كانت الرياح الباردة تعصف بأطلال شنغهاي، محملة برائحة الحطام والبارود، بينما كان ذلك العصفور الصغير ذو الريش الأسود القاتم والعينين الحمراوين اللامعتين يحلق بجنون بين الأزقة المهجورة. كانت نيرو، في هيئتها الرمزية تلك، تخترق الدخان المتصاعد، وقلبها الصغير يخفق بسرعة تقطع الأنفاس. لم تكن تبكي، فالدموع لم تكن يوماً من شيمها، لكن الخوف الذي استوطن صدرها كان أثقل من أن يُحتمل. كانت تبحث عن بليك، أو بالأحرى، كانت تبحث عن بصيص أمل في هذه الفوضى، حتى لمحته.
هبطت نيرو بسرعة خاطفة بالقرب من الجسد الملقى فوق الإسفلت المتشقق. تسمرت في مكانها وهي تنظر بعينيها الحمراوين إلى بركة الدماء القانية التي تحيط به. كان بليك غارقاً في صمت مطبق، جسده محطم، وذراعه اليمنى مبتورة بشكل وحشي. اقتربت منه بحذر، وحطت فوق صدره الذي كان يرتفع وينخفض بصعوبة بالغة. تفحصت الجراح بعمق، وأدركت على الفور أن ما تراه ليس مجرد تمزق ناتج عن نصل حاد؛ كانت هناك خيوط سوداء ملعونة تتلوى داخل أنسجته، تنهش ما تبقى من طاقته وتسمم روحه ببطء.
كانت نيرو تعلم يقيناً أن هذه اللعنة ستقتله في دقائق إن لم تتدخل. حامت حول الجرح، وصراع مرير يدور في عقلها. "إذا استخدمتُ قوتي لختم هذه الجروح الآن، سأستنزف آخر ذرات المانا التي تبقي كابتن مارفل مقيدة.. إنني أغامر بتحرير القوة التي قد تحرق المدينة بمن فيها"، فكرت بمرارة وهي تنظر إلى بليك المنهك. لم يكن هناك وقت للمفاضلة بين دمار محتمل وموت محقق لصديقها. اتخذت قرارها بصرامة، ودون تردد.
بدأ جسد العصفور الأسود يشع بهالة باهتة، ووجهت نيرو تركيزها بالكامل نحو الجروح المفتوحة. بدأت في حياكة "الختم" عبر المانا المتبقية لديها، محاولةً كبح جماح اللعنة السوداء التي كانت تأكل لحمه. وبالفعل، بدأ النزيف يهدأ، وبدت الخيوط السوداء وكأنها تنكمش تحت وطأة الختم. سكن جسد بليك قليلاً، وظنت نيرو للحظة أنها اشترت له بعض الوقت، لكن الواقع كان يخبئ رداً أعنف.
فجأة، وبدون سابق إنذار، انبثقت هالة سوداء كثيفة من أعماق مسام بليك، برودة مطلقة انبعثت من جسده لدرجة أنها جعلت الهواء يتجمد من حوله. شعرت نيرو بالخطر فابتعدت محلقة للخلف بجناحيها السوداوين. رأت السواد يزحف بسرعة مرعبة، يغلف بشرته بالكامل، محولاً إياها إلى مادة مظلمة معتمة تشبه الثقوب السوداء. لم يعد بليك يبدو بشرياً، بل أصبح أشبه بصورة ظلية مشققة، كأن جسده مجرد غلاف لكيان آخر يحاول الخروج من فجوات واقع محطم.
تراجعت نيرو في الهواء، وعيناها الحمراوان تتسعان من هول ما ترى. الصمت الذي ساد المكان لم يكن سكوناً، بل كان هدوءاً يسبق العاصفة. أدركت نيرو في تلك اللحظة أن الختم الذي وضعته لم يهدئ بليك، بل مهد الطريق لصحوة الكيان الذي كان ينتظر خلف الحجاب. لم يعد هناك بليك الذي يبتسم بضعف، بل كان الواقف أمامها الآن هو كليب رثيأ، النسخة المعكوسة التي استولت على العرش. لقد كان حضوراً ثقيلاً يمتص الضوء والأمل، معلناً أن اللعب بالقوانين قد انتهى، وأن عهداً من الظلام الصرف قد بدأ لتوه.
ارتعشت أطراف تلك الصورة الظلية المظلمة التي كانت بليك، ثم انبعثت ضحكة مكتومة، عميقة، وخالية من أي دفء إنساني؛ كانت ضحكة تنم عن انتصار طال انتظاره، تردد صداها بين المباني المحطمة كأنها نعي للعالم القديم. ارتفع جسد بليك -أو ما بات يُعرف بكليب رثيأ- ببطء، وفي حركة رشيقة ومخيفة، نفض رأسه لتتطاير خصلات شعره التي استحال لونها إلى بياض ثلجي متوهج وسط ذلك الجسد الأسود المشقق.
«أخيراً..»، همس كليب رثيأ، وصوته يحمل بحة غريبة تشبه احتكاك الشفرات المعدنية، «أخيراً استنشق هواء الحقيقة، بعيداً عن حديقة الظلال الكئيبة تلك. لقد كان بليك ضعيفاً بما يكفي ليفتح لي الباب على مصراعيه، والآن.. هذا الجسد، هذا العالم، كلها ألعابي الخاصة».
حامت نيرو، بهيئتها كعصفور أسود، في الهواء، وعيناها الحمراوان ترصدان هذا التحول المرعب بذهول شلّ تفكيرها. كانت ترفرف بجناحيها بغير هدى، محاولةً استيعاب حجم الكارثة. ولكن، في جزء من الثانية، التفتت تلك العيون الفضية الباردة نحوها. لم تلمح نيرو حركة جسده، بل شعرت فقط بتمزق الهواء. وبلمحة بصر، كانت يد كليب رثيأ المظلمة قد أطاحت بها بضربة خاطفة، لم تكن مجرد ضربة مادية، بل كانت دفقة من طاقة خام قذفت بالعصفور الصغير ليرتطم بالحائط الإسمنتي المقابل بقوة هائلة.
تلاشى الضوء في عيني نيرو، وسقطت على الأرض كقطعة من القماش المحترق. تحطم جناحها وتناثر ريشها الأسود، ولم تعد تقوى حتى على إطلاق صرخة ألم؛ كانت الضربة كافية لتحطيم كيانها الصغير وإخراجها من دائرة الفعل تماماً، لتكتفي بالمراقبة بعين واهنة وهي ترى الجحيم يتجسد أمامها.
لم يلتفت كليب رثيأ لنيرو مرة أخرى، فقد كان اهتمامه منصباً على القوة التي تجري في عروقه المظلمة. نظر إلى كفيه، ثم رفعهما نحو السماء الملبدة بالدخان، وارتسمت على وجهه ابتسامة سادية مخيفة. «لنرى ما يمكن لهذا الحطام أن يقدمه من تسلية»، قالها وهو يخطو خطوة واحدة جعلت الإسفلت تحت قدمه يتشقق ويميد.
بدأ كليب رثيأ يسير في شوارع شنغهاي، ولم يكن يسير كالبشر، بل كان يتحرك بزهو إله دمار وسط معبده المهجور. لوح بيده اليمنى المظلمة في الهواء بحركة عرضية بسيطة، وكأنه يزيح ستارة غير مرئية، فحدث ما لا يمكن لعقل بشري استيعابه؛ انطلقت موجات ضغط غير مرئية، شفرات من العدم الخالص، شقت ناطحة سحاب قريبة من منتصفها كأنها نصل حاد يقطع قطعة من الزبدة. انهار الجزء العلوي من المبنى ببطء مرعب، محدثاً دويّاً زلزل الأرض وتحول إلى سحابة من الغبار والركام غطت الشوارع.
لم يتوقف عند ذلك، بل استدار نحو حي سكني كامل، وأطبق قبضة يده ببطء. وفوراً، بدأت الجدران الخرسانية والهياكل المعدنية للمنازل تتلوى وتتحطم للداخل، وكأن هناك ثقباً أسود قد نشأ في قلب كل منزل يلتهم أركانه. كان كليب رثيأ يضحك بجنون وهو يرى المنازل تتساقط كقطع الدومينو، وكل انفجار ناتج عن تسرب الغاز أو انهيار الكهرباء كان يبدو كأنه سيمفونية ممتعة لأذنيه.
«أين أولئك الصغار الذين يظنون أنهم يمتلكون هذه المدينة؟»، صرخ بصوت هز أركان المباني الصامدة، «أين المليارديرات الذين يختبئون خلف جدران الفولاذ؟ اخرجوا لتروا كيف تُمحى إنجازاتكم بلمسة واحدة!».
قفز كليب رثيأ عالياً، ليستقر فوق حافة مئذنة أو برج مائل، ونظر للأسفل إلى الدمار الذي أحدثه في دقائق معدودة. كانت ملامحه تشع بنشوة مرعبة، وهو يرى الحرائق تندلع في كل مكان، والمدينة التي كانت رمزاً للتكنولوجيا والقوة تتحول تحت يديه إلى مجرد مقبرة من الحجر المتفحم. كان يشعر بكل ذرة من المعاناة المحيطة به، وبدلاً من أن تؤلمه كما كانت تفعل مع بليك، كانت تمنحه قوة لا حدود لها، مستمتعاً بتفكيك هذا الواقع قطعة قطعة، غير مبالٍ بأي قانون أو رحمة، كأن العالم كله ليس سوى مسرح لجنونه الخاص.
بينما كان كليب رثيأ ينشر دماراً عدمياً في شوارع المدينة، كانت الروابط السحرية التي تحكم قبضتها على أحد أقوى الكيانات في الكون تتآكل بسرعة البرق. في اللحظة التي ارتطم فيها جسد نيرو الصغير بالحائط وفقدت وعيها تماماً، انهار "الختم" الذي كان يستنزف جوهر حياتها. وفي زاوية بعيدة ومنعزلة، انبعث وهج كوني مرعب حطم السكون؛ انفجرت طاقة "كارول دانفرز" -كابتن مارفل- كبركان استعاد ثورانه بعد كبت طويل. لم تكن مجرد عودة، بل كانت ولادة جديدة من رحم الغضب؛ انطلقت كقذيفة ضوئية شقت عنان السماء، مخلفةً وراءها خطاً من النار الكونية، وعيناها تشتعلان برغبة عارمة في سحق كل من تجرأ على قيدها، متجهةً بلمح البصر نحو الهدف الذي يقبع فيه أصل البلاء: مخبأ المليارديرات.
في تلك الأثناء، وفي الطوابق السفلية للمخبأ الحصين، كان الجحيم قد اتخذ شكلاً ماديًا يُدعى "النميسيس". كانت الردهات تضيق بأصوات الرصاص وانفجارات القنابل الحارقة. ليون كينيدي، بعينين صقريتين وجسد تفادى الموت مراراً، كان يفرغ مخازن سلاحه بدقة متناهية نحو الأنسجة الحية للوحش، بينما كانت جيل فالنتاين وريبيكا تشمبرز تعملان كآلة واحدة؛ واحدة تشتت انتباه المسخ بنيرانها، والأخرى تحاول إيجاد ثغرة بيولوجية في هذا الكيان المتجدد. وميليوداس، بقوته الخام، كان يمثل الخط الدفاعي الأخير، حيث كانت لكماته تصطدم بجسد النميسيس فتحدث دوياً يرتجف له المبنى، محاولاً كبح جماح هذا المسخ الذي يأبى السقوط، في معركة استنزاف بائسة لا يبدو لها نهاية.
أما في الطوابق العلوية، حيث الممرات المذهبة التي بدأت تتصدع، فقد توقف غوست رايدر فجأة، واشتعلت نيرانه الجهنمية بوهج غريب. نظر نحو أكيهيكو، الذي كان يمسد مقبض سيفه بيده المرتجفة من فرط الإرهاق، وقال بصوت أجش كحفيف اللهب: «هل شعرتم بذلك؟ تلك الصرخة.. لم تكن صرخة بشرية، لقد كانت زلزالاً ضرب نسيج الأرواح في هذه المدينة».
أومأ أكيهيكو برأسه والوجوم يكسو وجهه، ورد بصوت خفيض: «لقد سمعتها.. ووصل صداها إلى نخاع عظامي. إنها ليست صرخة ألم، بل هي نذير بشيء قد استيقظ، شيء لا ينتمي لعالمنا». وبينما كانا يتبادلان تلك النظرات القلقة، انكمشت جو يون وهاي يونغ خلفهما، يملؤهما ذعر يشل الأطراف؛ فهما ليسا محاربين، بل شاهدان على نهاية العالم.
وفجأة، انقطع التيار الكهربائي لثانية واحدة، ليعود ويصدمهم بمشهد مرعب؛ في نهاية الممر الواسع، ظهر جيش من "جنود رؤوس التلفاز". لم يكونوا مجرد آلات، بل كانوا فيالق صامتة، شاشاتهم تبث تشويشاً أبيض يسبب الغثيان، وأيديهم المعدنية تحمل أسلحة طاقة متطورة. تحركوا كجسد واحد، بانتظام ميكانيكي بارد، وسدوا الممر بالكامل.
«تراجعا للخلف! لا تبتعدا عنا!» صرخ أكيهيكو وهو يوجه حديثه لجو يون وهاي يونغ، اللتين التصقتا بالجدار من شدة الرعب. استل أكيهيكو سيفه الذي بدأت تنبعث منه شرارات البرق، بينما تقدم غوست رايدر إلى الأمام، وسلسلته المشتعلة تدور حول يده كأفعى من الجحيم.
«يبدو أن المليارديرات أرسلوا حرسهم الخاص»، قال غوست رايدر بابتسامة جمجمة مخيفة، ثم انطلق كالإعصار نحو الفيلق الأول، محطماً الشاشات ومنتزعاً الرؤوس المعدنية، بينما قفز أكيهيكو في الهواء محولاً طاقة البرق إلى نصل قاطع يشطر الدروع الفولاذية. بدأت معركة طاحنة في الممرات الضيقة، حيث امتزجت نيران الجحيم ببرق السيوف، وسط صراخ مكتوم من الفتاتين اللتين كانتا تراقبان هذا الصدام الذي سيحدد مصير وصولهم إلى رؤوس الأفاعي القابعة في القمة.
بينما كان الرصاص ينهمر كالمطر الغزير في الردهات السفلية للمخبأ، والنميسيس يزمجر بصوت يزلزل القلوب محاولاً تمزيق جسد ميليوداس الذي كان يتصدى له بضراوة، حدث ما جعل الزمان يتوقف للحظة. فجأة، وبدون سابق إنذار، تحطم سقف المخبأ الفولاذي وكأنه ورق واهن تحت وطأة انفجار كوني هائل. سقطت كتل الإسمنت والمعدن، وانقشع الغبار عن هيئة كابتن مارفل التي هبطت وسط الردهة كالنيزك الغاضب. كانت هالتها الذهبية تشتعل بوهج غير مستقر، وعيناها تفيضان بنور أبيض يعكس رغبة جامحة في الانتقام ممن تجرأوا على ختم قواها.
تراجع ليون كينيدي بضع خطوات، ممسكاً بسلاحه بإحكام بينما تصبب العرق من جبينه، وهمس لجيل وريبيكا بصوت مشدوه: «استعدوا.. يبدو أننا سنواجه ما هو أسوأ من المسوخ البيولوجية الآن». جيل فالنتاين، التي خاضت أهوال راكون سيتي، أحست ببرودة الموت وهي ترى كارول دانفرز تتقدم نحوهم بخطوات وئيدة، والشرارات الكونية تتطاير من جسدها لتحرق الأرضية المعدنية. وقف ميليوداس في المنتصف، رافعاً يده ليشير للبقية بالبقاء في الخلف، ملامحه التي كانت توحي باللامبالاة استبدلت بجدية مخيفة؛ فهو الوحيد الذي يدرك أن القوة التي أمامه الآن قادرة على محو المكان بمن فيه بلمحة بصر.
وقبل أن تبدأ كابتن مارفل هجومها، وقبل أن يتحرك ميليوداس لصدها، اهتز الجانب الأيسر من المخبأ بعنف إثر انفجار داخلي مرعب. انبعث دخان أسود كثيف من الجدار المنهار، وخرجت منه هيئة لم تكن مألوفة لأي منهم. كان ذلك ني يان، لكنه لم يعد ذلك الفتى الذي عرفوه؛ فقد استحال جسده إلى كتلة من العضلات المتضخمة المغلفة بظلمة مزرقة، وجلده صار داكناً كأن ليل المدينة قد امتُص داخله، بينما كانت أوردته السوداء تنبض تحت السطح مثل أنهار من السم المركز. لم يكن ينطق بكلمة، ولم تكن ملامحه تحمل أي تعبير بشري، بل كانت فراغاً مطلقاً يسكنه الغضب.
حدقت كابتن مارفل في هذا الوافد الجديد، وتوقفت نيرانها الكونية للحظة وهي تشعر بتلك الهالة الضخمة والمظلمة التي تنبعث منه؛ هالة كانت من القوة بحيث جعلت الهواء يثقل ويتجمد في الرئة. لم يمنحها ني يان وقتاً للتفكير أو التحليل؛ ففي حركة خاطفة لم تدركها حتى عين بطلة كونية، استل خنجره الأسود وبحركة معصم باردة قذفه من بعيد. طار الخنجر في الهواء مشقاً نسيج الواقع بخط أسود رفيع، وقبل أن تتمكن كارول من رفع درعها الطاقي، اخترق النصل كتفها بعنف وسرعة خارقة.
ساد صمت مرعب لم يقطعه سوى صوت ارتطام كابتن مارفل بالحائط خلفها. تراجع الوهج الذهبي من حولها قليلاً، ولأول مرة منذ زمن بعيد، انبثق دم أحمر كثيف من جرحها ليغطي بدلتها ويتقاطر على الأرض. ملامح الصدمة والذعر ارتسمت على وجهها وهي تتكئ على الجدار المنهار، تنظر بذهول إلى ذلك الجرح الذي أحدثه مجرد خنجر في جسد كان يُفترض أنه لا يُقهر. أما ني يان، فقد ظل واقفاً في مكانه، صامداً كتمثال من السواد المزرق، عيناه تخلوان من أي بريق للحياة أو الندم، وجسده يفيض بطاقة مظلمة كانت كافية لتخبر الجميع بأن الإنسانية قد غادرت هذا الجسد للأبد.
أخفت ملامح ميليوداس ذعراً مكتوماً وهو يراقب المشهد، وأدرك في تلك اللحظة الحقيقة المرة التي حاول إنكارها. نظر إلى ني يان وقال بصوت يملؤه الوجوم والأسى: «هذا ليس ني يان الذي نعرفه.. لقد استسلم للظلام بالكامل. ما يقف أمامنا الآن هو غضب خالص لا يعرف صديقاً ولا عدواً». كان يدرك أن ميزان القوى قد انهار تماماً، وأن المخبأ لم يعد ساحة قتال ضد المليارديرات فحسب، بل صار مسرحاً لمواجهة بين قوى كونية غاضبة وشيطان ولد من رحم المأساة.
داخل غرفة العمليات المركزية، كان المليارديرات الثمانية يقفون خلف الشاشات العملاقة، وجوههم التي اعتادت الغطرسة قد استقرت عليها الآن مسحة من الشحوب الجنائزي. كانت الكاميرات تنقل لهم مشهد ني يان، ذلك الكيان السوادوي المزرق الذي وقف وسط الردهة المحطمة، فبدت ملامحه عبر العدسات وكأنها نذير بفناء قريب. ليو تشنغ، الذي كان يمسك بقدحه بيد ترتجف، لم يستطع إبعاد عينيه عن الشاشة وهو يهمس بصوت مبحوح: «ما هذا الشيء؟ لقد صممنا هذا المخبأ ليتحمل ضربات نووية، فكيف يمكن لمجرد "تجربة فاشلة" أن تُدمي كابتن مارفل؟». لم يجبه أحد، فالرعب كان قد عقد ألسنة الجميع وهم يشاهدون ني يان يتقدم بخطوات وئيدة نحو خنجره المغروس في الحائط، وكأنه ملك يستعيد صولجانه.
أمسك ني يان بمقبض خنجره الأسود، وفي تلك اللحظة، بدأ الهواء من حوله يتكاثف ويئن تحت وطأة ضغط هائل. لم تعد الطاقة المنبعثة منه مجرد هالة، بل تحولت إلى أعاصير من السواد المزرق الذي امتص الضوء من كشافات الطوارئ. رفع يديه عالياً، قابضاً على نصله بكلتا يديه، وبدأت ملامحه الواقع من حوله تتشوه وتتمزق؛ كانت طاقة هائلة، مدمرة، ومحملة بآلاف السنين من الغضب البشري المكبوت، تتركز في سن الخنجر الصغير. وبحركة واحدة، "سلاش" واحد شق به الفراغ، أطلق ني يان ضربة لم يشهد لها تاريخ شنغهاي مثيلاً.
لم تكن مجرد ضربة قاطعة، بل كانت حكماً بالإعدام على الجغرافيا والمكان؛ وبصوت يشبه تمزق الرعد في قلب العاصفة، انقسم المخبأ الفولاذي بكل طوابقه، وبكل تحصيناته، إلى نصفين متساويين. ولم يتوقف النصل عند جدران المخبأ، بل واصل مسيره المرعب ليشطر الجبل الضخم الذي يحتضن المقر بالكامل من القمة حتى القاعدة في انقسام طولي مهول. النميسيس، ذلك المسخ الذي صمد أمام نيران ليون ولكمات ميليوداس، وجد نفسه في مسار الضربة مباشرة؛ فجُزّ جسده الضخم إلى شطرين قبل أن يدرك ماهية الهجوم، ليتساقط أشلاءً هامدة، معلناً نهاية أسطورة الرعب البيولوجي تحت وطأة الغضب المطلق.
كان الانقسام كارثياً على كل من بالداخل؛ ففي قمة البرج، حيث غرفة اجتماعات المليارديرات، انشقت الأرضية الفولاذية من تحت أقدامهم، وتطايرت الطاولات والوثائق في الفراغ السحيق الذي نشأ فجأة. صرخ فيكتور راموس وهو يتشبث بكرسيه: «البروتول "أوميغا"! فعلوا الدرع الآن!». وفي اللحظة التي بدأت فيها الغرفة بالانهيار نحو الهاوية، تفعل نظام الطوارئ، فانطلقت صفائح معدنية عملاقة غلفت القاعة بالكامل في حصن كروي صلب، مما جعل الغرفة تبقى معلقة ومعزولة وسط الحطام، تقاوم الانهيار بجنون التكنولوجيا التي يملكونها.
أما في ممرات السلالم، فقد تحول المشهد إلى جحيم من الغبار والشرارات. السلالم التي كان يقف عليها أكيهيكو وغوست رايدر والزملاء القدامى تلاشت تماماً، حيث ابتلعها الصدع العملاق الذي خلفته ضربة ني يان. جنود التلفاز، الذين كانوا يشكلون جيشاً لا يُقهر، سقطوا جميعاً في الهاوية كالدمى المحطمة. وفي لحظة السقوط الحر، استجمع أكيهيكو آخر ذرات قوته، فغرس سيفه في حافة جدار لا يزال قائماً، وباليد الأخرى، أحكم قبضته على "جو يون" الذي كان يحاول بدوره التشبث بـ "هاي يونغ". جاذبًا إياهما معًا نحو نتوء صخري ضيق ليمنع ارتطامهما بالقاع المظلم.
كان "جو يون" يرتجف بعنف، ودميته المفضلة التي لطالما كانت رفيقه قد سقطت في الهاوية، بينما كانت "هاي يونغ" تلهث متشبثة بذراعه، وهي التي رأت من أهوال أمبريلا ما يكفي لتمزيق أي روح، لكنها لم تتخيل قط أن الجبل نفسه قد ينشق أمام عينيها. نظرت هاي يونغ إلى أكيهيكو، الذي كان يلهث بشدة والدماء تسيل من جبهته، وقالت بصوت متهدج: «أكيهيكو.. ما الذي يحدث؟ هل انشقت الأرض لتبتلعنا؟». أما جو يون، فقد حدق في الفراغ الذي نشأ مكان السلالم وقال بذهول: «لقد انقسم الجبل.. لا يوجد منطق علمي لهذا، هذا غضب خالص». رد أكيهيكو بصوت يملؤه الذهول المرعب: «لقد انقسم الجبل فعلاً.. لا أعرف من أو ما الذي فعل هذا، لكننا لم نعد في مهمة إنقاذ، نحن في قلب نهاية العالم». وبينما كان الغبار يتصاعد ليغطي رؤيتهم، أدرك الجميع أن القوى التي تتصادم الآن في أعماق هذا الجبل قد تجاوزت حدود البشر والآلات.
بينما كانت القاعة الكروية المحصنة بالبروتوكول "أوميغا" تهتز بفعل الانهيارات المحيطة بها، ظن المليارديرات للحظات أن التكنولوجيا الفائقة التي استثمروا فيها مليارات الدولارات ستحميهم من غضب القدر. كانوا يتنفسون الصعداء خلف الجدران المعدنية السميكة، يراقبون شاشاتهم التي بدأت تتعرض للتشويش. لكن هيهات أن يقف الفولاذ في وجه شيطان وُلد من رحم الفجيعة؛ ففي تلك اللحظة،
اختفى ني يان من أمام ميليوداس وليون في الطوابق السفلية كأنه تبخر في العدم، ليظهر فجأة أمام باب القاعة المحصنة.
لم يكن هناك طرق على الباب، بل كان هناك حكم بالإعدام؛ وبصوت يشبه تمزق نسيج الكون، اخترق "سلاش" طولي باب القاعة المعدني، شطره كما لو كان ورقة واهنة. دخل ني يان من الفجوة بخطوات باردة وميكانيكية، يحيط به ضباب مزرق طاغٍ يمتص الأوكسجين من الغرفة. هب الحراس الشخصيون الذين كانوا داخل القاعة لإيقافه، مدججين بأحدث أسلحة الطاقة، لكنهم لم يتمكنوا حتى من ضغط الزناد؛ فبضربة واحدة خاطفة من خنجره، تحولوا إلى شرائح لحمية دقيقة تناثرت فوق السجاد الفاخر، ليبقى ني يان واقفاً وجهاً لوجه أمام جبابرة المال والظلم.
نهضت سيليا هارت، ملكة التكنولوجيا، والغرور لا يزال يتملكها رغم الرعب، وصرخت بصوت حاد: «توقف أيها المسخ! هل تظن أنك تستطيع الإفلات بهذا؟ نحن نملك ترسانات من الأسلحة تدير العالم، ولدينا حلفاء أقوياء سيمحونك من الوجود بمكالمة واحدة!». لم يمنحها ني يان شرف الرد، بل كان رده عملياً ونهائياً؛ وبحركة معصم لم تره العين، انطلق نصل طاقي شق جسد سيليا ورأسها لنصفين متساويين بالطول، لتسقط جثتها كقطعتين منفصلتين يمنة ويسرة. ساد صمت مطبق، ثم انفجر الصراخ والهلع في القاعة وهم يرون جثتها الغارقة في الدماء؛ لقد أدركوا الآن أن القوى السياسية والمالية التي يحتمون بها لا قيمة لها أمام هذا الكيان.
تقدم فيكتور راموس، ملك العقارات، وهو يرفع يديه المرتجفتين محاولاً التفاوض: «اسمعني.. ني يان، أليس كذلك؟ يمكننا منحك ما تريد.. الجاه، السلطة، مليارات الدولارات تحت تصرفك، فقط اتركنا نعيش وسنحقق لك كل أمانيك!». لم يهتز جفن لني يان، بل تقدم خطوة واحدة ورفع خنجره، وبنفس البرود القاتل، قطع جسد فيكتور إلى نصفين طوليين، لتختلط كلمات التفاوض بدمائه التي صبغت جدران الغرفة المحصنة.
انهارت ليليان وونغ على ركبتيها تتوسل بكلمات غير مفهومة، بينما بدأت زارا خان، أيقونة الأزياء، تبكي بحرقة وصوت عويلها يملأ المكان في محاولة يائسة لاستعطافه، ظناً منها أن دموعها قد تلمس شيئاً من بشريته الراحلة. لكن ني يان لم يكن يرى بشراً، كان يرى مجرد كيانات ساهمت في تمزيق حياته؛ وبضربة واحدة مروعة، شطرهما معاً، محولاً أجسادهما إلى سلطة من اللحم البشري والعظام المحطمة التي لم يعد من الممكن تمييز ملامحها.
حاول لوكاس بيرغ، عبقري البرمجيات، الهرب نحو زاوية الغرفة، لكن ني يان كان أسرع؛ وجه إليه ركلة محملة بطاقة الغضب المطلق، حطمت كل عظمة في جسده وحولته إلى كتلة هامدة ماتت قبل أن ترتطم بالحائط. أما هيلينا روسو، فقد كانت تحاول الاختباء خلف طاولة الاجتماعات، لكن نصل ني يان باغتها بحركة عرضية شقت بطنها شقاً غائراً، لتسقط وهي تشاهد أمعاءها تنسكب أمامها. ولم يكد ديفيد أوكوي يهم برفع يده للدفاع عن نفسه حتى وجد قبضة ني يان المظلمة تخترق جمجمته بقوة مرعبة، لتعلق يده داخل عظام الرأس المحطمة في مشهد يفيض بالوحشية.
سحب ني يان يده من جمجمة ديفيد ببطء، ونفض الدم عنها وهو يوجه بصره نحو الزاوية الأخيرة من القاعة. هناك، وتحت الأضواء الخافتة والآيلة للسقوط، لم يتبقَّ من الثمانية سوى رجلين؛ إيثان كروز الذي كان يتنفس بصعوبة وهو يراقب فناء زملائه، وليو تشنغ الذي كان يقبع في كرسيه المتحرك، ينظر إلى تدمير إمبراطوريته بعينين يملؤهما اليأس والذهول. وقف ني يان أمامهما، والصمت الذي خلفه كان أثقل من الضجيج الذي سبقه، معلناً أن الحساب الختامي قد وصل إلى أروقة القمة
ساد صمت جنائزي ثقيل داخل القاعة المعدنية المعزولة، صمت لم يقطعه سوى أنفاس ليو تشنغ المتهدجة والمتسارعة. كان الرجل الذي حكم إمبراطوريات طبية وهدد أمماً بأكملها يرتعد الآن فوق كرسيه المتحرك كطفل ذعور؛ تجمعت الدموع في عينيه واتسعت حدقتاه بذهول وهو يرى جثث رفاقه تتناثر من حوله كأنها حطام لا قيمة له. فقد ليو سيطرته على أعصابه بالكامل، حتى أن بللاً مخجلاً غطى سرواله وهو يرى الموت يتجسد في هيئة ني يان، ذلك الشاب الذي ظنوا يوماً أنه مجرد رقم في سجلات تجاربهم.
أما إيثان كروز، فقد كان يقف في زاوية القاعة بذهول غريب، لكنه لم يكن يرتجف. كانت عيناه، اللتان فقدتا بريقهما منذ اليوم الذي خسر فيه زوجته وطفليه، تنظران إلى ني يان بنوع من القبول المظلم. كان إيثان قد أدرك منذ زمن طويل أن الطريق الذي سلكه لا ينتهي إلا في الهاوية، وأن كل سنت جناه من دماء المتسممين في الشمال كان مسماراً في نعشه الخاص. وقف ني يان أمام إيثان مباشرة، السواد المزرق يفيض من جسده كدخان بركاني، وعيناه الفارغتان تحدقان في روح إيثان المثقلة بالخطايا.
كسر إيثان الصمت بصوت هادئ ومحطم، وهو ينظر إلى الخنجر الملطخ بالدماء في يد ني يان: «سمعتُ ما حدث لأختك يا ني يان.. يا لها من فتاة مسكينة. لم تكن تستحق أن تكون جزءاً من هذا القبح الذي صنعناه».
في تلك اللحظة، اهتزت أركان القاعة المعدنية. فتح ني يان فمه لأول مرة منذ تحوله، وانفجر صوته ليس كحوار بشري، بل كصرخة مدمرة خرجت من أعماق الجحيم، صرخة جعلت جدران الفولاذ تئن تحت ضغطها. «أختي؟!» صرخ ني يان، والشرارات المزرقة تتطاير من حنجرته مع كل كلمة، «أنت تتجرأ على ذكرها؟ أنت ومن معك، جعلتم من براءتها قرباناً لجشعكم! لقد قتلوها.. مزقوا روحها قطعة قطعة أمام عينيّ وأنتم تشاهدون عبر شاشاتكم بدم بارد! هل كانت مجرد "تجارب" بالنسبة لكم؟ هل كانت مجرد ضريبة للوصول إلى خلودكم المزعوم؟».
واصل ني يان صراخه وهو يقترب من إيثان، وعروقه السوداء تنبض بغضب جامح: «لقد دفعَت ثمن خطاياكم دماً ودموعاً، والآن.. الآن جاء دوركم لتدفعوا الثمن. ليس بالمال، وليس بالتوسل، بل بأن تذوقوا الرعب الذي ذاقته في لحظاتها الأخيرة. سأمحو أثركم من هذا الوجود، وسأجعل من أجسادكم عبرة لكل من ظن أن دماء الضعفاء مجرد وقود لآلاته!».
ابتسم إيثان ضحكة مريرة، ضحكة خالية من الأمل، وقال بصوت خافت وهو يحدق في الفراغ: «هه.. حتى أنا.. كان لدي أخت يوماً ما.. لكني.. نسيتُ اسمها. لقد بعتُ ذاكرتي وبعتُ عائلتي لأجل هذا العبث.. ليتني..».
وقبل أن يتمكن إيثان من إكمال جملته أو استرجاع اسم أخته المنسي، تحركت يد ني يان بلمح البصر. لم يكن ضربة قاطعة فحسب، بل كانت حكماً مبرماً؛ مزق نصل الخنجر حنجرة إيثان في حركة خاطفة وباردة. سقط إيثان على ركبتيه أولاً، ثم تمدد على الأرض والسجاد الفاخر يمتص دماءه القانية.
في تلك اللحظات الأخيرة، بدأ إيثان يتأفف بصعوبة، وصورة عائلته التي دمرها بيديه تمر أمام عينيه كشريط سينمائي محطم. تذكر كلارا وهي تصرخ في وجهه، تذكر ابنه جيمس وهو ينظر إليه باحتقار، تذكر الرضيع لوكا الذي لم يعد يعرف ملامح والده. شعر بثقل كل قطرة دم سالت بسببه في الشمال، وبكل طفلة مثل مايا بيعت في أسواقه السرية. كانت أنفاسه تخرج حشرجة مثقلة بالندم المتأخر، وعيناه بدأت تنغلقان على سواد لا ينتهي. همس بكلماته الأخيرة التي خرجت كحفيف ريح باردة بين جراحه: «يبدو.. أنني.. أستحق الجحيم الآن».
غادر الضوء عيني إيثان كروز، تاركاً جسده الهامد بجانب رفاقه، ولم يتبقَّ في القاعة الكبرى سوى ني يان الواقف بصمت، وليو تشنغ الذي كان يشاهد نهاية شركائه، مدركاً أن دوره قد حان، وأن النصل الذي حصد الجميع لا يزال متعطشاً لدم الأفعى الكبرى.
أصبح ليو تشنغ الآن وحيداً في مواجهة حتمية مع الموت، الرجل الذي كان يظن نفسه إلهاً فوق كرسيه المتحرك، يرى الآن جثث رفاقه الذين صنع معهم إمبراطورية "أمبريلا" وهي تتحول إلى نفايا بشرية تحت قدمي ني يان. كان ليو يرتجف ارتعاشاً هستيرياً، لدرجة أن مفاصل كرسيه الكهربائي كانت تصدر صريراً متواصلاً. وفي محاولة بائسة للنجاة، حاول دفع الكرسي للخلف، لكن العجلات علقت في بركة من دماء إيثان كروز. فقد ليو توازنه وسقط من فوق الكرسي، ليرتمي على الأرض بضعفه وعجزه، يزحف كحشرة مهينة محاولاً الابتعاد عن الظل المظلم الذي يلقيه ني يان فوقه.
تقدم ني يان بخطوات ثقيلة، نصل خنجره الأسود يقطر دماً حاراً، وعيناه اللتان غلفهما السواد المرزق لا تحملان أي ذرة من الرحمة. رفع يده عالياً، واستعد لإطلاق الضربة التي ستنهي حياة رأس الأفعى. ليو تشنغ أغمض عينيه، وصرخة مكتومة توقفت في حنجرته، بانتظار البرودة الحادة للنصل. ولكن، في اللحظة التي سبقت اختراق الخنجر لقلبه، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ ومض شعاع أخضر فاقع، ضوء زمردي غطى المكان بالكامل لثانية واحدة، وعندما انقشع الضوء، كان ليو تشنغ قد اختفى من أمام ني يان بطريقة سحرية، مخلفاً وراءه فراغاً صامتاً.
وقف ني يان مذهولاً للحظة، ثم أدرك أن فريسته قد أفلتت من بين مخالبه. وفي تلك اللحظة، انطلقت منه صرخة غضب مدمرة، صرخة لم تكن بشرية، بل كانت عويلاً مرعباً هز أركان الجبل المنشق وشق عنان السماء. تردد صدى تلك الصرخة في كل أرجاء شنغهاي المحطمة؛ سمعها ميليوداس وليون في القاع فارتجفت قلوبهم، وسمعها أكيهيكو وهو يتشبث بالصخور، بل إن كليب رثيأ، الواقف فوق حطام المباني، رفع رأسه وابتسم ببرود لسماع ذلك الغضب الصرف الذي يضاهي ظلامه.
من ناحية أخرى، وفي بقعة معزولة ومظلمة من الغابة الكثيفة المحيطة بالهضبة، انبعث الشعاع الأخضر مجدداً ليلقي بجسد ليو تشنغ فوق التراب. كان ليو يتنفس بجنون، يلمس جسده ليتأكد أنه لا يزال حياً، وعيناه تتجولان برعب في المكان وهو غير فاهم لما حدث. وفجأة، رأى ظلاً يترنح أمامه؛ كان كاكيوين.
لم يكن كاكيوين الذي يراه الآن هو ذلك المحارب الأنيق ذو الستاند الجبار، بل كان بقايا إنسان يحتضر حرفياً. كان التراب يلتصق بملابسه الممزقة، وجرحه الصدري البشع الذي تركه بليك لا يزال ينزف بغزارة، ووجهه شاحب كالموتى. ومع ذلك، كان لا يزال متمسكاً بخيوط حياته الواهنة لسبب واحد؛ ولائه المطلق لسيده. كان يلهث بصعوبة، وصوته يخرج كحشرجة أخيرة: «لقد... أنقذتك... يا سيدي... استخدمتُ... آخر ما تبقى من قوى الانتقال الآني في هيروفانت جرين... لنقلك إلى هنا».
نظر ليو تشنغ إلى كاكيوين، وبدلاً من الشكر، انفجر غضباً وجنوناً وهو يصرخ: «أيها الفاشل! كيف تجرؤ على الظهور أمامي بهذا الشكل؟ لقد هُزمت أمام بليك! لقد فقدنا المخبأ، وفقدنا رفاقي، وكدتُ أُقتل بسبب عجزك!». لم يرد كاكيوين على الإهانة، بل انحنى بجسده المحطم، وأخرج من بين ثنايا ملابسه الملطخة بالدماء شيئاً جعل ليو تشنغ يتوقف عن الصراخ فوراً؛ لقد كان كتاب "شمس المعارف".
توسعت عينا ليو تشنغ بذهول لم يسبق له مثيل، وامتدت يداه المرتجفتان لتمسك بالكتاب الذي لطالما كان حلمه وهوسه الأكبر. تحسس غلافه القديم وشعر بالطاقة الهائلة المنبعثة منه، ونسي في تلك اللحظة موته الوشيك وجثث أصدقائه وخسارته للمخبأ. ضحك ليو ضحكة هستيرية، ضحكة المنتصر الذي استعاد كل شيء في لحظة يأس. «لقد فعلتها... لقد أحضرته أخيراً!» قالها وهو يضم الكتاب إلى صدره، بينما سقط كاكيوين أرضاً بجانبه، مستنفداً كل طاقته، تاركاً سيده مع القوة التي ستقلب موازين العالم مرة أخرى.
لم تدم نشوة ليو تشنغ طويلاً، فقبل أن تلامس أصابعه المرتجفة تفاصيل غلاف الكتاب المحرم، انشق سكون الغابة عن صوت رعد مكتوم، أعقبه شعاع برق ذهبي خاطف اخترق كثافة الأشجار كأنه نصل من الضوء المحض. كان الهجوم من السرعة والقوة بحيث لم يترك لليو تشنغ مجالاً للصراخ؛ إذ مرّ الشعاع محطماً جذوع الأشجار الضخمة في طريقه، ليقطع معصم ليو تشنغ في جزء من الثانية، فطار الكتاب عالياً مع اليد المبتورة وسط نافورة من الدماء.
لكن كاكيوين، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، استجمع ما تبقى من خلاياه الحية في انتفاضة أخيرة للولاء؛ وبحركة إعجازية من خيوط "هيروفانت جرين" المتهالكة، التقط اليد المبتورة والكتاب في الهواء، وأعاد تركيب المعصم بجسد ليو تشنغ بدقة جراحية خارقة، مستخدماً سحره المتبقي لربط الأوردة والأعصاب في لمح البصر وكأن اليد لم تُقطع قط. كان كاكيوين يرتعش بعنف، والدم يخرج من مسامه من فرط الإجهاد، لكنه رفض السقوط قبل تأمين سيده.
انقشع الغبار والشرارات الكهربائية ليكشفا عن المصدر؛ كان أكيهيكو يقف وسط الطريق المحطم، يحيط به أزيز البرق، ومقبض الكاتانا يستقر في كفه بإحكام. كان قد استخدم "تنفس البرق" للوصول إلى هذا المكان النائي، وعيناه تشتعلان بحقد لم يعهده أحد فيه من قبل. لم يكن أكيهيكو هنا ليتفاوض، ولم يكن ينوي طلب استعادة كتاب صديقه بليك؛ بل كان يقف بوضعية قتالية توحي بشيء واحد فقط: القتل المحض.
نظر ليو تشنغ إليه بذهول وهو يمسك يده المعاد تركيبها، وصاح بصوت يملؤه الرعب والفضول القاتل: «أنت؟ كيف... كيف تمكنت من اقتفاء أثرنا في هذا العدم؟».
لم يتوقف أكيهيكو عن التقدم، بل انطلق مجدداً كالسهم المنفلت، وصوته يخرج كزئير العاصفة وسط أزيز البرق: «لماذا سأجيبك بحق الجحيم؟ الأسئلة للأحياء، وأنت لم يعد لك مكان بينهم!». قفز أكيهيكو في الهواء، موهجاً نصله بطاقة رعدية كافية لشطر صخرة عملاقة، مصوباً ضربته نحو عنق ليو تشنغ.
وفي اللحظة التي كان النصل فيها على وشك إنهاء حياة الملياردير، اندفع كاكيوين بجسده المحطم ليعترض مسار الضربة. لم يعد يملك طاقة لاستدعاء الستاند بالكامل، فضحى بيده اليمنى التي استقبلت نصل أكيهيكو البرقي؛ تحطمت عظام يد كاكيوين واحترق لحمه، لكنه نجح في تحويل مسار الضربة بعيداً عن رأس ليو تشنغ.
تراجع كاكيوين بضع خطوات، والدماء تغطي وجهه، ونظر إلى أكيهيكو بنظرة رجل قرر المقامرة بوجوده بالكامل. أدرك كاكيوين أن القوة البدنية والسحر التقليدي لن يحميا ليو تشنغ أمام هذا الهياج، فلجأ إلى المحظور. بدأ يتمتم بكلمات قديمة، كلمات تهتز لها أركان الغابة وتصمت لها الطيور؛ كانت "تعويذة أمنيات الأموات"، تلك الطقوس المحرمة التي تُدرس في الزوايا المظلمة لمدارس السحر كتحذير لا كمنهج.
كانت تعويذة تمنح قائلها القدرة على صياغة الواقع لمرة واحدة، أمنية واحدة مقابل ثمن يتناسب مع حجم الطموح. تمتم كاكيوين بالصيغة بينما بدأ جسده يتوهج بنور شاحب وموحش. كان يعلم القوانين جيداً؛ الأمنية البسيطة تُكلف الحياة، والأمنية العظيمة تتطلب تبخر الروح بالكامل، فلا جنة تستقبلها ولا جحيم يطويها، ولا تناسخ يعيدها، بل محوٌ مطلق من سجلات الوجود. أما إذا كانت الأمنية تاريخية وتغير مفاهيم الكون، فلا بد من تضحية تضاهي حجم التغيير، أو كيان يملك قوة لا نهائية لتحمل الارتداد. وقف كاكيوين وسط هذا الوهج، مستعداً لدفع الثمن النهائي، بينما كان أكيهيكو يراقب بذهول تحول الهواء من حولهم إلى كتلة من الطاقة التي لا تخضع لقوانين الطبيعة.
كانت تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والعدم هي كل ما تبقى لكاكيوين؛ كان يرى الموت في نصل أكيهيكو المشتعل بالبرق، ويرى الخلاص في طقوس السحر المحرم التي بدأت تنهش جوهر روحه. لم يكن يبالي بمصيره الشخصي، فقد كان يدرك أن جسده المحطم وجراحه الغائرة قد حكمت عليه مسبقاً، لذا فإن التضحية بكيانه لأجل سيده ليو تشنغ كانت بالنسبة له أسمى أنواع الولاء، أفضل من موت باهت فوق تراب الغابة.
بدأ جسد كاكيوين يشع بألوان سديمية غريبة، خيوط من النور المتعدد الأطياف تنبثق من صدره المفتوح، وكأن روحه تحاول الهروب من قيود المادة قبل أوانها. صرخ كاكيوين بصوت هز جذوع الأشجار، صوتاً تجرد من بشريته ليصبح صدى لقوة عتيقة: «أتمنى... أن يصبح ليو تشنغ خالداً!».
لكن الواقع لم يستجب؛ اهتز الهواء بعنف وارتدت الطاقة إلى صدر كاكيوين لتنفجر في رئتيه دماً. لقد كانت الأمنية أعظم من أن يحملها وعاء بشري متهالك؛ فالخلود مفهوم كوني يغير موازين الوجود، والتعويذة رفضت الاستجابة لأن الثمن المطلوب لم يكن مجرد روح كاكيوين،
بل كان يتطلب تضحية تزلزل أركان الكون.
في تلك الأجزاء من الثانية، كان أكيهيكو قد صار على بُعد إنشات، جسده منغمس في طاقة "تنفس البرق"، ونصله يتجه مباشرة نحو عنق كاكيوين لينهي هذا الطقس المرعب. أدرك كاكيوين في لحظة خاطفة أن الوقت قد نفد، وأنه إذا لم يغير أمنيته الآن، سيموت هو ويُذبح سيده بعده بلحظات. وبدون تفكير، وتحت وطأة نصل أكيهيكو المقترب، صرخ كاكيوين بكلماته الأخيرة: «أتمنى... أن يذهب ليو تشنغ إلى مكان آمن!».
في اللحظة التي نطق بها آخر حرف، ومض الفراغ وحدث انفجار في نسيج المكان؛ اختفى ليو تشنغ وكتاب شمس المعارف من الوجود فوراً، وكأن ثقباً في الواقع قد ابتلعهما ونقلهما إلى مكان لا يمكن لأي حاسة بشرية أو سحرية تتبعه.
وفي اللحظة ذاتها، وصل نصل أكيهيكو إلى هدفه. وبحركة خاطفة مشحونة بالرعد، فصل رأس كاكيوين عن جسده. صرخ أكيهيكو صرخة يأس مزقت سكون الغابة، صرخة حملت كل ثقل الفشل الذي شعر به في تلك اللحظة: «لاااااااااااااااااااا! لقد خذلتك يا بليك! خذلتكم جميعاً!».
سقط رأس كاكيوين، لكنه لم يرتطم بالأرض؛ فبمجرد انفصاله، بدأ جسده يتآكل من الداخل بنور أبيض باهت. كانت ضريبة
"أمنيات الأموات" قد بدأت مفعولها؛ لم يسكن جسده ولم ينزف كالبشر، بل بدأ يتبخر حرفياً. تحولت الأطراف إلى رماد فضي يتلاشى في الهواء، ثم الرأس، ثم الجذع، حتى لم يعد هناك أي أثر مادي لكاكيوين في هذا العالم. لقد مُحي من سجلات الزمان والمكان، فلا جثة تُدفن، ولا روح تُحاسب، بل عدمٌ مطلق خلفه وراءه لأجل نجاة سيده.
وقف أكيهيكو وحيداً في تلك البقعة المحطمة من الغابة، يلهث بشدة وسيفه يرتجف في يده، ينظر إلى الفراغ الذي كان يشغله ليو تشنغ والكتاب منذ ثوانٍ. لقد ضاع الأمل الأخير في استعادة "شمس المعارف"، وبات العدو الأكبر حراً في مكان مجهول، متسلحاً بأخطر كتاب في التاريخ.