا أن يُرهفَ السمعَ لها.

أتعرفون تلك القصص؟ كأن يُقال إنّه إذا دخلتَ المكتبةَ عند منتصفِ الليل، رأيتَ طالبةً بلا ساقين تقرأ وحدها.

أو أنّك إن دخلتَ المقصورةَ الرابعة في حمّامِ الطابقِ الرابع، خرجت امرأةٌ طويلةُ الشعر من المرحاض، لتجرَّك إلى داخله…

كان ذلك في يومٍ قائظٍ من أيّامِ الصيف، وقد طال أمدُ الحرّ.

وعلى الرغمِ من ضبطِ المكيّف على ثماني عشرةَ درجة، ظلّ الهواءُ فاترًا خانقًا.

كنتُ متضجّرة نافِرًا من الدراسة، وقد تلاشى تركيزي تمامًا، فانشغلتُ بأمورٍ لا طائلَ منها. وفجأةً، راودتني رغبةٌ في سماعِ قصةٍ مرعبة،فتوجّهتُ إلى صديقتي جيونغ التي اشتهرت بسردِ مثلِ هذه الحكايات بأسلوبٍ شيّق.

بدت هي الأخرى غيرَ عازمةٍ على الدراسة، إذ كانت تُحدّق في جهازها اللوحيّ، تتابع برنامجًا ترفيهيًّا.

فدنوتُ منها وناديتُها بصوتٍ خافت:

"جيونغ."

"نعم؟"

"لا أريدُ أن أدرس… احكي لنا شيئًا مخيفًا."

"ما بالك؟ أنتِ في الصفّ الثالث الثانوي، ادرسي."

"وأنتِ كذلك."

"أنا لا بأسَ بي."

"وأنا كذلك."

ولمّا لم أتراجع، سحبتُ كرسيًّا وجلستُ بقربها، فالتفتت إليّ أخيرًا.

"وما المقابل؟"

"وجبةٌ من المقصفِ غدًا."

"اتفقنا. لكن هل لديكِ شيءٌ جديد؟ لا أقبلُ إلا بالجديد."

"لديّ حكايةٌ ساخنة، سمعتها قبل يومين."

"حقًّا؟ ما هي؟"

ومع هذه الكلمات، أخذَت صديقاتٌ أخريات—وقد سئمن الدراسة—يتجمّعن حولها واحدةً تلوَ الأخرى.

وبعد أن ضمنت لنفسها المقابل من كلّ واحدة، فتحت جيونغ باب الحكاية أخيرًا.

"تعلمْن أنّ هذه المدرسة كانت قبلَ مئةِ عامٍ مدرسةً للبنين، أليس كذلك؟ لكن هل سمعتنّ بحادثةِ الانتحارِ الجماعي؟"

"ماذا؟ نعرفُ أنّها كانت مدرسةَ بنين، لكن انتحارٌ جماعي؟"

"أليست كانت مستشفى قديمًا؟"

أومأت جيونغ وتابعت:

"كانت مستشفى، ثمّ بُنيت مدرسةٌ خاصّة لأبناءِ الأثرياء لأنّ ابنَ المدير لم يجد مدرسةً مناسبة. أحقًّا لم تعرفن ذلك طوال ثلاثِ سنوات؟"

"ومن أين نعرف؟ نحن لا نتذكّر ما درسناه اليوم أصلًا!"

"لكن كيف يُعاد بناءُ مدرسةٍ فوق مكانٍ مات فيه أناس؟ أليس ذلك جنونًا؟"

"توجد حكايةٌ أخرى تتعلّق بتنشيط المنطقة… لكن سأرويها لاحقًا. أمّا اليوم، فحديثنا عن تلك المدرسة قبلَ مئةِ عام."

سعلت جيونغ بخفّة، ثم خفّضت صوتها وأكملت بنبرةٍ موحية:

"كانت مدرسةً لأبناءِ الأثرياء… وفي يومٍ ما، شنق أكثرُ من نصفِ طلابها أنفسَهم داخلها."

وتابعت:

"وسائلُ الإعلام آنذاك نسبت الأمر إلى اليأس من الدراسة أو الحياة المدرسية."

ثم أردفت بصوتٍ أخفض:

"لكن، وفقًا لما سمعه أحدُ كبارنا، لم يكن الأمر انتحارًا… بل قتلًا."

"ماذا؟ ولماذا تكذبُ الصحافة؟"

"فكّرن قليلًا. قبل مئةِ عام، في زمنِ الاحتلالِ الياباني… هل كانت الصحافةُ ستهتمّ حقًّا؟"

"لكنها كانت مدرسةً للأثرياء!"

"لا أعلم التفاصيل، لكن المؤكّد أنّ التحقيق لم يكن كافيًا… لأنّ الرواية جاءت من شاهدٍ بنفسه."

"شاهد؟"

"نعم… وهذه الحكاية تناقلت قبل يومين فقط."

وهنا، خيّم الصمتُ، وبدأت القصة.

في ذلك اليوم، كان الغروبُ أحمرَ قاتمًا، وقد أرخى الليلُ سدوله سريعًا.

خرجت إحدى الطالباتِ المتقدّمات متأخرةً بعد نشاطٍ مدرسي، وسارت وحدها في ممرٍّ غارقٍ في الظلام بعد إطفاءِ الأنوار.

كان الممرُّ مألوفًا، لكنّ الظلمةَ فيه يومئذٍ لم تكن كغيرها.

تسلّل إليها شعورٌ باردٌ من الخوف، كأنّ شيئًا خفيًّا يُراقبها.

وبينما كانت تُسرع الخطى، لمحت في أقصى الممرّ ظلّ إنسان. صرخت فزعًا—لكن الغريب أنّ الظلّ كان ينظر إليها أيضًا.

في البداية ظنّت أنّه شبح، ثم تبيّن أنّه شخصٌ عادي. فتنفّست الصعداء، واقتربت منه تُحادثه…

لكن في اللحظة التي حاولت فيها لمس كتفه—

أُضيئت الأنوار فجأةً كلّها دفعةً واحدة.

وعندها… رأت الحقيقة.

لم يكن كما ظنّت.

لم تكن فتاةً ذات شعرٍ قصير… بل كان فتى يرتدي زيًّا مدرسيًّا يابانيّ الطراز.

تردّدت قليلًا، ثم حاولت تجاهل الأمر، وظنّت أنّه جاء لمقابلةِ أحد. غير أنّ الفتى لم يُجبها، بل ظلّ يُحدّق فيها بصمت.

وحين همّت بالمغادرة—

بدأ الدمُ يسيل من عينيه، وأنفه، وفمه، وأذنيه… ثم أمسك كتفها بقوّة.

حاولت التخلّص منه، لكن قبضتَه كانت أشدَّ ممّا يُتوقّع.

ارتجفت رعبًا…

وعندها، تكلّم الفتى بصوتٍ غريبٍ مبحوح:

"هذا المكان… ليس للبشر. ستُسحَبين أنتِ أيضًا… وستصبحين مثلنا… فاشلةً في أعينهم… كما نحن…"

وتابع ضاحكًا ضحكةً مُفزعة…

ثم… انقطع صوتُ جيونغ فجأة. [ جيونغ تسرد القصة ثم الآن سنعود للعالم الواقعي ]

وفي لحظةٍ مباغتة، أمسكت بذراعيّ أنا وصديقتي بقوّة، فصرخنا لا إراديًّا، وتبعنا الآخرون بالصراخ.

دوّى الصوتُ في قاعةِ الدراسةِ الليلية، فجاء المعلّم مسرعًا، ووبّخنا على إثارةِ الضجيج، وأمرنا بالعودة إلى الدراسة.

وبعد أن هدأ كلّ شيء، اقتربتُ من جيونغ وقلتُ:

"وماذا حدث بعد ذلك؟ هل نجت؟ وما حقيقةُ ذلك الفتى؟"

فأجابتني بثقة:

"لو لم تنجُ، فكيف كنتُ سأخبركِ بالقصة؟"

ثم ابتسمت… وبدأت تسردُ ما حدث بعد ذلك.

"تقولُ الروايةُ إنّ الطالبةَ عزمت، ولو كلّفها ذلك كسرَ ذراعها، أن تُقاوم؛ فضربت ذلك الفتى بقبضتِها ضربةً عنيفة. وفي اللحظةِ ذاتها انطفأتالأنوارُ كلُّها دفعةً واحدة، واختفى الفتى كأن لم يكن. أمّا هي، فقد اندفعت فورًا نحو البوّابةِ الرئيسية هاربة."

"وهل هذا كلُّ ما في الأمر؟"

"نعم."

بدت القصةُ أقلَّ إثارةً ممّا توقّعت، فارتسمت على وجهي أماراتُ خيبةٍ وأنا أسأل:

"ما هذا؟ لا شيء يُذكر. في أيّ طابقٍ كان ذلك الممرّ؟"

"أظنّه في الطابقِ الأوّل، أليست غرفةُ نادينا هناك؟"

"صحيح… لكن، أهذا حقيقيّ؟"

"أيُّ شيء؟"

"حادثةُ الانتحارِ الجماعي تلك."

"نعم، لقد أثارت فضولي فبحثتُ عنها، ووجدتُ لها أثرًا في الإنترنت. يبدو أنّ الشرطةَ باشرت تحقيقًا واسعًا، لكن دون نتائجَ تُذكر، فخُتمتالقضيّة على أنّها انتحارٌ جماعيّ ناجمٌ عن اضطرابٍ نفسي."

"لكن إن كان ما حدث لزميلتكنّ صحيحًا، أفلا يعني ذلك أنّ وراء الأمر خطرًا حقيقيًّا؟"

"من يدري؟ أصلًا، كم من السجلات بقي من زمنِ الاحتلال؟ ربما كانوا حقًّا قد فقدوا عقولهم وانتحروا جماعيًّا. لم أتعمّق كثيرًا في البحث."

"هممم… على كلّ حال، هل كان الفتى وسيمًا؟"

"يبدو أنّه كان نحيلًا لطيفَ الملامح."

"أوه…"

تمتمتُ بإعجابٍ خافت، فضحكت جيونغ وقالت مازحةً:

"إن كنتِ تنوين الاستكشاف، فلنذهب معًا."

"ما رأيكِ أن نذهب بعد انتهاء الدراسة الليلية؟"

"فكرةٌ رائعة."

وبينما كنّا نتبادل أطرافَ الحديث ونتفحّص الوقت—

"هاه؟ ما هذا؟"

"انقطاعُ كهرباء؟"

"يا للهول… المكيّف!"

انطفأت أضواءُ الصفّ فجأةً، وتوقّف المكيّف الذي كان يدفع هواءً فاترًا بصعوبة. وسرعان ما عمّ الهمسُ والضجيجُ صفَّنا والصفوفَ الأخرى. ولم يكن ما أرعبنا انقطاعُ التيار بقدر ما أفزعنا زوالُ نِعمةِ التبريد؛ فارتفعت الشتائمُ وتقطّبت الجباه.

وفي الحرِّ الذي أخذ يتسرّبُ كأنّه يلتهم ما تبقّى من برودة، أخذنا نمسحُ العرقَ المتصبّب، فيما كانت الساعةُ تشير إلى التاسعةِ مساءً.

لم نلبث أن بدأنا ننادي المعلّم المناوب بأصواتٍ متذمّرة.

وبعد قليل، ظهر وهو يحمل مصباحًا صغيرًا، ووقف في الممرّ بحيث يسمعه الجميع، ثم قال:

"يا أبنائي، كما ترون، المدرسةُ الآن بلا كهرباء."

"نعلم!"

"هل يمكننا العودة إلى منازلنا؟"

"يا أستاذ، ما زال علينا أن ندرس! أصلحوا الأمر!"

توالت الأصوات، بين سؤالٍ واحتجاجٍ لا يُدرى أهو طلبٌ أم تهديد. وكان المعلّم حديثَ العهد بالمدرسة، لم يمضِ على تعيينه سوى ثلاثةِ أشهر،فبدت عليه أماراتُ الارتباك وهو يتصبّب عرقًا، ثم قال:

"أ-أرجوكم اهدؤوا قليلًا. يبدو أنّ الأعمدةَ والبيوتَ المجاورة بخير، أي إنّ الانقطاع يخصّ مدرستنا وحدها… وربما أمكن إصلاحه."

"لكنّك أستاذُ أدب!"

"هل تجيد إصلاح الآلات؟"

"لنعد إلى منازلنا إذًا!"

"مهلًا، كيف نغادر؟ لم يبقَ الكثير على الامتحان!"

انقسمت الآراء بين راغبٍ في الرحيل وآخرَ مُصِرٍّ على البقاء، فرفع المعلّم صوتَه محاولًا تهدئتهم:

"حسنًا، اهدؤوا. من أراد المغادرة فله ذلك، أمّا من يرغب في البقاء… فليرفع يده أولًا لنرى العدد."

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

~ ترجمة بـوني 🌸💕

✦ قروب الملفات حيث الفصول تنزل هناك اول ✦

https://t.me/+kH0Q0Z_ZI0tjMzFk

✦ قناة إعلانات الفصول ✦

https://t.me/+9O7yOas3HhE4OTY0

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

2026/04/08 · 15 مشاهدة · 1245 كلمة
punny
نادي الروايات - 2026