كانت الأجواء داخل قاعة الاجتماعات في مخبأ المليارديرات الثمانية مشحونة برائحة السيجار الكوبي الفاخر الممتزجة برائحة العرق البارد المنبعث من أجسادهم المتوترة. على الشاشات العملاقة التي تزين الجدار الغربي للمخبأ السري، كان المشهد لا يزال يغلي؛ هالك، ذلك الكيان الأخضر الجبار، قد انتهى لتوّه من تحطيم "أبومينيشن" وتركه جسداً هالكاً بين حطام المباني قبل أن يختفي بقفزة أسطورية في سماء شنغهاي الملبدة بدخان الحرائق.
ضرب فيكتور راموس الطاولة الرخامية بقبضته بقوة جعلت أقداح القهوة تهتز، وصاح بصوت أجش ملأه الغضب: "هل رأيتم هذا؟ ملايين الدولارات، سنوات من البحث البيولوجي، ودم بروس بانر الذي سرقه بلونسكي.. كل هذا تحول إلى خردة في عشر دقائق! ليو، هل هذا هو الجيش الذي وعدتنا به؟".
رد ليو تشنغ من فوق كرسيه المتحرك وهو يحدق في الشاشة بعينين باردتين كالأفاعي: "اهدأ يا فيكتور، بلونسكي كان مجرد تجربة ميدانية متسرعة. المشكلة ليست في هزيمته، المشكلة هي أننا فقدنا السيطرة على المدينة أمام أعين العالم، والأهم من ذلك.. أننا لم نُعد قبيلة الريف إلى الأقفاص بعد".
فجأة، انطفأت جميع الشاشات التي كانت تعرض أخبار الدمار، وحل مكانها سواد مطلق لدقائق معدودة، قبل أن يظهر رمز غريب يتوسطه ترس ميكانيكي مشع. تجمد المليارديرات في مقاعدهم، وساد صمت مطبق لدرجة أن صوت أنفاسهم المضطربة كان هو المسموع الوحيد. انبثقت صورة لشخصية مهيبة، ملامحها مزيج بين البشر والآلات المتطورة، يرتدي درعاً فضياً مصقولاً يعكس أضواء كوكب بعيد، وخلفه كانت تظهر معالم مدينة معدنية شاهقة لا تنتمي للأرض.
إنه أمير الروبوتات، حاكم كوكب لاندفول والقائد الأعلى لعساكر رؤوس التلفاز.
نهض ليو تشنغ بصعوبة في محاولة لإظهار الاحترام، بينما انحنى البقية برؤوسهم في خوف جلي. نطق ليو بصوت مرتعش: "سمو الأمير.. إنه لشرف عظيم أن نتلقى هذا الاتصال. نحن.. نحن نعتذر عن الإزعاج في هذا الوقت".
تحدث الأمير بصوت معدني رزين، يحمل نبرة من التعالي التي جعلت دماء المليارديرات تتجمد في عروقهم: "اعتذارك لا يرمم الكبرياء الجريح لمملكة الروبوتات يا ليو تشنغ. لقد راقبت عبر أقمارنا الصناعية المهزلة التي حدثت في شوارعكم. كيف لمليارديرات يزعمون حكم كوكب الأرض أن يفشلوا في السيطرة على حفنة من كائنات الريف البدائية؟".
تقدم فيكتور راموس خطوة للأمام، محاولاً تبرير الموقف وصوته يرتجف: "يا صاحب السمو، لقد حدثت تدخلات غير متوقعة. بليك إيثر ورفاقه، ذلك الشاب يمتلك قوة سحرية من كتاب شمس المعارف، وهناك ميليوداس الذي قلب موازين القوى في الغابة. نحن نبذل قصارى جهدنا، وقد حاصرناهم في شنغهاي".
قاطعه الأمير بضحكة باردة تشبه احتكاك الشفرات المعدنية: "جهدكم؟ لقد أرسلت لكم فيالق من عساكر رؤوس التلفاز، أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا لاندفول، وجعلتها تحت تصرفكم لتأمين بضائعنا من الريف. لكنكم استهلكتم قوتهم في قتالات جانبية لا طائل منها، وتركتم العبيد يهربون من الأقفاص. هل تدركون قيمة تلك الكائنات في مختبراتنا؟".
ابتلع إيثان كروز ريقه وقال بخضوع: "نحن ندرك ذلك تماماً يا سمو الأمير. قبيلة الريف هي المفتاح لتمويل مشاريعنا المشتركة، ونحن نعدك بأننا سنعيد كل فرد منهم إلى السلاسل قبل شروق الشمس".
اشتعلت عينا الأمير باللون الأحمر المتوهج على الشاشة، وزأر بصوت هز أركان المخبأ السري: "وعود الأرضيين رخيصة كترابها! اسمعوا جيداً أيها الطامعون في الخلود.. إذا لم أرَ ماركو وقبيلته داخل غرف الاحتجاز خلال الساعات الست القادمة، فسوف أصدر أمراً فورياً بسحب الدعم العسكري عنكم. سأعطي الأمر لرؤوس التلفاز بالتوقف عن العمل أو الانقلاب عليكم إذا لزم الأمر. هل تتخيلون وضعكم في هذه المدينة الثائرة بدون حماية آلاتي؟".
سقطت هيلينا روسو على مقعدها وهي تهمس: "بدون رؤوس التلفاز.. سنكون لقمة سائغة لهؤلاء الغوغاء ولرفاق بليك".
أكمل الأمير تهديده ببرود قاتل: "لن تذهبوا إلى الجحيم فقط، بل سأمحو شركاتكم وأسماءكم من تاريخ التحالف الكوني. قبيلة الريف ليست مجرد عبيد، إنهم رموز لصراعنا القديم مع قمر وريث، وفشلكم في تأمينهم يعني أنكم لستم جديرين بالتعامل مع أمير لاندفول. أريد نتائج، لا أعذاراً.. وإلا، فاستعدوا لمواجهة غضب الآلة".
انقطع الاتصال فجأة، وعادت الشاشات لعرض صور الخراب في شنغهاي، لكن هذه المرة كان الصمت في الغرفة أثقل بكثير. نظر المليارديرات إلى بعضهم البعض بوجوه شاحبة؛ فقد أدركوا أنهم الآن بين مطرقة بليك إيثر الذي يقترب، وسندان الأمير الذي يهدد بمحوهم من الوجود.
التفت ليو تشنغ نحو فيكتور راموس وقال بنبرة يائسة: "اذهب إلى الزنزانة يا فيكتور.. افعل أي شيء بـ "ني يان". استخرج منه مكان بليك أو مكان الريف. لم يعد لدينا وقت للرحمة، إما أن نأتيهم بالريف، أو نتحضر جميعاً لقطع رؤوسنا".
أشار ليو تشنغ بيده المرتجفة نحو الشاشة الجانبية، وضغط على زر الاتصال المشفر بخطوط ميكانيكية معقدة، فظهر وجه أحد القادة الميدانيين المغطى بالغبار والدماء، والخلفية من ورائه كانت عبارة عن حطام متفحم لما كان يُعرف يوماً بمختبرات أمبريلا السرية. سأل ليو تشنغ ونبرة صوته تحمل حدة السكين: "أجبني بوضوح أيها القائد، هل اكتملت عملية نقل ما تبقى من الأصول الحيوية؟ لا أريد سماع أعذار عن الانفجارات أو تعطل الأنظمة، أريد تأكيداً نهائياً".
أخذ القائد الميداني نفساً ثقيلاً قبل أن يجيب بصوت متهدج: "سيدي، لقد بدأنا النقل الفعلي قبل قليل. الشاحنات المصفحة تحمل الآن كل ما نجونا به من عينات بشرية، وتجارب بيولوجية مكتملة، والحواسب المركزية التي تضم شيفراتنا التكنولوجية. لقد كان القتال بين مونو وكابتن مارفل مروعاً، لكنه انتهى بتجميد الطاقة الكونية في تلك المنطقة، مما جعل الطريق الآن هادئاً تماماً وخالياً من أي اعتراضات عسكرية أو سحرية. القوافل في طريقها إليكم عبر المسار السري رقم تسعة".
أغلق ليو تشنغ الاتصال والتفت إلى بقية المليارديرات الذين كانوا يتبادلون نظرات القلق والريبة. تنحنحت سيليا هارت، خبيرة التكنولوجيا، وقالت بصوت منخفض: "إنقاذ العينات أمر جيد، لكننا لا نزال نواجه معضلة "ليون". هذا العميل يمتلك الآن وثائق وتسجيلات كافية لكشف وجه أمبريلا الحقيقي أمام المنظمات الدولية. إذا وصلت تلك الأدلة إلى العامة، فلن تنفعنا كل أموال العالم في الهروب من حبل المشنقة. ليون ليس مجرد جندي، إنه شاهد على كل جريمة ارتكبناها في تلك الأقبية".
رد إيثان كروز وهو يمسح العرق عن جبينه: "سيليا محقة. لقد تهاونا كثيراً مع ليون ورفاقه. يجب ألا يسمح لهم بالخروج من شنغهاي أحياء. الأدلة التي يحملها هي بمثابة حكم إعدام لنا جميعاً. ليو، يجب أن تصدر أمراً بتدمير كل شيء يتعلق بذاك العميل فور وصول القوافل إلينا".
على بعد أميال قليلة، كانت شاحنات ضخمة مصفحة تشق طريقها عبر ضواحي شنغهاي المدمرة، محاطة بفيالق من عساكر رؤوس التلفاز الذين كانوا يتحركون بآلية باردة ومنتظمة. داخل الشاحنات، كانت الصرخات المكتومة تنبعث من أنابيب الاختبار العملاقة والحاويات المعدنية التي تضم "تجارب بشرية" مشوهة، نتاج دمج الحبر الأسود بالأنسجة العضوية. كانت الشاحنات تحمل ألواناً تكنولوجية غريبة، وبريقاً أزرق ينبعث من محركاتها التجريبية التي تعمل بطاقة مجهولة.
فجأة، اهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً جعل الشاحنة القائدة تنحرف عن مسارها. توقفت القافلة تماماً، وساد صمت حذر قطعه صوت تمزق معدني مروع. من بين أنقاض المباني المجاورة، اندفع شيء عملاق، كتلة من القوة الخام التي لا تخضع لقوانين الطبيعة. وبحركة واحدة كاسحة، سحق هذا الكيان المجهول ثلاث شاحنات دفعة واحدة، محولاً إياها إلى كتل من الصفيح الممزق الممتزج بالدم الأسود المسال من الحاويات المحطمة.
صرخ القائد العسكري عبر أجهزة اللاسلكي: "هجوم! هجوم من الخلف! أطلقوا النار على كل ما يتحرك!". بدأ الجنود ورؤوس التلفاز بفتح نيران أسلحتهم الثقيلة ونبضاتهم الطاقية نحو الظلام، لكن الرصاص كان يبدو وكأنه يُمتص داخل فراغ لا نهائي. لم يظهر من الكائن سوى ظل ضخم يمتد فوقهم ككابوس حي. وبسرعة تفوق قدرة العين البشرية على الرصد، انقض الكائن على الجنود؛ تقطعت أجسادهم في الهواء، وسُحقت رؤوس التلفاز وكأنها ألعاب زجاجية هشة. في دقيقتين فقط، تحولت القافلة التي كانت تحمل مستقبل أمبريلا إلى مقبرة جماعية صامتة.
لم يلتفت الكائن المجهول إلى الحطام الذي خلفه، بل استدار ببطء نحو الأفق، حيث تلوح الهضبة التي يختبئ فيها المليارديرات. لم يكن شكله واضحاً بفعل سحب الدخان والغبار، لكن وقفته كانت تعكس غضباً قديماً وتصميماً لا يلين. بدأ الكائن بالتحرك بخطوات ثقيلة وموزونة، متجهاً مباشرة نحو مقر المليارديرات، تاركاً خلفه دماراً شاملاً ورسالة صامتة بأن الحساب قد اقترب، وأن جدران المخبأ الحصينة لن تكون سوى توابيت لمن بداخلها.
على الجبهة الأخرى من ساحة المعركة، حيث كانت أنقاض المباني لا تزال تنضح بالحرارة المنبعثة من الصدام الكوني، استندت مونو إلى جدار منهار وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما كان ميليوداس يمسح الغبار عن درعه بنظرات قلقة. كانت الأجواء هادئة بشكل مريب بعد تلك العاصفة التي أحدثتها كابتن مارفل. نيرو، التي كانت تجلس على الأرض ووجهها شاحب كالأموات، كانت تضع يديها على صدرها في محاولة يائسة لاستعادة توازن طاقتها؛ فقد استنزفت كل ذرة من "المانا" الخاصة بها لتبقي على "ختم الإغلاق الكامل" الذي جمد كارول دانفرز.
قالت مونو بنبرة قلقة وهي تنظر إلى نيرو: "هل أنتِ بخير؟ لقد كان جهداً انتحارياً، لم أرَ أختامكِ تستهلككِ بهذا الشكل من قبل".
ردت نيرو بصوت واهن بالكاد يُسمع: "تلك المرأة.. طاقتها ليست بشرية، إنها تشبه النجوم المستعرة. الختم يترنح يا مونو، لا يمكنني إبقاؤها محبوسة لوقت طويل، فكل نبضة من قوتها تضرب جدران السجن السحري من الداخل كالمطرقة. أنا أتآكل مع كل ثانية تمر".
تدخل ميليوداس وهو ينظر نحو الأفق البعيد حيث تقع شنغهاي: "لقد فعلتما ما يكفي لتأمين الانسحاب. لكن السؤال الذي يؤرقني الآن هو: أين ني يان؟ وهل نجح غوست رايدر في إخراج بروس بانر من ذاك الجحيم؟ إذا لم يتحرر الهالك ويتم تأمين بانر، فإن كل هذه التضحيات ستذهب سدى".
أجابت مونو وهي تنهض بصعوبة، ممدة يدها لنيرو لتساعدها على الوقوف: "ني يان قوي، والعدالة التي يحملها تجاه أخته ستجعله يمزق الحديد بأظافره. لكننا لا نستطيع الانتظار هنا لنعرف النتيجة. يجب أن ننهي ما بدأناه. المليارديرات هم الرأس المدبر لكل هذا البلاء، وطالما هم أحياء في مخبئهم، فإن أمبريلا ستظل تنمو كالفطر السام".
نظرت مونو إلى نيرو بجدية وأضافت: "نيرو، اسمعيني جيداً. جسدكِ البشري الآن عبء عليكِ. طاقتكِ في الحضيض. حولي نفسكِ إلى طائر، لا تستهلكي مانا إضافية في المشي أو الحفاظ على هذا المظهر. اجلسي في جيبي واستريحي، دعينا نحملكِ نحن إلى المعركة القادمة".
أومأت نيرو برأسها بضعف، وفي ومضة سحرية خافتة، تلاشت هيئتها البشرية لتحل محلها عصفورة سوداء صغيرة ذات عيون حمراء متعبة. طارت نيرو بجهد واستقرت داخل جيب معطف مونو الأصفر. تنفست مونو الصعداء ثم نظرت إلى ميليوداس وقالت: "هيا بنا، المخبأ لا يبعد كثيراً، ويجب أن نصل قبل أن يستعيد العدو أنفاسه". انطلق الاثنان بخطوات سريعة وحذرة عبر الطرقات الجانبية، متجهين نحو المقر الحصين للمليارديرات.
وفي تلك الأثناء، أمام البوابة الرئيسية الضخمة للمخبأ السري، كان المشهد يقطر رعباً. خلف الأبواب الفولاذية المعززة، كان المئات من جنود النخبة وعساكر رؤوس التلفاز قد اصطفوا في تشكيلات قتالية، موجهين فوهات بنادقهم الليزرية وقاذفات القنابل نحو المدخل. كان ليو تشنغ قد أعطى أوامر صريحة بصهر أي شيء يحاول العبور.
فجأة، دوى صوت انفجار معدني لم يسبق له مثيل. لم يكن مجرد انفجار، بل كان صوتاً يشبه تحطم جبل من الصلب. الباب الرئيسي الذي صُمم ليتحمل ضربات نووية، ثُقب حرفياً وتناثرت أشلاؤه كشظايا ورق في وجوه الجنود المرعوبين. وسط الدخان الكثيف والغبار المعدني، برز كائن لم يكن بشرياً ولا آلة، بل كان تجسيداً للكوابيس التي ظنوا أنهم دفنوها.
كان المخلوق يتخذ وضعية الزحف، مرتكاً على أطرافه الأربعة بشكل يوحي بوحشية كاسرة. أطرافه الأمامية كانت طويلة بشكل غير متناسق، ضخمة وعضلية لدرجة مرعبة، تنتهي بمخالب غرست نفسها في الأرضية الرخامية للممر. كان جلده مشوهاً، بلون وردي قاني يميل للحمرة، يشبه اللحم الذي سُلخ عنه الجلد تماماً، وتبرز منه نتوءات عظمية حادة وأشواك كلسية خرجت من ذراعيه وظهره وكأنها سهام نمت من داخل جسده.
لم يكن له وجه بالمعنى المعروف؛ فمه كان مفتوحاً بشكل دائم في صرخة صامتة مرعبة كشفت عن أسنان محطمة ولثة دامية، ولم تكن هناك عيون ظاهرة، مما جعله يبدو ككيان يقوده الحقد الصرف والحواس المار ورائية. كانت الأربطة القماشية السوداء الممزقة لا تزال تلتف حول معصميه وساقيه، بقايا قيود قديمة لم تستطع احتواء قوته، بينما تدلت خيوط سوداء كثيفة تشبه الشعر الملبد من تحت صدره وظهره، ترفرف مع كل فحيح يخرج من جوفه.
تراجع الجنود في الصفوف الأمامية، وسقطت الأسلحة من يد أحدهم وهو يهمس برعب: "مستحيل.. لقد أخبرونا أنه دُمر في المختبر.. لقد قالوا إن باكي بارنز والنميسيس سقطا معاً".
لكن الحقيقة كانت أبشع من ذلك. كان هذا هو "النميسيس"، لكن ليس كما عرفوه. بعد هزيمته السابقة، خضع لعملية تحول بيولوجي قسري وتجدد خلوى مشوه، ليتحول من سلاح مبرمج إلى وحش هائج لا يعرف الصديق من العدو. زأر النميسيس زئيراً هز جدران المخبأ، واندفع نحو حشود الجنود بسرعة البرق، محولاً القاعة الفاخرة في لحظة واحدة إلى مسلخ بشري يضج بصرخات الموت.
كانت الردهة الرئيسية للمخبأ السري تغلي بضجيج لا يشبه أي شيء سمعته آذان المليارديرات من قبل، حيث اختلط أزيز الرصاص المتفجر بصرخات الرعب وصوت ارتطام الأجساد بالجدران المعدنية. وسط هذا الجحيم، كان النميسيس المشوه يتحرك كإعصار من اللحم والصلب؛ لم يكن مجرد سلاح بيولوجي، بل أصبح كياناً يرفض الموت، يتلقى ضربات بنادق البلازما في صدره المفتوح وكأنها مجرد وخزات إبر،
بينما كانت جروحه تلتحم في أجزاء من الثانية مصدرة فحيحاً مقززاً. صرخ قائد الحرس وهو يفرغ مخزن بندقيته بالكامل في رأس الوحش: "أطلقوا كل ما لديكم! استخدموا القنابل الحارقة! لا تدعوه يقترب من المصاعد!". لكن النميسيس لم يتراجع، بل اندفع بوضعية الزحف المرعبة، مخترقاً صفوف الجنود كما يخترق السكين الزبدة، محولاً أجسادهم المدرعة إلى أشلاء متناثرة تحت وطأة مخالبه الضخمة التي كانت تضرب الأرض بقوة زلزالية تجعل السقف الخرساني يتشقق فوق رؤوسهم.
داخل غرفة الاجتماعات الفخمة، كانت الشاشات تنقل هذه المذبحة بدقة عالية، وكان الارتجاف قد وصل إلى ذروة لا يمكن إخفاؤها في أيدي المليارديرات. ضرب فيكتور راموس الطاولة بكل قوته، لكن صوته هذه المرة لم يكن يحمل الغضب بقدر ما كان يحمل رعباً خالصاً وهو يصيح: "ليو! هذا الشيء الذي صنعته مختبراتك سيقتلنا جميعاً قبل أن تصل مركبة الأمير! انظر إلى الجدران، انظر إلى الاهتزازات! المخبأ يتحطم حرفياً، الهندسة التي دفعنا فيها المليارات تنهار أمام هذا المسخ!".
رد ليو تشنغ وهو يحدق في الشاشة بعينين جاحظتين، وقد بدا شاحباً كالجثث: "أنا لا أفهم.. لقد تمت برمجته ليكون مطيعاً، لقد تم تصميم نظام استعادة السيطرة ليعمل تحت أي ظرف! لكنه الآن يتصرف وفق غريزة تدميرية لم نشهدها من قبل. هذا التطور البيولوجي تجاوز كل حساباتنا، إنه يمتص طاقة الأسلحة ليغذي نمو أنسجته!".
نهضت زارا خان من مقعدها وهي تتراجع نحو الخلف، وقالت بصوت متهدج: "المكان ينهار يا ليو، هل تسمع هذا الصوت؟ إنه تآكل الهيكل المعدني للمخبأ. إذا استمر هذا القتال لدقائق أخرى، فإن الجبل سيهبط علينا ويحولنا إلى حطام تحت آلاف الأطنان من الصخور. يجب أن نغادر الآن، يجب أن نفتح مخرج الطوارئ المؤدي إلى المهبط العلوي!".
صرخ إيثان كروز بمقاطعة حادة: "وإلى أين نذهب؟ الخارج ليس آمناً، والنميسيس يسيطر على الممرات الرئيسية! نحن محاصرون في تابوت من صنع أيدينا!".
في تلك اللحظة، اهتزت الغرفة اهتزازاً عنيفاً أدى إلى سقوط النجف الكريستالي الفاخر وتحطمه فوق الطاولة الرخامية، وتصاعد غبار أبيض من سقف الغرفة مع ظهور شقوق طولية في الجدران المدعمة. كان النميسيس قد انتهى للتو من إبادة آخر فصيل من حرس النخبة في الممر المؤدي لغرفة الاجتماعات، ووقف فوق تلة من الجثث، يزفر بخاراً أحمر من فمه المفتوح دوماً. رفع الوحش رأسه المشوه نحو كاميرا المراقبة، وكأنه يرى المليارديرات خلف الشاشة، ثم أطلق صرخة هزت أركان المخبأ بالكامل، صرخة لم تكن تحمل صوتاً آدمياً، بل كانت نداءً للموت الذي بدأ يطرق أبوابهم الحصينة بقبضة من حديد، بينما بدأت أنظمة الإنذار في المخبأ تطلق صفاراتها الحمراء معلنة عن انهيار وشيك في هيكل الجبل المحيط بهم.
بينما كانت رائحة البارود والدخان تخنق هواء شنغهاي الثقيل، كان مونو وميليوداس يتقدمان بخطى حثيثة فوق حطام الأسفلت نحو الهضبة التي تحتضن مخبأ الطغاة. فجأة، توقفت مونو عن الركض واتسعت عيناها بذهول وهي تبصر مجموعة من الظلال المألوفة تبرز من خلف مبنى منهار. لم تكن مجرد ظلال، بل كان أكيهيكو يقف مستنداً إلى سيفه، وبجانبه ليون الذي بدت عليه آثار إجهاد ومعارك طاحنة، وريبيكا، وجيل، بالإضافة إلى جو يون وهاي يونغ اللذين كانا يتمسكان ببعضهما البعض، وخلفهم كان غوست رايدر، الشبح الراكب، الذي لا يزال جسده ينضح بلهيب خافت من بقايا قتاله الأخير.
انطلقت مونو كالسهم نحو أكيهيكو، وفي لحظة غلبت فيها العاطفة على قسوة الميدان، أرخت دفاعاتها وارتمت في حضنه معانقة إياه بقوة، وقالت بصوت مخنوق بالراحة والخوف: "أكيهيكو! لقد كنا نبحث عنك في كل زقاق من هذا الجحيم.. ظننا أننا فقدناك في تلك الانفجارات".
أغمض أكيهيكو عينيه للحظة، مربتاً على كتفها بيده المرتجفة، ورد بصوت هادئ يحمل مرارة المعاناة: "أعتذر يا مونو.. لقد كانت الأمور أعقد مما نتخيل. لقد واجهنا كوابيس لا تنتهي تحت هذه الأرض".
في تلك اللحظة، تحركت نيرو، العصفورة السوداء الصغيرة، من جيب مونو ومدت رأسها الصغير، ونطقت بصوتها البشري الرقيق الذي يملؤه التساؤل والاضطراب: "أين ني يان؟ وأين بروس بانر؟ هل نجحت الخطة؟". التفتت بنظراتها الحادة نحو غوست رايدر الذي وقف بصمت جنائزي، وسألته مباشرة: "أيها الشبح، أخبرنا بما حدث لني يان، لقد كنت معه في العربة!".
تنهد غوست رايدر، وصدر من جوفه صوت يشبه حفيف الرماد المشتعل، ورد بوقار حزين: "لا أعرف يا نيرو. في خضم المعركة الكونية ضد كابتن مارفل، تلقيت ضربة قذفت بي بعيداً عن موقع العربة لأميال. عندما استعدت توازني، كان الغبار قد غطى كل شيء، واضطررت للانسحاب لتأمين بقية الفريق. لقد تركت ني يان يواجه مصيره داخل الحطام، ولا أعلم إن كان قد نجح في تحرير بانر أم وقعا في الأسر مجدداً".
بدأ أكيهيكو يشرح لهما بإيجاز مأساوي ما مروا به في المجارير وسكك الحديد، وكيف تكاتفوا لإسقاط النميسيس وباكي بارنز في معركة استنزفت أرواحهم. ومع انتهاء حديثه، ساد صمت قصير قطعه ميليوداس الذي قال بلهجة حازمة: "لا وقت للمزيد من الكلام. إذا كان ني يان لا يزال حياً، فهو بالتأكيد داخل ذلك المخبأ. نحن ذاهبون لتصفية الحساب مع المليارديرات، ومن الأفضل أن نتحرك ككتلة واحدة".
اتفق الجميع وانطلقوا سوياً، يشكلون جبهة موحدة تضم السحر، والعلم، والقوة الشيطانية، والعدالة الأرضية. وبينما هم يقتربون من مدخل الهضبة، شق صمت المكان زئير وحشي، عميق ومزلزل، انبعث من أعماق الأرض. كان صوتاً لا ينتمي لأي كائن طبيعي، زئير يملؤه الحقد الصرف والألم المتجدد. تبادلوا نظرات القلق؛ فهم لم يعلموا بعد أن خصمهم القديم قد عاد بهيئة أكثر بشاعة.
وعندما وصلوا أخيراً إلى البوابة الرئيسية للمقر، تسمروا في أماكنهم من هول المشهد. لم تكن البوابة قد فُتحت، بل كانت ممزقة كأن وحشاً معدنياً قد نهشها. جثث الجنود كانت تملأ الممر الرئيسي، بعضها قُطع لنصفين، وبعضها سُحق داخل دروعه الفولاذية. وسط هذا المسلخ البشري، رأوا لأول مرة الكائن الذي أحدث كل هذا الدمار.
كان النميسيس يقف بوضعيته الجديدة المتوحشة، يزحف على أطرافه الطويلة المشوهة، وجلده الوردي النابض بالعضلات يقطر دماً أسود. صرخت جيل وهي ترفع سلاحها بذهول: "مستحيل! هذا الشيء.. كيف عاد بهذه السرعة؟ وكيف تحول إلى هذا المسخ؟". تجمد الجميع أمام مشهد النميسيس الذي لم يعد يرتدي سوى بقايا الضمادات السوداء، بينما كانت النتوءات العظمية تخرج من ظهره كأنها أنياب تنمو في الاتجاه الخاطئ. لقد كان الخصم الذي ظنوا أنهم هزمهوه ينتظرهم الآن في عقر دار أعدائهم، مستعداً لتمزيق الصديق والعدو على حد سواء.
زأر النميسيس زئيراً شق سكون الردهة الموحشة، واندفع نحوهم بوضعية الزحف المرعبة التي جعلته يبدو كعنكبوت من اللحم المفروم والعظام الناتئة. لم ينتظر ميليوداس أن يقترب الوحش أكثر؛ فقد غلف قبضة يده بهالة سوداء خافتة،
وفي لمح البصر، اندفع للأمام موجهاً لكمة حطمت حاجز الصوت، ارتطمت مباشرة بجمجمة النميسيس المشوهة. كانت قوة الضربة هائلة لدرجة أن رأس الوحش انفجر تماماً وتطايرت أشلاؤه الورقية والعظمية في الهواء، وسقط الجسد الضخم على الأرض محدثاً ارتجاجاً في البلاط الرخامي. ساد صمت قصير ظن فيه الجميع أن المعركة قد حسمت، لكن ميليوداس لم يرخِ دفاعه، بل تراجع خطوة للخلف وعيناه تراقبان الجسد الساكن بحذر.
فجأة، بدأت الأنسجة الممزقة عند الرقبة في الغليان، وانبثقت منها خيوط عضلية نابضة بدأت تنسج رأساً جديداً في ثوانٍ معدودة، وأطلقت العظام فحيحاً وهي تنمو وتتخذ شكل الفك المفتوح من جديد. قال ميليوداس بنبرة محبطة: "تباً.. إن خلاياه تتجدد أسرع من قدرتي على سحقها. هذا الكائن لم يعد مجرد آلة قتل، لقد أصبح كتلة من المادة الحيوية التي ترفض الفناء".
حاولت مونو التدخل، فرسمت في الهواء دائرة سحرية ذهبية صغيرة، وأطلقت منها رماحاً من الطاقة نحو صدر النميسيس، لكن الرماح كانت باهتة وضعيفة. ارتطمت الهجمة بجسد الوحش ولم تترك سوى خدوش سطحية تلاشت في لحظتها. ترنحت مونو وسعلت بجهد، هامسة بمرارة: "جسدي يرفض الاستجابة.. تلك المعركة ضد كارول استنزفت ماني بالكامل، بالكاد أستطيع الحفاظ على وعيي".
تحرك أكيهيكو غريزياً، محاولاً استجماع قواه وتفعيل "تنفس البرق: الشكل الأول"، لكن شرارات البرق التي اعتادت أن تغلف سيفه كانت تخبو وتنطفئ قبل أن تتشكل. سقط أكيهيكو على ركبة واحدة وهو يلهث، وسيفه يرتجف في يده، بينما كان غوست رايدر يقف بجانبه ونيرانه الجهندية قد انطفأت تقريباً، محولةً رأسه العظمي إلى اللون الرمادي الباهت من فرط الإجهاد.
تقدم ليون بخطوات ثابتة، واضعاً يده على كتف أكيهيكو، والتفت إلى غوست رايدر وقال بصوت يملؤه الهدوء التكتيكي: "جوني، اسمعني جيداً. أنت في حالة لا تسمح لك بالقتال المباشر ضد هذا المسخ، لكنك لا تزال أسرعنا في المناورة. خذ أكيهيكو، وخذ نيرو في جيب مونو، واحمل جو يون وهاي يونغ. هؤلاء الأربعة في أضعف حالاتهم الآن وبقاؤهم هنا يعني موتهم. انطلق بهم عبر الممرات الفرعية بعيداً عن هذا الممر الرئيسي. ابحث عن طريق يوصلكم إلى الطوابق العليا حيث يختبئ المليارديرات. مهمتكم هي الوصول لليو تشنغ ورفاقه وإنهاء هذا العبث من المنبع، بينما نحن سنبقى هنا".
نظرت إليه مونو بعينين يملؤهما القلق وسألت: "وماذا عنكم؟ كيف ستقفون أمام وحش لا يموت وأنتم لا تملكون قوى سحرية أو شيطانية
ابتسم ليون ببرود قتالي وهو ينحني ليلتقط بندقية بلازما متطورة من يد جندي ميت، بينما كانت جيل وريبيكا تفعلان الشيء نفسه، وتفحصان مخازن الطاقة في الأسلحة الفضائية التي تركها عساكر لاندفول خلفهم. تفقدت جيل سلاحها وقالت وهي تصوب نحو النميسيس الذي بدأ ينهض من جديد: "مونو، القوى الخارقة ليست هي الطريقة الوحيدة لقتل الوحوش. نحن نقاتل هذه الأشياء منذ سنوات في مختبرات أمبريلا وأزقة "راكون سيتي". التعامل مع الأسلحة البيولوجية المشوهة هو تخصصنا، وهذه البنادق تمتلك طاقة حرارية قادرة على كي الأنسجة ومنعها من التجدد".
أضافت ريبيكا وهي تلقم قاذفة قنابل صغيرة: "اذهبي معهم يا مونو، ميليوداس سيحمينا بقوته الجسدية بينما نتولى نحن تمزيق خلاياه بهذه الأسلحة. ليون محق، يجب أن يصل أحدكم إلى ليو تشنغ قبل أن ينهار المخبأ فوق رؤوسنا جميعاً".
أومأ غوست رايدر برأسه، وبحركة سريعة جمع المصابين والضعفاء، وانطلق بهم مخلفاً وراءه أثراً خفيفاً من الدخان، بينما وقف ليون وجيل وريبيكا في خط دفاعي واحد أمام النميسيس الذي أطلق صرخة مدوية واستعد للاندفاع. سحب ليون أمان السلاح وقال بصوت أجش: "حسناً أيها القبيح.. دعنا نرى كم رأساً يمكنك أن تنبت قبل أن ينفد وقودنا".
زأر النميسيس زئيراً اهتزت له أعمدة الردهة الرخامية، واندفع نحوهم بوضعية الزحف التي منحته سرعة هجينة لا تتناسب مع ضخامة جسده المشوه. صرخ ليون بنبرة قتالية حازمة: "تفرقوا الآن! جيل، الجهة اليسرى، ريبيكا، وفري التغطية من الخلف!". وبحركة احترافية غاية في السلاسة، انشطر الفريق لثلاثة اتجاهات في اللحظة التي ضربت فيها مخالب النميسيس الأرضية التي كانوا يقفون عليها قبل ثانية واحدة، محطمة الرخام إلى شظايا متطايرة كالقذائف.
أطلق ليون العنان لبندقية البلازما التي استولى عليها، فانطلقت نبضات ضوئية زرقاء مكثفة اخترقت كتف النميسيس، مما أدى إلى تفحم الأنسجة العضوية فوراً. لم يكن الرصاص العادي يؤثر، لكن هذه الطاقة الحرارية العالية كانت تمنع الخلايا من الاندماج بسرعة. صاحت جيل وهي تفرغ مخزن بندقيتها في ساق الوحش الخلفية: "ليون، إنه لا يشعر بالألم، انظر إلى أعصابه المكشوفة، إنها تتحرك لتعويض النقص في التوازن!". وبالفعل، رغم تفحم جزء من ساقه، انزلق النميسيس بحركة لولبية وحاول ضرب جيل بطرف ذراعه الطويل، لكنها دحرجت جسدها تحت ذراعه ببراعة فائقة، ملقمة مخزناً جديداً وهي في وضعية الحركة.
صاحت ريبيكا من موقعها الخلفي: "إنه يركز على ليون! سأحاول تشتيت حواسه!". أطلقت قنبلة صوتية من القاذفة التي تحملها، فانفجرت عند رأس الوحش المشوه بوهج أبيض وضجيج تردد صداه في الممرات. ترنح النميسيس، واهتز رأسه الذي لا يحمل عيوناً، وبدأ يضرب الهواء بعشوائية. استغل ليون هذه الثغرة واندفع للأمام، غارساً نصل سكين القتال في الفجوة النابضة عند رقبة الوحش، ثم أفرغ شحنة بلازمية كاملة من مسدسه اليدوي في قلب الجرح.
صاح ليون وهو يقفز متراجعاً لتجنب رد فعل الوحش العنيف: "جيل، الآن! صوبي نحو الأربطة السوداء عند معصميه، يبدو أنها القيود التي تحفظ تماسك هيكله العظمي!". لم تتردد جيل ثانية واحدة، فأطلقت وابلاً من الطلقات المركزة التي قطعت الأنسجة الرابطة، مما جعل ذراع النميسيس تتدلى بشكل غير طبيعي. ومع ذلك، وبشكل يثير الرعب، بدأت خيوط سوداء تشبه الشعر الملبد في الخروج من تحت صدره لتلتف حول الذراع المخلوعة وتعيدها إلى مكانها بقوة ميكانيكية حيوية مقززة.
قالت ريبيكا وهي تلهث وتغير موقعها لتجنب حطام سقف سقط بفعل اهتزازات المخبأ: "هذا الشيء يتطور أثناء القتال! كلما أحرقنا جزءاً، قام النظام البيولوجي داخله بابتكار وسيلة ربط جديدة. ليون، البلازما تنفد، يجب أن نجد وسيلة لإيقاف قلبه المكشوف أو تدمير النخاع الشوكي الظاهر على ظهره!".
رد ليون وهو يمسح الدماء عن جبهته بفعل شظية أصابته: "سنستمر في تمزيقه حتى لا يتبقى منه ما يرمم نفسه. جيل، استخدمي القنابل الحارقة التي على أحزمة الجنود القتلى، سنصنع طوقاً من النيران حوله لتقليل سرعة تجدده!". استدارت جيل بسرعة، وبدأت في جمع القنابل وتوزيعها ببراعة، بينما كان النميسيس يزحف ببطء، محاولاً حصرهم في زاوية الردهة المنهارة.
تراجع الثلاثة بخطوات محسوبة، مشكلين مثلثاً دفاعياً لا يخترق، والنميسيس أمامهم يطلق فحيحاً مرعباً مع كل محاولة فاشلة للانقضاض. كانت أصوات انفجارات البلازما ووهج النيران يعكسان وجوهاً صلبة لا تعرف الاستسلام، وجوه جربت الموت في مختبرات أمبريلا من قبل، وتعرف أن خلف هذا الوحش يختبئ ثمانية رجال يجب أن يدفعوا الثمن. صاح ليون بكلمته الأخيرة قبل أن يشنوا الهجوم المنسق التالي: "لا تتراجعوا.. اليوم تنتهي أسطورة النميسيس، وينتهي معها كابوس أمبريلا!".
بينما كان المليارديرات الثمانية يرتجفون داخل قاعة الاجتماعات، وتصطك أسنانهم رعباً من صرخات النميسيس التي كانت تقترب من أبوابهم، ساد صمت مفاجئ قطعه كاكيوين الذي كان يقف ببرود مستنداً إلى الجدار. رفع كاكيوين يده مشيراً إلى رادار المراقبة، وقال بنبرة هادئة بثقت في نفوسهم بصيصاً من الأمل الزائف: "اهدأوا أيها السادة، الخوف لا يليق بأصحاب المليارات. انظروا إلى الرادار، هناك جسم غريب قد اخترق المجال الجوي للمدينة بسرعة تتجاوز كل المقاييس الفيزيائية المعروفة".
وعلى الشاشة العملاقة، ظهرت ومضة خضراء ساطعة تشق سماء شنغهاي الملبدة بالدخان، مركبة ذات تصميم فضائي غريب، تتخذ شكل جذع شجرة عملاق ومصفح، تندفع نحو الهضبة كأنها نيزك هابط من الجحيم. وفجأة، ودون سابق إنذار، انبعث شعاع أخضر مكثف من مقدمة المركبة، اخترق المسافات في أجزاء من الثانية ليصطدم بالواجهة الزجاجية للمخبأ. دوى انفجار هائل، وتناثر الزجاج المصفح كالغبار فوق رؤوس المليارديرات الذين انبطحوا أرضاً بصراخ وعويل. صرخ فيكتور راموس وهو يمسح الغبار عن وجهه: "إنها مركبة ماركو! بليك إيثر قد وصل!".
خطى كاكيوين بضع خطوات نحو الفجوة التي أحدثها الشعاع في الجدار، وتطاير شعره الأحمر مع الرياح العاتية التي دخلت المقر. قال بصوت بارد: "لن أسمح لهذا الحطام الفضائي بالوصول إلى هنا. سأقطع أجنحتهم قبل أن يلمسوا تراب هذه الهضبة". وبحركة رشيقة، استدعى "هيروفانت جرين" الذي انبثق من خلفه كظل ميكانيكي أخضر، وبدأ كاكيوين يتحرك بسرعة مذهلة عبر خيوط المانا الدقيقة التي نسجها في الهواء، مندفعاً من المخبأ مباشرة نحو المركبة المسرعة في السماء.
داخل المركبة، كان بليك إيثر يمسك بمقود التحكم بجانب ماركو وبابادوك، بينما كان "قط الكذب" يجلس في الزاوية يراقب المشهد بصمت. فجأة، اهتزت المركبة بعنف وانحرفت عن مسارها، وسمعوا صوت تمزق معدني من السطح العلوي. صرخ ماركو: "بليك! هناك شيء يشدنا للأسفل، الخيوط تلتف حول المحركات!".
في تلك اللحظة، ظهر كاكيوين فوق سقف المركبة، واقفاً بفخامة طاغية، وقد بدأت خيوط هيروفانت جرين تتوهج باللون الزمردي وهي تتهيأ لتقطيع هيكل السفينة إلى أجزاء. لكن بليك لم يمهله ثانية واحدة؛ فبلمحة من عينه الخضراء المتوهجة، فتح بوابة سحرية سوداء صغيرة أمام كاكيوين مباشرة. خرج بليك من البوابة كالبرق، ووجه لكمة مغلفة بطاقة المانا الصافية، اصطدمت بوجه كاكيوين بقوة دفعته للتحليق في الهواء بعيداً عن السفينة، ليسقط بسرعة نحو الشوارع الرئيسية في شنغهاي.
التفت بليك نحو ماركو وبابادوك عبر فتحة السقف، وصاح بصوت جهوري وسط ضجيج المحركات: "ماركو! بابادوك! استمرا في طريقكما نحو المخبأ، لا تتوقفا مهما حدث! سأهتم أنا بهذا القناص ذو الشعر الأحمر، سألقاكم في الداخل!".
دون انتظار رد، قفز بليك من فوق المركبة، هاوياً خلف كاكيوين بوضعية فخمة تعكس نموه وتطوره خلال المعارك السابقة، بينما استعادت مركبة "الجذع" توازنها وأكملت اندفاعها نحو نافذة المليارديرات المفتوحة. هبط بليك على الأرض المقابلة لكاكيوين الذي كان قد استعاد توازنه في الهواء وهبط ببراعة على قدميه وسط الطريق المهجور.
وقف الخصمان وجهاً لوجه؛ بليك بمعطفه الأسود الذي ترفرف أطرافه، وكاكيوين بابتسامته المتغطرسة وهيروفانت جرين الذي يلتف حوله. قال كاكيوين وهو يمسح قطرة دم من شفته: "بليك إيثر.. لقد تطورت قليلاً منذ هروبك المهين من المخبأ، لكنك لا تزال مجرد طفل يلعب بكتاب لا يفقه أسراره".
رد بليك وهو يسحب سيفه الفضي من العدم، وعينه اليمنى تومض ببريق أخضر مخيف: "كاكيوين، لقد انتهى وقت الاختباء خلف الخيوط. جئت اليوم لأستعيد ما سرقتموه، ولأعلمك أن الستاند الخاص بك لن يحميك من غضبي هذه المرة. سأمزق شبكتك خيطاً خيطاً حتى أتصل بعنقك".
كانت شوارع شنغهاي المهجورة والمليئة بآثار القتال السابق تشكل مسرحاً كئيباً للمواجهة التي طال انتظارها. وقف بليك إيثر ممسكاً بسيفه الفضي بقبضة واثقة، بينما كان كاكيوين يتلاعب بخيوط المانا ببرود، وعيناه تراقبان كل حركة تصدر عن بليك. لم يدم الصمت طويلاً، إذ اندفع بليك فجأة كالسهم، مشقاً الهواء بسيفه في ضربة أفقية استهدفت عنق كاكيوين، لكن الأخير لم يرمش له جفن. بلمحة بصر، انطلق "هيروفانت جرين" من خلف كاكيوين، وبحركة ميكانيكية دقيقة، نسج شبكة من الخيوط الزمردية الصلبة التي اعترضت نصل السيف قبل وصوله بسنتيمترات قليلة.
ارتد بليك للخلف بصعوبة، لكن كاكيوين لم يتركه يلتقط أنفاسه؛ فقد استخدم خيوط الستاند كركائز وخطافات، وبدأ يتحرك في الهواء بطرق غير تقليدية، يقفز من واجهة مبنى إلى عمود إنارة ثم يلتف في زوايا مستحيلة تجعل من الصعب تحديد موقعه القادم. قال كاكيوين وهو يحلق فوق رأس بليك بحركة دائرية رشيقة: "لقد قلت لك سابقاً يا بليك، سحرك بدائي أمام قوة الستاند. أنت تحاول قطع الهواء بسيفك،
بينما أنا أسيطر على الفضاء الذي تتحرك فيه. خيوطي ليست مجرد فخاخ، بل هي امتداد لحواسي، وأنت الآن تتحرك داخل شبكتي تماماً كذبابة وقعت في فخ العنكبوت".
حاول بليك توجيه سلسلة من الطعنات المتتالية، لكن في كل مرة كان كاكيوين ينزلق بمرونة غريبة، مستخدماً خيوطه لرفع جسده أو سحبه بعيداً في اللحظة الأخيرة، مما جعل بليك يضرب الفراغ مراراً وتكراراً. شعر بليك بالعرق يتصبب على جبينه، وأدرك أن الاعتماد على البصر في مواجهة خصم يتحرك بهذا الأسلوب غير المنطقي هو انتحار محقق. أغمض بليك عينيه للحظة، مستحضراً ذكرى تدريباته القاسية مع "ويش" في بحيرة الدموع الأبدية، وبدأ يسحب أنفاساً عميقة ومنتظمة، مفجراً تقنية "تنفس الصوت" في أعماق وعيه.
تلاشت صور الشوارع المحطمة من ذهن بليك، وحل محلها عالم من الموجات والترددات. بدأ يسمع حفيف خيوط الزمرد وهي تشق الهواء، وصدى خطوات كاكيوين على جدران المباني، واهتزاز ذرات الغبار حول الستاند الأخضر. تحول الضجيج إلى خريطة صوتية ثلاثية الأبعاد في عقله. وفجأة، ودون أن يفتح عينيه، انحنى بليك بجسده لليسار متجنباً خيطاً قاتلاً كان يستهدف قلبه، ثم اندفع للأمام في توقيت مثالي.
كان كاكيوين يحاول الالتفاف خلف بليك ليوجه ضربة "سبلاش الزمرد"، لكنه فوجئ ببليك وهو يتحرك نحو نقطة هبوطه القادمة قبل أن يصل إليها. فتح بليك عينيه التي توهجت ببريق أخضر حاد، وصاح بنبرة ملؤها التصميم: "لقد انتهت لعبة الغميضة يا كاكيوين! أنا لا أحتاج لرؤيتك لأعرف أين ستكون!". وبحركة سريعة ومفاجئة، غلف بليك نصل سيفه بطاقة صوتية مركزة، ووجه ضربة صاعدة اخترقت دفاعات الخيوط الزمردية.
أطلق السيف رنيناً حاداً عند اصطدامه بكتف كاكيوين، مما أدى إلى تمزيق نسيج بدبته الفاخرة وإحداث جرح غائر تدفقت منه الدماء لأول مرة. ترنح كاكيوين وتراجع للخلف عدة أمتار، واضعاً يده على جرحه وعلامات الدهشة والغيظ ترتسم على وجهه الشاحب. قال كاكيوين وهو يلهث بصعوبة: "كيف.. كيف استطعت قراءة مساري؟ لم يتجرأ أحد على لمسي بهذه الطريقة منذ وقت طويل".
رد بليك وهو يعيد سيفه لوضعية الاستعداد، وجسده ينبض بطاقة تنفس الصوت: "لقد علمتني المعاناة أن العيون قد تخدع صاحبها، لكن الإيقاع لا يكذب أبداً. جرحك هذا هو مجرد البداية، سأستمر في تتبع نغمات موتك حتى أقطع كل خيط يربطك بهذا العالم المظلم".
لم ينتهِ القتال عند هذا الحد، بل كانت ملامح الغضب تبدأ في الظهور على وجه كاكيوين، الذي بدأ ينسج شبكة أوسع وأكثر تعقيداً من الخيوط الزمردية حول الشارع بأكمله، مستعداً لتحويل المنطقة إلى ساحة قتل لا مفر منها. تراجع كاكيوين خطوة للظلال، وقال بصوت منخفض وخطير: "إذا كنت تريد الرقص على إيقاع الموت، فليكن ذلك.. سأريك أن هيروفانت جرين لديه سموم لا تستطيع حواسك سماعها".
اتسعت حدقتا كاكيوين وهو يرى بقعة الدماء على كتفه، وتغيرت ملامحه من البرود الأرستقراطي إلى غضب مكتوم جعل عروق جبهته تبرز بوضوح. تراجع بخطوات سريعة إلى الخلف بينما كان "هيروفانت جرين" يلتف حوله كأفعى ميكانيكية ضخمة، وبدأ الكيان الأخضر في تجميع طاقة هائلة في تجاويف يديه التي تشبه الأنابيب الملتوية. قال كاكيوين ونبرة صوته تزداد حدة: "لقد تجاوزت حدودك يا بليك إيثر. تظن أن خدعة صوتية بسيطة ستنقذك من المدى المطلق لمقدرتي؟ سأغرق هذا الشارع في جحيم لا يمكنك الهروب منه حتى لو امتلكت ألف أذن!".
بلمحة بصر، صرخ كاكيوين بملء فمه: "رذاذ الزمرد! (Emerald Splash)!"، وفي تلك اللحظة، انفجرت يدا هيروفانت جرين بإطلاق وابل لا ينتهي من جواهر الطاقة الخضراء المتوهجة. لم تكن مجرد طلقات عادية، بل كانت قذائف كريستالية حادة تسير بسرعة البرق، تضرب كل شيء في طريقها. تحطم الأسفلت تحت أقدام بليك، وتمزقت واجهات المحلات المجاورة إلى شظايا زجاجية، وامتلأ الهواء بب
يق أخضر يعمي الأبصار وقوة تدميرية غطت مساحة الشارع بالكامل.
لكن بليك لم يرتعش؛ كان يقف في مركز العاصفة وقد انقطعت صلته بالعالم البصري تماماً. في ذهنه، لم يكن يرى جواهر أو طاقة، بل كان يسمع "سيمفونية" من الترددات الحادة والمزعجة القادمة من كل زاوية. وبفضل "تنفس الصوت"، بدأ بليك يتحرك بحركات إنسيابية تشبه الرقص وسط المطر. كان يحرك رأسه لليمين ليمر الجوهر الزمردي بجانب أذنه بمليمترات، ثم ينحني بجذعه للخلف ليسمح لسحابة من القذائف بالعبور فوق صدره دون أن تلمسه.
صاح بليك وهو يصد القذائف التي لم يستطع تفاديها بنصل سيفه الفضي، مصدراً رنيناً معدنياً متواصلاً: "إيقاع هجومك سريع يا كاكيوين، لكنه مكرر! أسمع الفجوات بين كل رشة وأخرى، أسمع صدى الطاقة وهي تشحن في يد الستاند الخاص بك قبل أن تنطلق!". ومع كل كلمة، كان بليك يتقدم خطوة نحو الأمام، محطماً الجواهر الزمردية بسيفه التي كانت تتناثر كالغبار الأخضر عند اصطدامها بالنصل المغلف بالمانا.
اشتد غيظ كاكيوين وبدأ يطلق الرذاذ بزوايا مختلفة، مستخدماً خيوطه ليعكس مسار الجواهر من الجدران الجانبية لضرب بليك من الخلف، لكن بليك، دون أن يلتفت، رفع سيفه خلف ظهره ليرد القذيفة المنعكسة بدقة متناهية، ثم استدار في حركة دائرية سريعة شقت الهواء.
قال بليك بصوت هادئ ومستقر رغم الضجيج المحيط به: "أنت تعتمد على المسافة لأنك تخشى المواجهة القريبة، لكن في عالم الصوت، المسافة هي مجرد تأخير زمني بسيط أستطيع حسابه. رذاذك الزمردي جميل المنظر، لكنه يفتقر إلى الروح التي تجعل الهجوم غير قابل للصد. هل هذا هو كل ما تمتلكه أمبريلا؟ مجرد جواهر براقة تختبئ خلفها؟".
توقف كاكيوين عن الهجوم للحظة، وساد صمت ثقيل بينما كان الغبار الأخضر يترسب على الأرض. كان هيروفانت جرين لا يزال يشحن طاقته، لكن ملامح كاكيوين أصبحت الآن أكثر جدية وخطورة، وكأنه أدرك أخيراً أن بليك الذي أمامه ليس ذلك الفتى الذي هرب من المخبأ، بل هو محارب تعلم كيف يسمع نبض المعركة الحقيقي.
تراجع كاكيوين خطوة إلى الوراء، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة تحمل في طياتها خُبثاً دفيناً، ونظر إلى بليك الذي كان يظن أنه أحكم قبضته على مجريات القتال. قال كاكيوين بصوت هادئ، لكنه كان يحمل رنيناً موحشاً: "تظن أنك فهمت إيقاعي يا بليك؟ تظن أن هيروفانت جرين هو مجرد سلاح يطلق الجواهر من بعيد؟ لقد ارتكبت خطأً فادحاً حين اعتقدت أن هذا الكيان الأخضر هو مجرد جسد صلب يمكنك رصد حركاته". وفجأة، وبشكل يثير القشعريرة، بدأ جسد "هيروفانت جرين" الميكانيكي يتفكك ببطء، ولم يسقط حطاماً، بل تحلل إلى آلاف الخيوط الرفيعة والمرنة التي بدأت تتمدد وتتلوى في الهواء كأفاعٍ مجهرية، كاشفة عن الشكل الحقيقي والمروع للستاند.
لم يعد هناك جسد واحد ليطارده بليك بسيفه، بل أصبح الهواء من حوله مشحوناً بكتلة من الخيوط المتداخلة التي انتشرت في كل مكان، مغطيةً الجدران، والأرض، وحتى الفراغ بين البنايات. كانت هذه الخيوط تمتلك قدرة على التحلل والتمدد لمسافات طويلة جداً، مما جعل "الخريطة الصوتية" في ذهن بليك تضطرب فجأة. لم يعد الصوت يصدر من مصدر واحد، بل أصبح لكل خيط اهتزازه الخاص، مما خلق ضجيجاً تكتيكياً أعجز "تنفس الصوت" عن معالجته بالدقة السابقة.
حاول بليك التراجع، لكن خيطاً رفيعاً كالنصل انطلق من تحت قدميه بسرعة تفوق سرعة رده، وتبعه خيط آخر من زاوية ميتة خلف أذنه. ورغم رد فعله السريع، إلا أن كثافة الخيوط وتعدد اتجاهاتها جعلت التفادي الكامل مستحيلاً. شعر بليك بلسعة حادة على خده الأيمن، ثم أخرى فوق حاجب عينه، حيث شقت الخيوط جلده بدقة جراحية، تاركةً خدوشاً دموية بدأت تنزف بغزارة على وجهه.
قال كاكيوين وهو يحرك أصابعه وكأنه يعزف على قيثارة غير مرئية تحرك تلك الخيوط: "هل تسمع هذا يا بليك؟ هذا هو صوت نهايتك. هيروفانت جرين ليس مقيداً بشكل بشري؛ إنه كيان من الألياف السحرية التي يمكنها التسلل إلى أصغر الشقوق. حتى لو أغمضت عينيك واعتمدت على أذنيك، فكيف ستتصدى لآلاف الأوتار التي تتحرك في آن واحد؟ كل خيط منها هو فخ، وكل حركة منك تجعل الشبكة تضيق حول عنقك أكثر".
مسح بليك الدماء التي بدأت تسيل على وجنته، وشعر بحرارة الجروح تشتعل في وجهه. كانت الخيوط تلتف من حوله كشرنقة عملاقة، وكان يشعر بضغط الهواء يتغير مع تمدد تلك الألياف المرنة التي ترفض الانقطاع. أدرك بليك في تلك اللحظة أن القتال دخل مرحلة تتجاوز مجرد القوة الجسدية؛ فخصمه الآن لم يعد هدفاً ثابتاً، بل أصبح محيطاً كاملاً من التهديدات المجهرية التي لا ترحم، وبات عليه أن يجد وسيلة لاختراق هذا الحجاب من الخيوط قبل أن تمزقه إلى أشلاء.
توقف بليك في مكانه، نصل سيفه يرتجف قليلاً تحت ضغط الخيوط التي كانت تحوم حوله بانتظار أدنى ثغرة، بينما كان كاكيوين يراقب بزهو، منتظراً اللحظة التي ينهار فيها "إيقاع" بليك تماماً تحت وطأة هذا الشكل الحقيقي والمرعب للستاند.
ساد صمت مطبق لثانية واحدة، صمت يسبق العواصف التي تقتلع الجبال من جذورها. وبينما كانت الدماء تقطر من الخدوش التي رسمها كاكيوين على وجه بليك، بدأ الهواء من حول الفتى يغلي وحرارة الجو ترتفع بشكل غير منطقي. لم تكن تلك حرارة الشمس في كبد السماء، بل كانت حرارة غضب مكبوت انفجرت فجأة من أعماق بليك، مستحضراً قوى لم تطوعها إرادته بالكامل بعد.
توهجت "هدية ماكومو" بجانب جبهته، وبرزت تلك العلامة القرمزية التي تشبه ألسنة اللهب، وفي تلك اللحظة، فقد بليك وعيه بما حوله، وانطفأت نظرة الفتى الهادئ ليحل محلها وهج برتقالي محرق. تحولت أنفاس بليك من رنين "تنفس الصوت" إلى زفير حارق ينبعث منه البخار، مستدعياً جوهر "تنفس الشمس". انقض بليك فجأة بسرعة هائلة لم تعد العين البشرية، ولا حتى حواس الستاند، قادرة على تتبعها. لم يكن يتحرك كبشر، بل كان يبدو ككتلة من النار تندفع عبر الشارع، ومع كل حركة من سيفه، كان اللهب يلتهم خيوط كاكيوين الزمردية ويحولها إلى رماد قبل أن تلمسه.
صرخ كاكيوين بذهول وهو يتراجع: "ما هذا؟ خيوطي.. ألياف المانا الخاصة بي تتبخر! لا يمكن للطاقة السحرية العادية أن تحرق جوهر هيروفانت جرين بهذه السهولة!". حاول كاكيوين إعادة تجميع خيوطه لصد الهجوم، لكن بليك كان يظهر في كل مكان في وقت واحد؛ كان يقطع الهواء بضربات دائرية تخلف وراءها أثراً من النيران المتوهجة، مما جعل كاكيوين يشعر وكأنه يحاول الإمساك بإعصار مشتعل بيدين عاريتين. لم يعد هناك إيقاع ليسمعه بليك، بل كان هناك دافع وحشي واحد: التدمير.
أدرك كاكيوين أن الموت يحدق به من خلال تلك العلامة المتوهجة، فاستجمع كل ذرة من تركيزه وصرخ: "لن تنال مني بهذه السهولة أيها الهمجي!". وبحركة يائسة، قام بنسج تقنية معقدة في أجزاء من الثانية؛ فكك ما تبقى من جسد هيروفانت جرين ونشرها كشبكة عنكبوتية كثيفة وغير مرئية تحيط به من كل اتجاه، وهي "خيوط التحسس". كانت هذه الشبكة حساسة لأي اضطراب في الهواء، تكتشف الخصم وتهاجمه تلقائياً بمجرد اللمس.
في اللحظة التي اندفع فيها بليك بضربة قاضية مستخدماً تنفس الشمس، لمست قدمه أحد تلك الخيوط غير المرئية. في تلك اللحظة، استجاب الستاند كفخ حديدي؛ التفت مئات الخيوط حول كاحل بليك وسحبته بقوة، ثم انقضت بقية الشبكة لتلتف حول معصميه وصدره، مقيدة إياه في الهواء فوق الأرض بمسافة مترين. كانت الخيوط تضيق وتغرس نفسها في ملابسه وجلده، والتف خيط غليظ وقوي حول عنقه وبدأ يخنقه بشدة وحشية.
بدأ لهب تنفس الشمس يخبو تدريجياً مع انقطاع الأكسجين عن رئة بليك، وبدأت العلامة القرمزية على جبهته تتلاشى. اهتز جسد بليك بعنف بينما كان كاكيوين يشد الخيوط بأصابعه المرتجفة من الأدرينالين، قائلاً بنبرة يملؤها الحقد: "أرأيت؟ مهما كانت القوة التي تخبئها، تظل مجرد فريسة تقع في الفخ عند أول لحظة تهور. قواك الغامضة لن تنقذك حين تتقطع حنجرتك!". عاد بليك تدريجياً إلى شكله الطبيعي، واختفت الهالة النارية، وبدأ وعيه يعود إليه ليجد نفسه معلقاً في الهواء كدمية محطمة، والظلام يبدأ في غزو رؤيته بينما يشتد الخناق حول رقبته.
كان بليك يترنح في الهواء، معلقاً بتلك الخيوط اللعينة التي كانت تلتف حول رقبته كأفاعٍ باردة، بينما كان كاكيوين يقف على مسافة أمتار قليلة، وعيناه تلمعان ببريق سادي لم يظهر من قبل. قال كاكيوين بصوت خفيض تقشعر له الأبدان: "بما أنك قاومتني بكل هذه الشراسة، سأمنحك شرف أن تكون دميتي المفضلة. سأحتل جسدك من الداخل، وأجعل أطرافك تطيع إرادتي، وحينها سأستخدم يديك لتمزيق أصدقائك واحداً تلو الآخر".
وبحركة مقززة، بدأ جزء من "هيروفانت جرين" يتحلل إلى مادة هلامية خضراء رفيعة، زحفت بسرعة البرق عبر الخيوط المتصلة بعنق بليك. عندما وصلت المادة إلى وجه بليك، بدأت تشق طريقها بالقوة عبر فمه المفتوح الذي كان يحاول استنشاق الهواء. شعر بليك باختناق حقيقي، ليس بسبب الخيوط هذه المرة، بل بسبب ذلك الكيان الغريب الذي بدأ ينزلق داخل حنجرته، ممتداً نحو جهازه العصبي ليحكم السيطرة عليه.
بدأ جسد بليك ينتفض بعنف، وعروق رقبته جحظت حتى كادت تنفجر. كان الصراع داخلياً ومروعاً؛ بليك يقاتل بكل ذرة من إرادته ليمنع الستاند من الوصول إلى مراكز تحكمه، وكاكيوين يضغط بكل قوته الذهنية، وقد بدأت قطرات العرق تتصبب على وجهه وهو يتمتم: "يا لك من عنيد.. كيف لجسد بشري فاني أن يقاوم غزو الستاند بهذا الشكل؟ أنت أصعب بكثير مما توقعت، لكنك في النهاية ستخضع!".
كانت رؤية بليك تظلم، وشعر ببرودة الستاند وهي تلامس جدران معدته وأحشاءه، لكن في تلك اللحظة الحرجة، تذكر التعويذة التي رسمت بدمه وعرقه في غابة الذكريات. وبحركة يائسة من أصابعه التي كانت لا تزال تتحرك، لمس بليك غلاف كتاب "شمس المعارف" المعلق بخصره، واستجمع ما تبقى من مانا في روحه، وصرخ في عقله: "روح في الضوء!".
فجأة، انفجر ضوء ذهبي ساطع من الكتاب، ضوء كان قوياً لدرجة أنه أحرق الخيوط الزمردية التي كانت تقيد بليك. ومن قلب ذلك الضياء، ظهرت "ريمي" بهيئتها الذهبية المشرقة وملامحها الهادئة الصارمة. لم تنتظر ريمي أوامر؛ فقد أدركت الخطر المحدق بمستدعيها. رفعت يدها الذهبية، وانطلقت منها موجة طاقة طهرت جوف بليك، مجبرةً جزء الستاند المتسلل على الخروج قسراً من فمه كدخان أخضر كثيف.
لم تكتفِ ريمي بذلك، بل اندفعت نحو كاكيوين بسرعة لا تصدق. وقبل أن يتمكن الأخير من إعادة تشكيل خيوطه أو استخدام "رذاذ الزمرد"، وجهت إليه ريمي ضربة كف مغلفة بطاقة الضوء الصافية. كانت الضربة من القوة بحيث حطمت دفاعات هيروفانت جرين المتبقية، وقذفت بكاكيوين بعيداً ليرتطم بجدار خرساني في نهاية الشارع، مخلفاً حفرة عميقة من شدة الارتطام.
سقط بليك على الأرض، جاثياً على ركبتيه وهو يسعل بشدة محاولاً استعادة أنفاسه، بينما وقفت ريمي أمامه كحارس سماوي، نصلها الضوئي يلمع في الظلام. نظر بليك إلى كاكيوين الذي كان يحاول النهوض بصعوبة وسط الأنقاض، وقال بصوت أجش مليء بالتحدي: "لقد أخطأت حين ظننت أنني وحيد في هذه المعركة.. ريمي ليست مجرد أداة، إنها النور الذي سيمحو ظلك".
مسح كاكيوين الدماء عن وجهه، وعيناه تشتعلان بحقد غير مسبوق، بينما بدأ هيروفانت جرين يتجمع حوله من جديد رغم إصاباته. كانت المعركة قد دخلت منعطفاً جديداً وأكثر دموية، ولم تكن النهاية قد اقتربت بعد.
وقفت ريمي بوقارها المهيب وسط الشارع المحطم، وجسدها الذهبي يشع بنور يبدد غبش الدخان والرماد، ثم التفتت برأسها ببطء نحو بليك الذي كان لا يزال يلتقط أنفاسه بصعوبة. قالت ريمي بصوت هادئ يحمل نبرة العقلانية الباردة: "بليك، أليس من الخطأ الجسيم استدعائي في هذه اللحظة؟ أنت تعلم يقيناً أن كياني يستهلك كميات هائلة من المانا، وقدرتك على الحفاظ على وجودي في هذا العالم المادي تتناقص مع كل ثانية تمر. أنت تخاطر بجفاف منبعك السحري تماماً".
رفع بليك رأسه، ومسح الدم عن شفته، ثم نظر إليها بعينين يملؤهما إصرار فولاذي ورد بصوت أجش: "أعلم ذلك يا ريمي، لكنني لا أعتمد على طاقتي الطبيعية وحدها الآن. أنا أستخدم تعويذة الـ MCC لتعزيز التدفق السحري وتجاوز حدودي الجسدية".
ضاقت عينا ريمي الذهبيتان، وبدت ملامحها أكثر صرامة وهي ترد عليه: "تعويذة الـ MCC؟ رغم علمك بالثمن الباهظ الذي ستدفعه لاحقاً؟ أنت تدرك أن تسمم المانا الذي سيعقب هذا الاستخدام سيجعل جسدك ينهار من الداخل، وقد تظل عاجزاً عن ممارسة السحر لأسابيع، هذا إن نجوت من التآكل الروحي. هل أنت واثق حقاً من المضي قدماً في هذا المسار الانتحاري؟".
أمسك بليك بمقبض سيفه، وضغط عليه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وقال بنبرة ملؤها اليقين: "هذه المرة هي الاستخدام الأخير، ولم يعد في جعبة الـ MCC الكثير لتقدمه، فالطاقة تكاد تنتهي. ليس أمامنا خيار آخر؛ يجب أن نهزم هذا اللعين بأسرع وقت ممكن قبل أن ينهار المخبأ أو يقتل رفاقنا بالداخل. ريمي.. اقضي عليه!".
أومأت ريمي برأسها إيماءة خفيفة، وقالت ببرود قتالي: "أُحضر". وفي جزء من الثانية، انطلقت ريمي نحو كاكيوين بسرعة جنونية جعلتها تبدو كشعاع من الضوء يشق عتمة الليل. لم تترك له مجالاً للتفكير، لكن كاكيوين، الذي كان قد استعاد توازنه بصعوبة، لم يكن صيداً سهلاً؛ فقد صرخ بصوت يملؤه الحقد: "لا تظني أن بريقك الذهبي سيخيفني!". وبحركة لا إرادية من أصابعه، استدعى هيروفانت جرين الذي مد أطرافه الخيطية في كل اتجاه.
التفت خيوط الستاند حول ريمي من كل زاوية، ممتدة بسرعة مذهلة للإمساك بها، محاولةً تقييد حركتها وسحبها نحو مركز شبكة الزمرد الفتاكة. كانت الخيوط تلتوي كأفاعٍ ميكانيكية جائعة، تشد قبضتها حول جسد ريمي الذهبي بقوة شديدة تهدف إلى سحق جوهرها الروحي. ساد صمت قصير بينما كانت الخيوط تضغط على ريمي، وظن كاكيوين للحظة أنه أحكم السيطرة على هذا الاستدعاء الغامض.
إلا أن ريمي رفعت نصلها الضوئي في حركة انسيابية لا تشوبها شائبة. وبضربة واحدة خاطفة اتسمت بالدقة والقوة المطلقة، قطعت خيوط الزمرد وكأنها خيوط حرير واهية أمام نصل حاد. تلاشت الخيوط المقطوعة وتطايرت كغبار أخضر في الهواء، بينما استمرت ريمي في اندفاعها نحو كاكيوين الذي اتسعت عيناه رعباً وهو يرى دفاعاته "التي لا تُقهر" تتمزق بسهولة أمام هذا الكيان السماوي الذي أطلقه بليك.
وعلى الرغم من أن ريمي كانت تتحرك بسرعة جنونية تجعل أطرافها تتلاشى في الهواء من فرط القوة، إلا أنها لم تستطع إصابة كاكيوين إصابة مباشرة أو إثارته بأي جرح قطعي؛ ففي كل مرة كان نصلها الضوئي يقترب من جسده، كان كاكيوين يختفي فجأة من أمامها كأنه سراب، ليظهر في بقعة أخرى من الشارع ببرود تام. توالت الضربات الذهبية، واحدة تلو الأخرى، شاقةً الأرض ومحطمةً ما تبقى من أعمدة الإنارة، لكنها كانت دائماً تضرب الفراغ. ساد شعور مريب بالعبث في ساحة القتال، بينما كان كاكيوين يبتسم من بعيد بزهو المتمكن.
توقفت ريمي فجأة وسط الغبار، وسكنت حركتها تماماً وهي تراقب المجال المحيط بها بأعينها الذهبية النافذة التي تحلل كل ذرة طاقة. وبعد ثوانٍ من الصمت المطبق ومراقبة تلاشي كاكيوين المتكرر، فهمت ريمي الأمر أخيراً؛ إن كاكيوين لم يكن يتفادى الضربات ببراعته الجسدية، بل كان يستخدم نوعاً متطوراً من الانتقال الآني اللحظي المرتبط بستانده. أدركت ريمي أن "هيروفانت جرين" المنحل إلى خيوط في جميع أنحاء المكان يعمل كشبكة عصبية وناقلة للمادة؛ فالستاند ينقل لكاكيوين كل ما يراه ويسمعه بدقة متناهية حتى لو كان على بعد مئات الأمتار، وبمجرد أن يشعر الستاند باهتزاز الهواء الناتج عن هجوم ريمي، يقوم بنقل جسد كاكيوين عبر تلك الخيوط إلى نقطة آمنة في أجزاء من الثانية.
التفتت ريمي نحو بليك الذي كان يراقب المعركة بحذر، وقالت بصوت رخيم تردد صداه في الأرجاء: "بليك، لم تكن سرعته هي العائق، بل وجوده المتعدد عبر هذه الألياف الزمردية. إنه يستخدم الستاند كبوابة ممتدة، ولن ينتهي هذا المسلسل مالم نطهر الفضاء من وجود هذه الشبكة الخبيثة".
لم ينتظر كاكيوين أن تنهي كلامها، وشرع في الضحك بصوت عالٍ قائلاً: "فهمتم السر أخيراً؟ لكن الأوان قد فات! طالما أن هناك خيطاً واحداً من هيروفانت جرين في هذا الشارع، فأنا في كل مكان وفي لا مكان في آن واحد. أنتم تهاجمون ظلاً!".
لكن ريمي لم تبالِ بكلماته، بل رفعت يديها الذهبيتين نحو السماء، وبدأ جسدها يتوهج بنور مكثف لدرجة أن بليك اضطر لتغطية عينيه. وبدأت تطلق أشعة ذهبية حارقة في كل مكان ضمن مدارها، مئات من الخيوط الضوئية المنفجرة التي لم تستهدف كاكيوين نفسه، بل استهدفت كل زاوية، وكل شق في الجدران، وكل قطعة حطام يختبئ فيها خيط من خيوط هيروفانت جرين. كانت الأشعة تدمر كل جزء من الستاند الأخضر في المكان، تحرقه وتحوله إلى عدم، مما أدى إلى تمزيق مصفوفة الانتقال التي كان كاكيوين يعتمد عليها.
ومع تدمير أجزاء الستاند الموزعة، بدأ كاكيوين يترنح، وظهرت عليه علامات الإجهاد الشديد، إذ إن تدمير أجزاء الستاند كان ينعكس ألماً حقيقياً في جسده. وفجأة، وجد نفسه ثابتاً في مكانه، غير قادر على التلاشي مرة أخرى، بعد أن طهرت ريمي المحيط بالكامل من ألياف الزمرد، مبطلةً بذلك قوة الانتقال الآني التي كانت درعه الوحيد. ساد صمت ثقيل، ونظرت ريمي إلى كاكيوين الذي كان يلهث برعب وقد انكشف تماماً أمام نصلها، بينما استعد بليك للتحرك لإنهاء هذه المعركة التي طال أمدها.
أدرك كاكيوين في تلك اللحظة الحرجة أن جدران استراتيجيته قد انهارت تماماً، وأن الشبكة التي لطالما تفاخر بها قد صُهرت بفعل ضياء ريمي الصافي. تجمدت نظراته للحظة، ثم تحولت إلى جنون مطبق؛ فلم يعد يقاتل بمنطق المحارب، بل بذكاء الحيوان المحاصر الذي لا يجد مفراً من الموت. صرخ صرخة هستيرية شقت سكون الشارع: "لن تنتهي حكايتي هنا! إذا كان عليّ السقوط، فسأحرق كل شيء معكم!". وبحركة يائسة، أطلق ما تبقى من "هيروفانت جرين" بكل قوته وعشوائيته؛ تحولت الخيوط إلى حراب صلبة كالفولاذ، انطلقت في كل اتجاه كأمطار من الإبر العملاقة، تخترق الجدران الخرسانية للمباني المجاورة، وتمزق لافتات المحلات، وتحطم أعمدة الدخان، في محاولة بائسة لصناعة جدار من الموت العشوائي يحمي كاكيوين أو يصيب خصمه بأي ثمن.
كانت الحراب الخضراء تتطاير بجنون، لكن بليك وريمي تحركا في تناغم مذهل، كأنهما روح واحدة في جسدين. كان بليك ينزلق تحت الخيوط المندفعة بمرونة اكتسبها من ليالي التدريب الطويلة، بينما كانت ريمي تطيح بأي خيط يقترب منها بلمسات خاطفة من نصلها الضوئي، محولة إياها إلى رماد قبل أن تلامس ثياب بليك. وقف بليك وسط هذا الوابل، ونظر إلى ريمي التي كانت لا تزال تشع بنورها الذهبي، وشعر بأنفاسه تضيق وبأن طاقة الـ MCC بدأت تتلاشى، معلنةً عن قرب نفاذ وقته.
قال بليك بصوت هادئ ولكنه قاطع، يحمل في طياته كبرياء المحارب الذي يريد إنهاء نزاعه بيده: "ريمي.. لقد فعلتِ ما يكفي. عودي إلى الكتاب الآن، لقد مهدتِ لي ال
طريق، وسأنهي هذا الوغد بنفسي. هذه المعركة بدأت بيني وبينه، ويجب أن تنتهي بدمي وسيفي".
نظرت إليه ريمي بنظرة خالية من المشاعر لكنها تحمل في طياتها اعترافاً بقوته، وأومأت برأسها قائلة: "كما تأمر يا صاحب الكتاب. المانا الخاصة بك في مستويات حرجة، احذر من التباطؤ". وفي ومضة ذهبية خاطفة، تلاشت ريمي وعادت إلى صفحات "شمس المعارف"، تاركة بليك وحيداً في مواجهة كاكيوين المنهار.
لم يضيع بليك ثانية واحدة؛ استجمع ما تبقى من طاقته المتلاشية، وركز كل ذرة من سحره في نصل سيفه، لكن هذه المرة لم يطلب النار، بل استدعى برودة الصقيع القارص. صرخ بليك وهو يندفع للأمام: "سحر الجليد.. الانجماد المطلق!". وبضربة من يده الحرة نحو الأرض، انطلق تيار من الجليد الأزرق الشاحب بسرعة البرق، زاحفاً فوق الإسفلت حتى وصل إلى ساقي كاكيوين قبل أن يستوعب الأخير ما يحدث. تجمدت قدما كاكيوين في مكانهما، والتحمت أطرافه بالأرض بفعل الجليد الذي صعد ليغطي ركبتيه، مما سلبه القدرة على التفادي أو الهرب.
حاول كاكيوين تحريك يديه لاستدعاء خيوطه للمرة الأخيرة، لكن بليك كان قد وصل بالفعل. وفي لحظة صمت مهيبة، اخترق نصل سيف الفضي الهواء مشقاً إياه برنين حاد، وغرسه بليك بكل قوته في منتصف صدر كاكيوين تماماً. اتسعت عينا كاكيوين بذهول، وتوقف نبض "هيروفانت جرين" تماماً، وتلاشت الخيوط الخضراء من حولهم كأنها لم تكن.
اقترب بليك من أذن كاكيوين وهو يشد على مقبض السيف، وهمس بصوت يقطر برودة: "هذا من أجل كل الخيوط التي حاولت خنقي بها.. ارقد في الظلام الذي صنعته". سحب بليك سيفه بحركة واحدة سريعة، فسقط جسد كاكيوين إلى الخلف، مرتطماً بالجليد الذي بدأ يتكسر تحت ثقله، معلناً نهاية المعركة وفوز بليك إيثر الساحق. وقف بليك وحيداً وسط الحطام، يلهث بصعوبة بينما كانت علامات التعب تبدو جلية على وجهه، لكن عينه اليمنى كانت لا تزال توهج بانتصار مرير.
سكنت ضوضاء المعركة، ولم يبقَ في الأفق سوى أنين الرياح التي تداعب حطام شنغهاي الباردة. وقف بليك لثوانٍ معدودة يراقب جسد كاكيوين المسجى، لكنه فجأة شعر ببرودة قاتلة تسري في أطرافه، وكأن خيطاً سرياً كان يمسك بكيانه قد انقطع تماماً. تلاشت القوة من ساقيه، وسقط على الأرض بارتطام ثقيل، محاولاً استنشاق الهواء الذي صار ثقيلاً كالرصاص في رئتيه. لقد انتهت المانا، وفرغت تعويذة الـ MCC من آخر قطرة طاقة كانت تمد جسده بالحياة، تاركةً إياه حطاماً بشرياً وسط الطريق.
بجهد جهيد، استند بليك على كفيه المرتجفتين، وجر جسده المنهك ليصبح في وضعية الجلوس على الإسفلت الخشن، غير قادر على الوقوف أو حتى الحفاظ على توازنه. كان ينظر إلى كاكيوين الذي كان يحتضر ببطء، والدم يخرج من صدره بغزارة، وفكر في قرارة نفسه: "هل انتهى الأمر حقاً؟ هل سأظل عالقاً هنا أشاهد الموت وهو يختطف خصمي بينما يزحف نحوي أيضاً؟". كان يعلم أن أي محاولة لاستدعاء المانا مجدداً أو تفعيل الـ MCC ستكون بمثابة حكم إعدام فوري، حيث سينفجر جسده من الداخل بفعل التسمم الروحي.
وسط هذا الصمت الجنائزي، التقت عينا بليك بعيني كاكيوين المحتضر. لم تكن نظرة كاكيوين تحمل الاستسلام، بل كانت تلمع بحقد أسود يتجاوز حدود الموت. وفجأة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها بليك في أسوأ كوابيسه، رفع كاكيوين إصبعه الملطخ بالدماء وأطلق خيطاً أخيراً. لم يكن هذا الخيط أخضر كبقية خيوط الستاند، بل كان خيطاً أسود حالكاً، مشبعاً بلعنة قتالية نهائية استنزفت ما تبقى من روح كاكيوين.
انطلق الخيط الأسود بسرعة تفوق القدرة على الإدراك. وبسبب انعدام المانا في جسد بليك، لم يمتلك أي دفاع سحري لصد اللعنة. اخترق الخيط نصف يده اليمنى، فمزق اللحم وكشف العظم في مشهد يدمي القلوب، ثم واصل مساره ليفتك بكتفه الأيمن، وصولاً إلى منطقة الصدر حيث شق اللحم فوق القلب مباشرة، ممزقاً نسيج صدره الأيمن بالكامل. صرخ بليك صرخة مكتومة، وتفجر الألم في جسده كألف سكين تصطدم بأعصابه المكشوفة. سقط بليك مجدداً، لكن هذه المرة كان الدم يتدفق منه بغزارة توحي بنهاية وشيكة.
بينما كان بليك يصارع للبقاء في وعيه، أطلق كاكيوين ضحكة مخنوقة، ضحكة يمتزج فيها الدم بالظفر المرير. وبأطراف أصابعه المرتجفة، تحكم في خيط رفيع سحب به كتاب "شمس المعارف" من يد بليك اليمنى المعدومة والمحطمة. وبكل ما تبقى له من رمق أخيرة، استخدم كاكيوين "الانتقال الآني" للمرة الأخيرة، فاختفى جسده مع الكتاب في ومضة سوداء، منتقلاً إلى مكان مجهول، تاركاً بليك وحيداً في بركة دمائه.
استلقى بليك على ظهره، يراقب سماء شنغهاي الرمادية التي بدأت تتلاشى أمام عينيه. كان النبض في عروقه يخفت، والبرودة تلتهم أطرافه. فكر بمرارة وهو يشعر بهروب الحياة منه: "هل سأموت الآن؟ هل هكذا تنتهي الرحلة؟". كان الأمر يفوق التصديق؛ أن يسقط على يد شخص كان هو نفسه على حافة الموت، وأن يضيع الكتاب الذي ضحى الجميع لأجله في اللحظة التي ظن فيها أنه انتصر. شعر بليك بالظلام يزحف إلى بصره، وبينما كان يغلق عينيه، لم يكن يسمع سوى صوت دقات قلبه المتباطئة، متسائلاً إن كان هناك من سيأتي لانتشاله من هذا الضياع، أم أن ال
إسفلت سيكون قبره الأخير.