2 - المدرسةُ الكائــنةُ تحتَ الأرضِ (2)

✦ الفصل الثاني ✦

كان الجوُّ قائظًا، ومع انقطاع الكهرباء وتعطّل المكيّف، ظننتُ أنَّ معظم الطلّاب سيرغبون، مثلي، في العودة إلى منازلهم.

لكن على غير المتوقّع، كان عددُ من قرّروا البقاء لمواصلة الدراسة أكبر بكثير.

نظرتُ إلى جيونغ التي رفعت يدها بجانبي، وسألتها بصوتٍ خافت:

"هاي، ستبقين؟ أنتِ أصلًا لا تدرسين."

"كنتُ أستريح قليلًا فقط، وعليَّ إنهاء نصيبي من اليوم."

وعندما فكّرتُ في الأمر، أدركتُ أنني أنا أيضًا لم أُنهِ ما عليَّ من دراسة.

لعلّ حماسة من بجانبي أثّرت فيَّ؛ إذ شعرتُ بانقباضٍ في صدري، وكأنّ العودة الآن ليست خيارًا مناسبًا.

قال المعلّم بعد تردّدٍ:

"همم… إذن، هل من طلابٍ مستعدّين للبقاء معي لإصلاح الكهرباء؟ من يثق بمهاراته في التعامل مع الأجهزة أو يفهم بنيتها؟"

"……"

"……"

ساد الصمتُ المكان للمرّة الأولى منذ قليل.

ربّما لأنّ أحدًا لا يعرف كيف تُصلَح الكهرباء، أو لأنّ التجوّل في مدرسةٍ مظلمةٍ في هذا الحرّ أمرٌ لا يُحتمل.

تبادل الطلّاب النظرات، ثم اقترح أحدهم اختيار “ضحايا” بالقرعة عبر لعبة حجر-ورقة-مقص.

'أه؟ هذا لا يبدو جيّدًا…'

لكن قبل أن أحتجّ، وجدتُ نفسي أشارك مُكرَهًا، وكما توقّعتُ تمامًا، انتهى بي المطاف ضمن الخمسة المختارين.

كان الفريق يضمّ: المعلّم المسؤول يو-هان-سونغ، وتشوي-ها-نا من صفّنا رغم أننا لسنا مقرّبين، ولي-يو-ري التي لا أدري أهي من الصفالمجاور أم الذي يليه، إضافةً إلى بارك-تشو-آ وكانغ-سو-يون… وأنا.

'كان عليّ أن أعود إلى البيت…'

بينما أختنق بحرارة الجوّ، تسلّل إليّ ندمٌ متأخّر، وانطلقنا نبحث عن صندوق الكهرباء. لكن، إن كنتُ لا أعرف حتى مكانه في منزلي، فكيفسنجده في مدرسة؟

'أم هو حقًا صندوق الكهرباء؟ أم غرفة الطاقة؟ غرفة التحكّم؟ لا بدّ من وجود شيءٍ كهذا…'

وبينما أمسح العرق عن جبيني وأفكّر شاردة، سألت كانغ-سو-يون، التي كانت تتقدّمنا بحماس:

"بالمناسبة يا أستاذ، إلى أين نحن ذاهبون؟"

"أه؟ أمم… لا أدري. إلى أين ينبغي أن نذهب؟"

"ماذا؟ ألسنا نتّجه إلى مكانٍ محدّد؟"

"كنتُ أتبعكِ أنتِ!"

"……؟"

توقّفنا جميعًا، نتبادل النظرات في حيرة، إلى أن فتحت لي-يو-ري، التي كانت تسير بصمت خلفنا، فمها وقالت:

"بما أنّ الكهرباء مقطوعة عن المدرسة كلّها، فعلينا الذهاب إلى غرفة التحكّم بالطاقة."

"غرفة التحكّم؟"

سأل المعلّم، فأومأت وهي ترمش بعينيها الواسعتين:

"نعم. ألن نجد خريطة في مكانٍ مثل غرفة المعلّمين؟"

"أوه."

"صحيح."

"أجل… الآن تذكّرت، أظنّ أنّ هناك خريطة في غرفة المعلّمين بالطابق الرابع."

بدت الفكرة منطقيّة، فنظر الجميع إليها بإعجاب، حتى المعلّم أومأ موافقًا، فابتسمت لي-يو-ري ابتسامةً جميلة وقالت:

"إذًا حُسم الأمر. الجوّ حارّ، فلنسرع."

مرّت بجانبي بخفّة، وعلى عكس كلامها، لم تكن قطرةُ عرقٍ واحدة على وجهها. لكن حين تجاوزتني، شعرتُ برائحة عطرها، وفيها نفحةٌغريبة… كأنّها مائلةٌ إلى العفونة.

'…بأي صفٍّ هي؟'

أعرف أنّني رأيتها من قبل، لكن لا أتذكّر صفّها.

لم يكن الأمر مهمًّا، فتابعنا طريقنا نحو غرفة المعلّمين في الطابق الرابع.

في نهاية الممرّ، ظهرت اللافتة باهتة. كانت الغرفة مغلقة بإحكام، لكن المعلّم امتلك المفتاح، فدخلنا بسهولة.

عند دخولي أوّل مرّة، شعرتُ بنفورٍ غامض.

لم أستطع تحديد سببه، لكن شيئًا ما كان… غير طبيعي.

'هل لأنّها تبدو مختلفة عن النهار؟ أم أنّ هناك رائحةً خانقة خفيفة…؟'

نظرتُ إلى الآخرين، لعلّ أحدهم يشعر بالأمر ذاته، لكنهم كانوا منشغلين بالبحث عن الخريطة، وكأنّ شيئًا لم يكن.

سألتُ تشوي-ها-نا بجانبي:

ةألا تشعرين أنّ المكان غريب قليلًا؟"

"غريب؟ كيف؟"

"هناك رائحة… وكأنّ كلّ شيء مختلف."

"طبيعيّ أن يختلف بين النهار والليل. لم تُفتح النوافذ، لهذا تفوح الرائحة. لنبحث عن الخريطة."

تدخّلت لي-يو-ري من بعيد بنبرةٍ لا مبالية، فاكتفت ها-نا بهزّ كتفيها. أمّا أنا، فقرّرتُ تجاهل شعوري والمضيّ في البحث.

'الخريطة… أين قد تكون؟'

من البديهيّ أنّها ليست في مكاتبٍ شخصيّة، لذا بدأت أفتّش الأماكن المشتركة.

وُضعت على طاولة الاجتماعات كتبٌ مرجعيّة سميكة، لكنّها كانت مكتوبة كلّها بالصينيّة، فلم أفهم شيئًا.

'ما هذا؟ في هذا العصر… صينيّة؟'

وبينما أتصفّح الأوراق، لفت انتباهي شيءٌ غريب. اقتربتُ، فوجدتُ ورقةً تحمل صورة طالب.

'سجلٌّ مدرسي؟'

نعم، لكن الكلمات كلّها كانت بالصينيّة، والصورة بالأبيض والأسود ورديئة الجودة.

بدا فيها طالبٌ بزيٍّ يابانيّ، وعيناه حادّتان.

للوهلة الأولى، يبدو ذا ملامح قاسية، لكن عند التدقيق، كان وسيمًا بشكلٍ لافت.

'مــهلًا… أليس هذا سجلًّا قديمًا؟ من زمن مدرسـة البنين؟'

لكن لماذا يوجد هنا؟ قد يكون الأمر منطقيًّا… فالغرفة قديمة، وربّما لم تُتلف جميع المحتويات. لكن احتمال وجوده هنا الآن… غريب.

'هل آخذه؟'

تردّدتُ، ثم أعدته مكانه.

لا يصحّ أخذ معلومات شخصٍ آخر.

وعدتُ للبحث، لكن دون جدوى.

'الخريطة لا تكون على الطاولات عادةً…'

حينها أدركتُ أنّها غالبًا مُعلّقة على الجدار، فتوجّهتُ نحو السبّورة، وأزحتُ بعض الأوراق المثبّتة عليها…

وفجأة، ظهرت خريطة المبنى.

'أوه! وجدتها! غرفة التحكّم… أمم؟'

لكن المشكلة أنّها كانت مكتوبة بلغةٍ لا أستطيع قراءتها.

"ما هذه كلّها… حروف صينيّة؟"

اقتربت كانغ-سو-يون بدهشة:

"واو، ما هذا؟ لا أفهم سوى “السنة الثالثة”…"

وقال الآخرون بحيرةٍ مماثلة، إلى أن اقترب المعلّم وقال بنبرة توبيخ:

"يا لكم من طلاب… تعلّموا بعض الحروف! كيف تعجزون عن قراءة شيءٍ بسيط كهذا؟"

فأجبته بحدّة:

"ومن يدرسها هذه الأيام؟ أنتم لا تطلبون منّا سوى الإنجليزيّة والرياضيات!"

سعل المعلّم، ثم قال وهو ينظر إلى الخريطة:

"حسنًا… نحن هنا، غرفة المعلّمين، الطابق الرابع."

وأشار إلى كلمةٍ مكتوبة: 「غُـــرفة شـؤون المعلّمين」، وتحتها 「الطابـــق الرابـع」.

**ملاحظة: الكلمات مكتوبة بالكانجي وهي اصلها حروف صينية، لسه يستخدموها اليابانيين والصينيين بعد.

"آه… هذا يعني غرفة شـؤون المعلّمين، الطابق الرابع."

وعلى امتداد الجهة المجاورة، اصطفت قاعاتٌ دراسيّة كُتبت عليها عباراتٌ صينيّة مثل:

「الصفّ

الأوّل

من

السنة

الثالثة」 و「الصفّ

الثاني

من

السنة

الثالثة」… حتى 「الصفّ

الثامن

من

السنة

الثالثة」، إلى جانب「دورة المياه」و「السلالم」.

وبقليلٍ من الفطنة، أمكن استنتاج أنّها تشير إلى صفوف السنة الثالثة بشُعبها المختلفة، فضلًا عن المرافق الأساسيّة.

تبادلنا النظرات، ثم وجّهنا أبصارنا نحو المعلّم نسأله صامتين عن موضع غرفة التحكّم بالطاقة.

عندها راح يتتبّع الخريطة بإصبعه، متنقّلًا بين الطوابق نزولًا، طبقةً بعد أخرى… حتى توقّف.

"…الطابق السفلي الأوّل. غرفة التحكّم بالطاقة."

استقرّ إصبعه عند موضعٍ كُتب عليه:

「الطابق

الأوّل

تحت

الأرض

غرفة

التحكّم

بالطاقة

الكهربائية

(غرفة

المحرّكات)」.

'الطابق السفلي؟ أيوجد في مدرستنا قبوٌ أصلًا؟'

رغم أنّني أمضيتُ في هذه المدرسة ثلاث سنوات، لم يسبق أن سمعتُ بوجود طابقٍ تحت الأرض. ولم أكن وحدي من استغرب؛ فقد بدتالحيرة على وجوه الآخرين كذلك.

"أستاذ، هل في مدرستنا طابق سفلي؟"

"ولِمَ تسألونني أنا؟ لم يمضِ على وجودي هنا سوى ثلاثة أشهر."

"لكنّك تتردّد يوميًّا على غرفة المعلّمين، ألا تعرف؟ ألم يخبرك أحد؟"

"بالطبع لا. نحن مثلكم، لا نرتاد سوى الأماكن التي اعتدناها."

"هاي، نحن سنغادر بعد ثلاث سنوات، أمّا أنتم فتمكثون طويلًا، كان ينبغي أن تعلموا على الأقل!"

وقف المعلّم حائرًا أمام مزاح كانغ-سو-يون اللاذع، قبل أن تتدخّل لي-يو-ري بنظرةٍ حادّة قائلة:

"إلى متى سنبقى هنا؟ ما دمنا وجدنا المكان، فلنسرع."

"صحيح، لا داعي للتأخير."

ورغم غرابة فكرة النزول إلى طابقٍ سفلي، لم تكن تستحقّ الجدال في هذا القيظ الخانق. لذا أيّدتُ رأي لي-يو-ري وسرتُ خلفها.

انحدرنا عبر درجٍ شديد الانحدار، مستعينين بضوء مصباحٍ صغير ولافتات الطوارئ، وكان قلبي ينقبض مع كلّ خطوة. ومع ذلك، وصلنابسلام دون أن يتعثّر أحد.

وبالمقارنة مع الطابق الرابع المكتظّ بالفصول، بدا الطابق الأوّل أكثر انفتاحًا؛ لكثرة مداخله، فخفّ شعور الاختناق. **ملاحظة : الطابقالرابع هو الي كانو فيه، الطابق الأول قصدها الطابق الأرضي مو الطابق السفلي.

وبينما كنتُ أتأمّل الممرّ الذي تتبدّى معالمه في العتمة دون حاجةٍ إلى المصباح، تسلّل إلى ذهني ما روته جيونغ قبل قليل… عن شبح الطالبالذكر.

'تبًّا… كان ينبغي ألا أطلب منها حكايةً مرعبة.'

مرّرتُ يدي على ذراعي التي اقشعرّ جلدها، ثم استحضرتُ الخريطة في ذهني.

كان مبنى المدرسة ذا تصميمٍ غير مألوف؛ ربّما لأنّه كان في الأصل مستشفى.

ففي مركز الطابق الأوّل وُجد مصعدٌ مخصّص لنقل المرضى، إلى جانب مكتب استقبال، كما انتشرت غرفٌ صغيرة كانت تُستخدم سابقًاللفحص الطبي.

أمّا الطريق إلى القبو، فكان يقع عند المدخل المركزي حيث مكتب الاستعلامات، بمحاذاة المصعد.

نزلنا عبر السلالم اليمنى، فمررنا بـقاعة الرياضة، ثم مخزن الأدوات الرياضيّة، والعيادة المدرسيّة، وغرفة حفظ الأدوية، وصولًا إلى غرفةالإرشاد المهجورة والمغلقة… حتى بلغنا مكتب الاستقبال.

وفي تلك اللحظة—

— طَق… طَق… طَق…

دوّى في المكان صوتُ ارتطامٍ منتظم، كأنّ شيئًا مستديرًا ذا وزنٍ معتدلٍ يرتدّ على الأرض.

تجمّدتُ في مكاني من شدّة الفزع، واستدرتُ ببطءٍ نحو مصدر الصوت خلفي. وفي العتمة، وعلى مسافةٍ غير بعيدة… رأيتُ شيئًا مستديرًايتدحرج نحونا.

"…كُرة؟"

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

~ ترجمة بـوني 🌸💕

✦ قروب الملفات حيث الفصول تنزل هناك اول ✦

https://t.me/+kH0Q0Z_ZI0tjMzFk

✦ قناة إعلانات الفصول ✦

https://t.me/+9O7yOas3HhE4OTY0

✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦

2026/04/09 · 1 مشاهدة · 1304 كلمة
punny
نادي الروايات - 2026