في أعماق الغابة، حيث تتشابك الأشجار كأنها أيدٍ متعانقة منذ قرون، جلس أفراد قبيلة الريف في صمت ثقيل. الضوء الخافت الذي يتسلل بين الأوراق كان يرسم ظلالاً طويلة على وجوههم المنهكة. الريح تحمل رائحة التراب المبلل والدخان البعيد، وكأن المدينة التي تركوها خلفهم لا تزال تحترق حتى هنا.إليزابيث جلست على جذع شجرة مقطوع، ذراعاها ملتفتان حول ركبتيها، عيناها مثبتتان على الأرض. لم تتكلم منذ ساعات. كانت تفكر في ميليوداس، في الطريقة التي غادر بها، في الوعد الذي لم ينطق به لكنه كان واضحاً في نظرته الأخيرة. كانت تعرف أنه ذهب ليواجه ما لا تستطيع هي مواجهته، وهذا اليقين يثقل صدرها أكثر من الجوع أو البرد.حولها،
كان شيوخ القبيلة يتوزعون في دوائر صغيرة، يتحدثون بهمس. أطفال يتسلقون جذوع الأشجار المنخفضة، يحاولون استعادة شيء من البراءة وسط الخوف. نساء يعددن أعشاباً للجروح، ويحاولن إخفاء الارتجاف في أيديهن. الجميع ينتظر. ينتظرون ماركو، أو أي أحد يأتي بوعد النجاة.فجأة، توقف كل شيء.صوت خطوات معدنية ثقيلة، منتظمة، بدأ يقترب من الجهة الشرقية. لم يكن صوت أقدام بشرية. كان صوتاً ميكانيكياً، بارداً، كأن الأرض نفسها تتألم من وطأته. رفع الجميع رؤوسهم. الريف، بغريزتهم القديمة، أمسكوا بالعصي والحجارة المسننة التي صنعوها في الأيام الماضية. لم يكن لديهم أسلحة حقيقية، لكنهم كانوا يعرفون كيف يقاتلون من أجل بقائهم.من بين الأشجار خرجت مجموعة كبيرة من جنود التلفاز. رؤوسهم شاشات متوهجة، أجسادهم معدنية مغطاة بطبقة سوداء لامعة. كان عددهم يتجاوز الثلاثين، ربما أكثر. كل شاشة تعرض وجهاً مختلفاً: وجوه بشرية جامدة، عيون فارغة، أفواه مفتوحة في ابتسامة ميتة. لم يتكلموا. لم يحتاجوا إلى ذلك. كان وجودهم هو التهديد.أحد الشيوخ، رجل طويل القامة وجهه محفور بالتجاعيد، تقدم خطوة واحدة إلى الأمام. رفع يده ببطء، وتحدث بصوت هادئ لكنه قاطع:«أنتم تعرفون أن هذه الأرض ليست لكم. غادروا الآن، قبل أن تسيل الدماء.»الشاشة الأقرب إليه بدأت بالوميض. ظهر عليها وجه امرأة شابة، تبتسم ابتسامة آلية. ثم تغير الصوت. صوت معدني، خالٍ من أي عاطفة:«أنتم ملكية. العودة إلى الأقفاص أمر لا مفر منه. المقاومة تؤدي إلى الإبادة.»لم ينتظر أحد جواباً.اندفع أحد الجنود إلى الأمام، ذراعه المعدنية مرفوعة كسيف. لكن قبل أن يصل، ألقى أحد الريف حجراً مسنناً أصاب الشاشة مباشرة. تحطمت الشاشة،
وتطايرت شرارات. الجسد المعدني توقف للحظة، ثم انقض عليه ثلاثة من الريف معاً، يضربون بكل ما أوتوا من قوة.اندلعت المعركة.لم تكن معركة منظمة. كانت فوضى حياة أو موت. الريف يقاتلون بأجسادهم، بأظافرهم، بحجارتهم، بعصيهم. الجنود يتقدمون بخطى ثابتة، يطلقون أشعة حرارية من أيديهم تحرق الأشجار وتترك آثاراً سوداء على الأرض. أحد الأطفال صرخ عندما احترق ذراعه، فاندفع أبوه نحوه، يحميه بجسده، ويتلقى شعاعاً في صدره. سقط صامتاً.إليزابيث وقفت. عيناها واسعتان. لم تكن مقاتلة. لم تكن تملك قوة ميليوداس. لكنها لم تستطع الوقوف مكتوفة الأيدي. التقطت عصا مكسورة من الأرض، واندفعت نحو أحد الجنود الذي كان يستهدف امرأة تحمل طفلها. ضربت الشاشة بكل قوتها. تحطمت، وانهار الجسد المعدني.التفتت إليها امرأة من الريف، وجهها ملطخ بالدم والرماد، وقالت بصوت خشن:«لا تفعلي هذا. أنتِ لستِ منا. أنتِ منهم.»ردت إليزابيث، وهي تلهث:«أنا لست من أحد. أنا هنا لأنني اخترت أن أكون هنا. وإذا مت، فسأموت معكم.»لم تجب المرأة. لكنها مدت يدها، وسحبت إليزابيث إلى جانبها، وكأنها تقبلها في الصف.القتال استمر.جندي تلفاز رفع ذراعه نحو مجموعة من الأطفال المختبئين خلف جذع شجرة. قبل أن يطلق، قفز أحد الشباب من الريف، وضرب الذراع بقوة، فانحرف الشعاع وأصاب الأرض. سقط الجندي، واندفع الشاب نحوه، يحطم الشاشة بحجر كبير، مراراً وتكراراً، حتى أصبحت كتلة مشتعلة.امرأة مسنة، لم تعد قادرة على الجري، وقفت أمام ثلاثة جنود. لم ترفع سلاحاً. فقط نظرت إليهم، وقالت بصوت هادئ:«أنتم لستم بشر. ولستم آلات. أنتم أشياء. وكل شيء له نهاية.»أطلق أحدهم شعاعاً. احترق جسدها قبل أن تسقط. لكن في تلك اللحظة، اندفع أكثر من عشرة من الريف نحوهم، يضربون بغضب أعمى.إليزابيث كانت ترى كل شيء. الدم، النار، الصرخات، الشاشات المتحطمة، الوجوه المحترقة. شعرت بقلبها ينقبض. لم تكن هذه معركة من أجل النصر. كانت معركة من أجل البقاء لثوانٍ أخرى.فجأة، توقف أحد الجنود أمامها.
شاشته كانت تعرض وجهاً هادئاً، وجهاً بشرياً تقريباً. تحدث الصوت المعدني:«لماذا تقاومين؟ لا فائدة. العودة أسهل. الأقفاص مريحة. لا جوع. لا خوف.»نظرت إليه إليزابيث، عيناها مليئتان بالدموع والغضب.«لأنني أعرف معنى أن تكوني حراً. ولأنني لن أترك هؤلاء الناس يموتون وحدهم.»رفع الجندي ذراعه.لكن قبل أن يطلق، أصيبت شاشته بحجر طائر. تحطمت. سقط الجسد.التفتت إليزابيث. كان طفل صغير، لا يتجاوز الثامنة، يقف خلفها، يرتجف، لكنه يحمل حجراً آخر في يده.«لا تخافي.» قال الطفل بصوت صغير. «نحن معك.»لم تجب. فقط أمسكت يده، وضمته إليها، واستدارت لتواجه المزيد من الجنود الذين يتقدمون.المعركة لم تنتهِ.الغابة كلها كانت تصرخ. ومع كل صرخة، كان الريف يقاتلون بمزيد من اليأس والعناد. لم يكن لديهم أمل كبير. لكنهم كان لديهم شيء أقوى: رفض الاستسلام.وإليزابيث، التي جاءت من عالم آخر، أصبحت جزءاً من هذا الرفض.
من بعيد، حيث ينحني خط الأفق بين الأشجار الكثيفة والسماء الرمادية، بدأ صوت خافت يقترب. أول ما سمعه الجميع كان همهمة منخفضة، كأنما الأرض نفسها تتنفس بصعوبة. ثم تحول الصوت إلى زئير منتظم، معدني، يزداد وضوحاً مع كل لحظة. رفع الريف رؤوسهم، أيديهم لا تزال مشدودة على أسلحتهم البدائية، عيونهم تترقب الظلام بين الأشجار.إليزابيث وقفت ببطء، قلبها يخفق بقوة. عرفت الصوت قبل أن ترى المصدر. كان صوت محركات ماركو، تلك الطنين الغريب الذي يحمل في طياته رائحة المعدن الساخن والطاقة المحترقة.فجأة انشق الظلام. مركبة طائرة خضراء داكنة، تشبه جذع شجرة عملاق منحوت من معدن، انطلقت من بين السحب المنخفضة، تتحرك بسرعة مخيفة ثم تبطئ فجأة فوق المعركة. ضوء أخضر خافت ينبعث من فتحاتها، يرسم ظلالاً متماوجة على الأرض المحترقة.لم ينتظر أحد.من أسفل المركبة، انفتحت فتحات جانبية صغيرة. خرجت منها أشعة زرقاء رفيعة، دقيقة كالإبر، لكنها قوية كالبرق.
ضربت كل رأس تلفاز في آن واحد. لم تكن هناك انفجارات صاخبة، ولا دخان كثيف. فقط صوت طقطقة خفيفة، كأنما كسر زجاج رقيق، ثم سقطت الأجسام المعدنية واحدة تلو الأخرى، كدمى مقطوعة الخيوط. الشاشات تحطمت، الشرر تطاير للحظة ثم انطفأ، والأجساد بقيت ممددة على الأرض، صامتة تماماً.ساد صمت رهيب لثوانٍ.ثم انفجر الريف بالهتاف. صرخات فرح ممزوجة بالبكاء، أيدٍ مرفوعة، أجساد تتعانق، أطفال يركضون نحو بعضهم. كان الفرح في أصواتهم خاماً، مختنقاً بالإرهاق والخوف الذي تراكم لأيام. بعضهم سقط على ركبتيه يبكي، وآخرون ظلوا ينظرون إلى السماء كأنما يخشون أن يعود الجنود مرة أخرى.بدأت المركبة تهبط ببطء. صوت محركاتها خفّ تدريجياً حتى أصبح همهمة هادئة. فتح الباب الجانبي، وخرج ماركو أولاً. خطواته ثقيلة، جسده مغطى بالغبار والخدوش، وجهه متعباً لكنه ثابت. في يده اليمنى، يحمل رأس بابادوك بعناية، كأنه يحمل شيئاً ثميناً لا يريد أن يسقطه. وقط الكذب يتبعه بخطوات صغيرة سريعة، عيناه تتفحصان المكان بحذر.نزل ماركو إلى الأرض. وضع رأس بابادوك على جذع شجرة قريب، ثم استقام. نظر إلى الريف الذين بدؤوا يتقدمون نحوه ببطء، عيونهم مليئة بالدهشة والامتنان.تقدم شيخ القبيلة، الرجل الطويل ذو الوجه المجعد. وقف أمام ماركو، ثم انحنى قليلاً، تحية قديمة لم يرها إليزابيث من قبل.«لقد وفيت بوعدك.» قال الشيخ بصوت خشن، متعب، لكنه يحمل احتراماً عميقاً. «كنا نظن أنك لن تعود.»نظر ماركو إليه مباشرة، ثم هز رأسه ببطء.«لم أعد من أجل الشفقة. وعدتكم بأن أعود، وعدت نفسي بأن أفعل ما يجب.»ساد صمت قصير. ثم تقدمت امرأة من الريف، تحمل طفلها على صدرها. كانت عيناها حمراء من البكاء، لكنها ابتسمت ابتسامة مرهقة.«أنقذتنا. لا نملك شيئاً نعطيه لك سوى شكرنا.»«لا أريد شيئاً.» قال ماركو بهدوء. «كفى أن تظلوا أحياء.»اقتربت إليزابيث من بابادوك. رأسه موضوع على الجذع، عيناه مفتوحتان، وابتسامة خفيفة على شفتيه كأنه يستمتع بالمشهد. لكنها لم تستطع إخفاء الرعب في صوتها عندما تكلمت.«بابادوك... ما الذي حدث لك؟»نظر إليها، ثم ضحك ضحكة خافتة، صوتها يخرج من حلقه المقطوع كأنما يتحدث من مكان بعيد.«لا تقلقي يا إليزابيث. أنا بخير. هذا مجرد... ترتيب مؤقت. الجسد يحتاج وقتاً ليعود. أما الرأس، فهو لا يزال يفكر، ويتكلم، ويضحك. أليس هذا كافياً؟»ابتلعت إليزابيث ريقها. مدت يدها بحذر،
لمست خدّه بلطف.«كيف تستطيع أن تمزح في مثل هذا الوقت؟»«لأنني إن لم أمزح، سأبكي.» قال بهدوء. «والدموع لا تنفع رأساً مقطوعاً.»ابتسمت إليزابيث رغماً عنها، ابتسامة صغيرة، حزينة.بدأ الريف يتحركون نحو المركبة. خطواتهم بطيئة، متعبة، لكن فيها عزم. الأمهات يحملن أطفالهن، الشيوخ يساعدون بعضهم، الشباب يحملون الجرحى. كانوا يصعدون واحداً تلو الآخر، ينظرون إلى الداخل بدهشة وخوف خفيف، لكنهم يثقون.وقفت إليزابيث بجانب ماركو. نظرت إليه، ثم سألت بصوت منخفض:«إلى أين تأخذهم الآن؟»نظر ماركو إلى السفينة، ثم إلى السماء.«إلى وطننا الأم. إلى القمر الذي جئنا منه جميعاً. هناك أمان، هناك سلام، هناك حياة لم نعرفها منذ زمن طويل.»ساد صمت بينهما. ثم تكلمت إليزابيث مرة أخرى، صوتها أكثر ليناً هذه المرة.«وماذا عنك؟ هل لديك من ينتظرك؟»نظر إليها ماركو طويلاً. عيناه حملتا شيئاً لم تره من قبل: حناناً عميقاً، مختلطاً بحزن قديم.«نعم.» قال أخيراً. «لدي زوجة. ولدي ابنة رضيعة. تنتظرانني منذ أشهر. كل يوم أفكر بهما، أتذكر صوت ضحكتها الصغيرة، رائحة شعرها. أتذكر كيف كانت زوجتي تضع يدها على صدري وتقول لي: عُدْ سالمًا.»توقف لحظة، ثم أكمل:«مهما كلف الأمر، سأعود إليهما. لن أتركهما تنتظران إلى الأبد.»نظرت إليزابيث إليه بعيون دامعة.«ستعود.» قالت بهدوء. «أعرف ذلك.»سألت إليزابيث فجأة، وهي تنظر إلى رأس بابادوك الذي لا يزال موضوعاً على الجذع:«ولماذا بحق الجحيم سوف يذهب بابادوك معكم؟»
نظر ماركو إلى الرأس، ثم إلى إليزابيث.«لن يذهب.» قال بهدوء. «هو ليس منا. هو اختار طريقه معكم. ونحن نعرف أن بعض الروابط لا تُقطع بسهولة.»نظر بابادوك إلى إليزابيث، عيناه تلمعان بشيء يشبه الابتسامة.«أنا أبقى حيث أنا مطلوب.» قال. «والآن، أنتِ وهؤلاء الأحياء تحتاجون إلى من يذكرهم أن الحياة لا تنتهي بجسد مقطوع.»ساد صمت مريح للحظات. بدأ الريف ينهون الصعود إلى المركبة. آخر طفل دخل، وآخر امرأة نظرت إلى إليزابيث بعيون مليئة بالشكر الصامت.وقف ماركو أمام الباب المفتوح. نظر إلى إليزابيث مرة أخيرة.«اعتني بنفسك.» قال.«وأنت أيضاً.» ردت.صعد ماركو، حمل رأس بابادوك معه بحرص، ثم أغلق الباب خلفه. بقي الجميع صامتين، ينظرون إلى المركبة وهي ترتفع قليلاً فوق الأرض، محركاتها تهمهم بهدوء.لم تقلع بعد. ظلت هناك، معلقة فوق الغابة، كأنما تنتظر شيئاً آخر. أو ربما، كأنما تودع.
نزل ماركو من المركبة بخطوات ثقيلة، وجهه متجهم كأنما تذكر شيئاً نسيه في عجلة من أمره. توقف أمام جذع الشجرة حيث كان رأس بابادوك موضوعاً، نظر إليه للحظة طويلة، ثم تكلم بصوت منخفض، كمن يتحدث إلى صديق قديم.«لم أودع بليك ولا الآخرين بعد. كنت أنوي أن أفعل، لكن الوقت لا ينتظر. يجب أن أذهب الآن.»توقف قليلاً، ثم أضاف وهو ينظر إلى قط الكذب الذي كان يقف بجانبه، يراقب المشهد بعينيه الصغيرتين المتيقظتين:«لكن قبل أن أرحل، أترك لكم هدية. قط الكذب سيبقى معكم. إنه مخلص، وهو يعرف كيف يحمي من يثق بهم. اعتنوا به.»نظر بابادوك إليه، ثم أجاب بصوت هادئ، يحمل في طياته نوعاً من الامتنان الممزوج بالسخرية الخفيفة:«شكراً لك يا ماركو. لقد فعلت ما وعدت به، وهذا أكثر مما يفعله معظم الناس. وداعاً.»رد ماركو بنظرة صامتة، ثم أومأ برأسه ببطء.«وداعاً.»استدار ماركو نحو المركبة، خطوة واحدة، ثم خطوة أخرى. كان على وشك الصعود عندما توقف فجأة. صوت خافت، لكنه واضح، جاء من الشجرة التي كانت ستالك لا تزال مربوطة إليها. كانت جسدها العنكبوتي مشدوداً بالحبال السحرية التي صنعها ميليوداس، لكن عينيها كانتا تلمعان بحقد حي.تكلمت ستالك بصوت منخفض، لكنه يحمل سمّاً:«لا تظن أن الأمر انتهى يا ماركو. لن نتركك. أنت بالذات... أنت يجب أن تموت. لا مفر من ذلك.»نظر ماركو إليها بلا تعبير تقريباً، ثم سخر بهدوء:«كلام كبير من كائن مربوط إلى شجرة. إذا كان الموت قادماً، فليأتِ. أنا لا أهرب منه.»فجأة، دوى صوت طلقة نارية حادة. ارتجف جسد ماركو، وسقط على ركبته اليمنى. الدم بدأ يتسرب من فخذه، يلطخ الأرض تحت قدميه. أطلقت إليزابيث صرخة مكتومة، واندفعت نحوه دون تفكير، تسند جسده الذي كاد يسقط تماماً.«ماركو!»نظر بابادوك إلى المشهد بعينين متسعتين، صوته يخرج من حلقه المقطوع بقلق حقيقي:«ما هذا؟ من أين جاءت الطلقة؟»قط الكذب أطلق همهمة غاضبة، أذناه مرفوعتان، لكنه لم يتحرك بعد. كان يشم الخطر.من بين الأشجار، على بعد عشرين خطوة تقريباً، تقدم رجل بهدوء، كأنما المكان ملكه.
كان حليق الرأس، ملامحه جادة وهادئة، في مقتبل العمر. يرتدي قميصاً أبيض بياقة بسيطة، فوقه عباءة باللون الأحمر القاتم، وبنطالاً رمادياً مع أحذية ضخمة مخصصة للمغامرات. على خصره حزام جلدي يحمل جيوباً وحافظة سلاح، وفي يده اليمنى مسدس طويل الماسورة لا يزال يتصاعد منه دخان خفيف.عندما رأته ستالك، اتسعت عيناها، وانفجرت ضحكة مجنونة من حلقها:«ها قد جاء! رحلة لي! بصائد الجوائز! والمرتزق الثاني معي... ذاويل!»لم يتكلم الرجل على الفور. تقدم خطوتين أخريين، ثم توقف. نظر إلى ماركو الذي كان يضغط على جرحه بيده، ثم إلى إليزابيث التي كانت تسنده، ثم إلى رأس بابادوك وقط الكذب.فجأة اندفع قط الكذب نحوه، مخالبه ممدودة، أنيابه مكشوفة. لكن ذاويل لم يتحرك إلا بقدر ضئيل. رفع يده اليسرى بسرعة واحدة، وضرب القط بظهر قبضته. سقط القط على الأرض، يلهث، عيناه مفتوحتان بدهشة وألم.رفع ذاويل المسدس بيده اليمنى، موجهاً إياه نحو ماركو، ثم تكلم بصوت هادئ، خالٍ من أي عاطفة:«اخرجوا أيها الريف من المركبة. دعوني أنهي مهمتي بسرعة. لا أريد البقاء في هذا الكوكب المقزز أكثر مما يجب.»من داخل المركبة، بدأ الريف ينظرون من النوافذ الصغيرة. أصواتهم خافتة، خائفة. أمهات يضمون أطفالهن إلى صدورهن،
شيوخ يمسكون بعصيهم بقوة أكبر، عيونهم تترقب الرجل الذي يقف أمامهم كالموت نفسه.لكن ماركو، رغم الألم الذي يعتصر ساقه، رفع رأسه. نظر إلى ذاويل مباشرة، ثم تكلم بصوت خشن:«حاول... إن استطعت.»فجأة، من تحت قدمي ذاويل، انبثق عمود سحري رفيع، لامع، يشبه الضوء الأزرق النقي. كان هدفه ثقب صدر الرجل بسرعة فائقة. لكن ذاويل تحرك ببراعة، انحنى إلى الجانب بجزء من الثانية، فمر العمود بجانب كتفه، محترقاً جزءاً من عباءته.توقف ذاويل. نظر إلى الأرض، ثم إلى الريف داخل المركبة، ثم إلى ماركو. فهم الأمر في لحظة.«إذن هذه هي القوة التي تتشاركونها.» قال بهدوء. «السحر. لم أكن أعلم أنك تملكه أيضاً، يا ماركو.»نظر ماركو إليه، ثم إلى إليزابيث وبابادوك اللذين كانا ينظران إليه بدهشة واضحة.«لم أكن أستخدمه إلا في أوقات مثل هذه.» قال ماركو. «كنت أحتفظ به سراً. لأن من يعرف قوتك يعرف كيف يقتلك.»رفع يده اليسرى ببطء. بدأ ضوء أخضر خافت ينبعث من كفه. لمس جرحه، وفي ثوانٍ، توقف النزيف. التحم اللحم، وبدأ يستطيع الوقوف من جديد، رغم أن ساقه لا تزال تؤلمه.نظر إلى ذاويل.«الآن... حاول.»ذاويل لم يرد بالكلام. رفع مسدسه ببطء، واندفع ماركو نحوه في اللحظة ذاتها. بدأ القتال.
اندفع ماركو نحوه بسرعة ليست بالغة، لكنها محسوبة. لم يكن يركض كمن يملك قوة لا تُقهر، بل كمن يعرف أن كل خطوة قد تكون الأخيرة. ذراعه اليسرى ممدودة قليلاً، راحته مفتوحة، وبدأ ضوء أخضر خافت يتجمع في كفه كأنما يستمد من الهواء نفسه. في اللحظة التي اقترب فيها مسافة ثلاث خطوات، رفع ذاويل مسدسه بيد واحدة، دون أن يتحرك جسده كثيراً، وأطلق طلقتين متتاليتين نحو صدر ماركو.لم يحاول ماركو التفادي بالكامل. بدلاً من ذلك، أدار كفه بسرعة، فانبثق من بين أصابعه درع شفاف رفيع، كأنه طبقة من الزجاج المهتز. اصطدمت الرصاصتان به، فانحرفتا بزاوية حادة، واحدة إلى اليمين تحفر في جذع شجرة، والأخرى إلى الأعلى فتخترق أوراقاً عالية. لكن الاصطدام نفسه جعل ماركو يتراجع خطوتين، والألم في ساقه المصابة يعود بقوة أكبر.«لن تستمر هذه الحيلة طويلاً.» قال ذاويل بهدوء، وهو يعيد المسدس إلى حزامه بسرعة، ثم يسحب من ظهره بندقية قصيرة الماسورة، مزودة بكاتم صوت معدني أسود. «أنت تستهلك طاقتك في الدفاع. أنا لا أحتاج إلا إلى لحظة واحدة.»لم يجب ماركو. بدلاً من ذلك، ضرب الأرض بقدمه السليمة بقوة. انبثق من تحت قدميه خطوط خضراء رفيعة، كجذور نباتية حية، تنطلق نحو ذاويل بسرعة. كانت الجذور تتحرك كأفاعٍ، تحاول لفّ ساقيه. لكن ذاويل لم يتراجع. قفز إلى الخلف بخفة، ثم أطلق من بندقيته ثلاث رصاصات متتالية، كل واحدة تصيب جذراً بالضبط في مركزه. تحطمت الجذور كأنها زجاج، وتناثرت شظايا خضراء متوهجة على الأرض قبل أن تتلاشى.«سحر النباتات؟» قال ذاويل،
وهو يتقدم خطوة. «مثير للإعجاب. لكنه بطيء.»في تلك اللحظة، رفع ماركو يده اليمنى فجأة. انبثق من كفه ريح خفيفة، لكنها حادة كشفرات. كانت دوامة صغيرة من الهواء المضغوط، تدور بسرعة كافية لتقطع الأغصان القريبة. انطلقت الدوامة نحو ذاويل، تحمل معها أوراقاً وتراباً وحطاماً صغيراً. لم يكن هجوماً قاتلاً، لكنه كان مزعجاً، يصعب الرؤية من خلاله.ذاويل لم يهرب. بدلاً من ذلك، أدار جسده نصف استدارة، ثم أطلق من بندقيته رصاصة واحدة نحو مركز الدوامة. الرصاصة اخترقت الريح، وانحرفت قليلاً بفعل الضغط، لكنها وصلت إلى هدفها: كتف ماركو الأيسر. لم تخترقها بعمق، لكنها مزقت اللحم وجعلته يترنح.«أنت تتكلم كثيراً.» قال ماركو، وهو يضغط على كتفه بيده، الدم يتسرب بين أصابعه. «لكن كل طلقة لها ثمن.»رفع يده اليسرى مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن الضوء أخضر فقط. بدأ لون أزرق بارد يتسرب من راحته، ثم تشكلت كرة صغيرة من الجليد النقي في الهواء أمامه. لم تكن كبيرة، لكنها كانت متكثفة بشكل مخيف. أطلقها نحو ذاويل كقذيفة صغيرة، سريعة، تترك خلفها أثراً من الهواء المتجمد.ذاويل انحنى إلى الجانب بسرعة، لكن الكرة مرت قريبة جداً من وجهه. شعر ببرودة قارسة تحرق خده، ثم اصطدمت بالشجرة خلفه فانفجرت في وميض جليدي، مزقت اللحاء وأحدثت شقوقاً عميقة في الجذع.«الجليد أيضاً؟» قال ذاويل، وهو يمسح خده بظهر يده. «أنت متنوع. لكنك تتعب بسرعة.»لم يجب ماركو. كان يتنفس بصعوبة الآن. الجرح في فخذه والجرح في كتفه ينزفان معاً، والسحر يستهلك طاقته بسرعة أكبر مما يستطيع تحمله. لكنه لم يتوقف. ضرب الأرض مرة أخرى، هذه المرة بكلتا يديه. انبثقت من الأرض ألسنة نار خضراء صغيرة، ليست حارقة بقوة، لكنها كافية لتشكل ستاراً من اللهب بينه وبين ذاويل. كانت النيران تتحرك ببطء، كأنها تتنفس، تحجب الرؤية وتجعل التصويب صعباً.استغل ذاويل اللحظة. قفز إلى الجانب الأيمن، مستخدماً جذع شجرة كغطاء، ثم أطلق من بندقيته رصاصتين متتاليتين نحو قدمي ماركو. إحداهما أصابت الأرض بجانبه، والأخرى مرت قريبة جداً من كاحل ساقه المصابة، مزقت جزءاً من حذائه وجعلته يترنح مرة أخرى.«أنت لا تقاتل لتنتصر.» قال ذاويل، وهو يتقدم بخطوات ثابتة. «أنت تقاتل لتكسب وقتاً. لكن الوقت ليس لصالحك.»ماركو رفع رأسه. كان وجهه شاحباً، لكنه لا يزال يحمل تلك النظرة الثابتة. رفع كلتا يديه أمامه، وبدأ يجمع بين الضوء الأخضر والأزرق معاً. تشكلت بين راحتيه كرة صغيرة، مزيج من الريح والجليد والنار الخضراء، تدور ببطء، تصدر صوتاً خافتاً كأنما تتنفس.«ربما.»
قال ماركو، صوته خشن من الألم. «لكن الوقت الذي أكسبه... يكفي.»أطلق الكرة نحو ذاويل. لم تكن سريعة جداً، لكنها كانت ثقيلة، تحمل قوة مركبة. ذاويل حاول التفادي، لكنه لم يستطع تماماً. اصطدمت الكرة بكتفه الأيمن، فانفجرت في موجة من الريح الباردة والنار الخضراء. لم تحرقه، لكنها دفعته إلى الخلف ثلاث خطوات، وجعلت بندقيته تسقط من يده.للحظة، بدا أن ماركو قد كسب ميزة.لكن ذاويل لم يتوقف. انحنى بسرعة، التقط بندقيته، وفي حركة واحدة سحب من حزامه خنجراً قصيراً، معدنه أسود لامع. اندفع نحو ماركو بسرعة لم تكن متوقعة، مستغلاً إرهاقه. رفع الخنجر نحو صدر ماركو، وفي اللحظة ذاتها أطلق رصاصة أخيرة من مسدسه القديم نحو ساقه السليمة.تراجع ماركو خطوة، لكنه لم يستطع تجنب الاثنين معاً. الرصاصة أصابت فخذه السليم، والخنجر مرّ قريباً من جانبه، مزق قميصه وترك خطاً دموياً طويلاً على ضلوعه.سقط ماركو على ركبتيه. كان يتنفس بصعوبة، الدم يتسرب من ثلاث جروح الآن، والسحر يتلاشى من يديه كأنما نفد وقوده.ذاويل وقف أمامه، يلهث قليلاً، لكنه لا يزال متماسكاً. رفع مسدسه مرة أخرى، موجهاً إياه نحو رأس ماركو.«انتهى الأمر.» قال بهدوء. «لن أطيل معاناتك.»ماركو رفع رأسه ببطء. عيناه مليئتان بالألم، لكن فيهما شيء آخر... شيء لا يزال حياً.«ربما.» قال، صوته بالكاد مسموع. «لكن ليس بعد.»ورفع يده اليمنى مرة أخيرة، ببطء شديد، كأنما يجمع آخر ذرة من قوته...
ماركو لم ينهض بسرعة. ظل راكعاً للحظات، يتنفس بعمق، يداه على الأرض، الدم يتساقط من كتفه وساقيه على التراب الرطب. كان يعرف أن الوقت ليس في صالحه، لكنه أيضاً تعلم شيئاً في هذه الدقائق القليلة: ذاويل لا يقاتل بعشوائية. كل حركة محسوبة، كل طلقة تُطلق لتُجبر الخصم على التحرك بطريقة معينة، كل خطوة تهدف إلى استنزاف الطاقة قبل الضربة القاتلة. إنه صياد، لا مقاتل مجرد.رفع ماركو رأسه ببطء. نظر إلى ذاويل الذي وقف على بعد خمس خطوات، مسدسه مرفوع، لكنه لم يطلق بعد. كان ينتظر. يدرس.«أنت تنتظرني أن أنهار.» قال ماركو، صوته خشن، متقطع. «لكنني لست بهذه السرعة.»بدأ ينهض، مستنداً إلى ركبته السليمة. رفع يده اليسرى مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يجمع ضوءاً كبيراً. اكتفى بوميض خافت، أخضر باهت، كأنما يختبر شيئاً. انبثق من الأرض أمامه خط رفيع من الجذور الخضراء، ليس قوياً كالسابق، بل مجرد ستارة خفيفة، تتحرك ببطء، تحجب الرؤية جزئياً.ذاويل لم يضيع الوقت. أطلق طلقتين متتاليتين نحو الجذور، محطماً إياها في لحظة. لكن ماركو كان قد تحرك بالفعل. استغل الثواني التي استغرقتها الرصاصات في تدمير الجذور، فانحنى إلى الجانب الأيسر، وركض بخطوات متعرجة نحو شجرة قريبة، مستخدماً جذعها كغطاء.«تحاول الاختباء الآن؟» قال ذاويل، وهو يتقدم بخطوات هادئة. «هذا لا ينفع.»أطلق رصاصة أخرى، اخترقت الجذع، لكنها مرت على بعد سنتيمترات من رأس ماركو. كان قد انحنى في اللحظة المناسبة. ثم، من خلف الشجرة، رفع يده اليمنى. هذه المرة، لم يكن الضوء أخضر أو أزرق. كان برتقالياً خافتاً، دافئاً. بدأت شرارات صغيرة تتطاير من أصابعه، ثم تشكلت كرة نارية صغيرة، ليست كبيرة، لكنها مركزة. أطلقها نحو الأرض أمام ذاويل مباشرة.انفجرت الكرة عندما وصلت إلى التراب، ليست انفجاراً مدمراً، بل موجة حرارة مفاجئة، رفع معها سحابة من الغبار والرماد والأوراق المحترقة. غطت الرؤية تماماً لثوانٍ.استغل ماركو اللحظة. خرج من خلف الشجرة، ركض بخطوات متعرجة، منخفضاً قدر الإمكان. ذاويل أطلق رصاصتين في الغبار، لكنه لم يصب. ماركو كان قد اقترب الآن، مسافة لا تتجاوز ثلاثة أمتار.رفع ماركو يده اليسرى مرة أخرى. هذه المرة، انبثق من كفه رذاذ من الريح الباردة، ليس قوياً بما يكفي للدفع، لكنه مزعج، يحمل معه حبات تراب صغيرة وأوراقاً تحرق العينين. ذاويل أغمض عينيه لثانية، ثم فتحها بسرعة، لكنه تأخر لحظة. ماركو كان قد اندفع نحوه، لكمة بيده اليمنى موجهة نحو ذقنه.ذاويل تفادى في اللحظة الأخيرة، لكنه لم يتجنب تماماً. اصطدمت قبضة ماركو بجانب فكه، دفعته إلى الخلف خطوتين. لأول مرة، بدا ذاويل متفاجئاً.«أنت تتعلم.»
قال ذاويل، وهو يمسح فمه بظهر يده. «لكن التعلم لا يكفي.»سحب خنجره بيده اليسرى، وبندقيته لا تزال في اليمنى. اندفع نحو ماركو بسرعة، يحاول طعنه من الأسفل بينما يطلق رصاصة من مسافة قريبة جداً نحو كتفه.ماركو لم يتراجع. بدلاً من ذلك، رفع كفه اليسرى مرة أخرى. انبثق من الأرض أمامه جدار صغير من التراب المتصلب، كأنه درع مؤقت. اصطدمت الرصاصة بالجدار، وانحرفت. أما الخنجر، فقد مرّ قريباً من جانبه، مزق قميصه مرة أخرى، لكنه لم يصل إلى اللحم.استدار ماركو بسرعة، ورفع ركبته نحو بطن ذاويل. اصطدمت الركبة بقوة، جعلت ذاويل يتراجع خطوة، يلهث للحظة. لكن ذاويل رد بسرعة. ضرب بمؤخرة البندقية وجه ماركو، أصاب خده، جعله يترنح.كان الاثنان الآن متعادلين تقريباً في الإرهاق. ماركو ينزف من ثلاثة جروح، وذاويل يعاني من ضربات قوية في الوجه والبطن. لكن ماركو بدأ يفهم النمط: ذاويل يعتمد على المدى والتوقيت. إذا اقترب ماركو أكثر، يصبح السلاحان أقل فعالية.اندفع ماركو مرة أخرى، هذه المرة بكل ما تبقى له. رفع كلتا يديه. انبثقت من حوله دوامة صغيرة من الريح الخضراء، تحمل معها شرارات نارية خفيفة. لم تكن قوية بما يكفي لتحرق، لكنها كانت كافية لتشتيت الانتباه وتجعل التصويب صعباً.ذاويل أطلق رصاصتين، لكنهما مرتا في الهواء. ماركو كان قد انحنى، ثم قفز إلى الأمام، أمسك بمعصم ذاويل الذي يحمل المسدس، ولفّه بقوة. سقط المسدس من يده. ثم رفع ماركو قبضته اليمنى، وضرب ذاويل في أضلاعه بضربة قوية، مباشرة، بكل ما تبقى من قوته البدنية.سمع صوت تكسر خفيف. تراجع ذاويل، يده على جانبه، وجهه متألماً لأول مرة.لكن ذاويل لم يسقط. بدلاً من ذلك، سحب خنجره بيده الأخرى، وحاول طعن ماركو في صدره. ماركو تفادى، لكنه تأخر لحظة. مر الخنجر على كتفه المصاب، عمّق الجرح القديم.كان الاثنان يلهثان الآن. المسافة بينهما لا تتجاوز متراً. لا مجال للسحر الكبير، لا مجال للرصاص الدقيق. فقط قتال خام، يدوي، مؤلم.ماركو دفع ذاويل بكتفه، ثم ضرب بقبضته مرة أخرى في نفس المكان، الأضلاع. هذه المرة، سمع صوت تكسر أوضح. ترنح ذاويل، ثم سقط على ركبته.ماركو وقف فوقه، يتنفس بصعوبة، الدم يغطي قميصه وساقيه. نظر إلى ذاويل، ثم إلى ستالك التي كانت لا تزال مربوطة إلى الشجرة، تصرخ بجنون:«اقتله! اقتله الآن!»ماركو لم يرد. بدلاً من ذلك، رفع يده اليمنى ببطء. تجمع في كفه لهب أخضر صغير، لكنه حار جداً، مركز. لم يكن يستهدف ذاويل. كان ينظر إلى ستالك.«كفى.» قال بهدوء.أطلق اللهب نحو الحبال السحرية التي تربط ستالك. احترقت الحبال بسرعة، وتحررت ستالك. لكنها لم تتحرك نحو ماركو. بدلاً من ذلك، اندفعت نحو ذاويل،
تحاول سحبه بعيداً.ذاويل، رغم ألمه، حاول الوقوف. لكن في تلك اللحظة، استغل ماركو الثغرة. ضرب الأرض بقدمه بقوة. انبثق من تحت قدمي ذاويل عمود صخري رفيع، صلب، يرتفع بسرعة. اصطدم بالأضلاع المكسورة مباشرة. سمع صوت تكسر أقوى هذه المرة. سقط ذاويل على الأرض، فاقداً الوعي من الألم.ستالك صرخت، لكنها لم تهاجم. بدلاً من ذلك، سحبت جسد ذاويل بعيداً بسرعة، متجهة نحو الظلام بين الأشجار، تاركة وراءها خطاً من الدم.ماركو وقف هناك، يلهث، يداه ترتجفان. الدم يغطيه، والألم يعتصر جسده كله. لكنه كان واقفاً. كان قد فاز.نظر إلى بابادوك، الذي كان يراقب المشهد بعينين واسعتين.«كان... صعباً.» قال ماركو، صوته متقطع.«لقد فعلتها.» رد بابادوك بهدوء. «أنت أقوى مما يظنون.»اقتربت إليزابيث، عيناها مليئتان بالدموع. مدت يدها، لمست ذراعه بلطف.«أنت تنزف.» قالت.«سأعيش.» رد ماركو. «لدي من ينتظرني.»نظر إلى قط الكذب، الذي كان يقف بجانبه الآن، يلهث لكنه بخير.«اعتني بهم.» قال ماركو لقط الكذب، ثم لإليزابيث وبابادوك. «كما اعتنيتم ببعضكم.»استدار نحو المركبة. خطواته بطيئة، متألمة، لكنه لم يتراجع. صعد الدرج، وقف عند الباب للحظة أخيرة، نظر إليهم.«وداعاً.» قال.أغلق الباب خلفه.بدأت المركبة ترتفع ببطء، محركاتها تهمهم بهدوء. ثم انطلقت نحو السماء الواسعة، تاركة الغابة خلفها، تتجه خارج الكوكب، نحو النجوم البعيدة.