(1)
جلس ريو في الصفوف الخلفية لقاعة المحاضرات الضخمة بجامعة طوكيو للتكنولوجيا، متخفياً كالعادة تحت قبعة سترة الهوديه الداكنة التي نادراً ما كان يخلعها. كان صوت الأستاذ تاناكا يتردد في أرجاء القاعة وهو يشرح أساسيات هندسة الخوارزميات وبناء شبكات البيانات المعقدة، لكن تركيز ريو الكامل لم يكن مع الشرح التقليدي، بل كان منصباً بالكامل على شاشة حاسوبه المحمول الصغير الذي يعرض أسطراً متداخلة من الأكواد المشفرة باللون الأخضر الفسفوري.
لم يكن ريو يراجع مواد الدراسة الجامعة العادية؛ بل كان يحاول تحليل ملف أمني مخفٍ غامض انبعث تلقائياً من [مفتاح شفرة فانتوم] إلى خادم حاسوبه الشخصي أثناء مواجهته الأخيرة والخطيرة ضد حراس التطهير الأمنيين في سوق الظلال. الملف كان محمياً بطبقات تشفير عسكرية بالغة التعقيد، ويحمل رمزاً برمجياً غريباً ومثيراً للريبة: "[الشفرة السرية: فانتوم-ألفا]" . وكلما حاول تفكيك جزء من خوارزميات الحماية، اصطدم بجدار ناري مشفر يتطلب دمج نواتين إضافيتين لفتح محتوياته المخفية بالكامل.
"هل رأيت هذا البيان يا ريو؟" همس تاكاشي بجانبه وهو يدفع بهاتفه المحمول نحوه بعصبية، وعيناه تلمعان بفضول وإثارة بالغة. "شركة فانتوم الدولية أصدرت بياناً رسمياً قبل قليل على موقعها العالمي! لقد أعلنوا عن مكافأة مالية ضخمة جداً وتعاقد فوري براتب خيالي لأي لاعب أو مبرمج يمكنه تقديم معلومات حقيقية تقود إلى الهوية الواقعية للاعب RYU في اليابان. النقابات كلها جن جنونها وبدأت عملية بحث شاملة ومسح لكل الحسابات المشبوهة."
(2)
"مجرد محاولة يائسة من الشركة للضغط النفسي على مجتمع اللاعبين،" أجاب ريو بصوت منخفض وهادئ للغاية دون أن يرفع عينيه عن شاشة الأكواد، بينما كانت أصابعه تتحرك بسرعة فائقة على لوحة الكيبورد لإغلاق نافذة التشفير وتأمين واجهة الحماية الخاصة بحسابه الجامعي من أي تتبع خارجي. "الشركات الكبرى لا تحب القوانين المكسورة في برمجياتها، وتفضل دائماً السيطرة المطلقة على كل شبر وكل كود في بيئتها الافتراضية."
"لكن هذا اللاعب RYU يبدو كوحش حقيقي هرب من مختبرات المطورين السرية!" أردف تاكاشي بحماس شديد وهو يستمر في قراءة تعليقات منتدى الألعاب المشتعل. "الميكانيكا التي يملكها هذا الشخص ليست طبيعية على الإطلاق، ويتحدث بعض كبار المبرمجين في المواقع المظلمة عن امتداد ميكانيكية إلغاء الإطارات إلى العصبون البشري نفسه، مما يمنحه سرعة رد فعل ميكانيكية تتفوق على استجابة الحواسب. أتمنى لو كنت أملك نصف مهارته الميكانيكية الإعجازية."
ابتسم ريو ابتسامة باهتة وخفيفة للغاية من تحت قبعته، ولم يعلق على كلام صديقه. كان يعلم في قرارة نفسه أن الأمر لا يتعلق بالمهارة الفطرية والتدريب العادي وحدهما، بل بالشريحة السوداء النواة الصفرية التي تقبع الآن داخل جهاز الغوص في غرفته، والتي بدأت بالفعل تغير من طريقة معالجة دماغه وعصبونه للبيانات والوقت الحركي حتى في العالم الحقيقي، حيث أصبح يلاحظ حركات الأشخاص وإطارات السيارات من حوله في الشارع كأنها لقطات متتابعة وبطيئة يمكن التنبؤ بمسارها البرمجي قبل حدوثه.
(3)
بمجرد انتهاء المحاضرات الجامعية الطويلة وحلول المساء، عاد ريو وتاكاشي إلى شقتهما الصغيرة في منطقة أكيخابارا. انتظر ريو بصبر وهدوء تام حتى غط تاكاشي في نوم عميق بسبب الإرهاق الدراسي الناتج عن ضغط الامتحانات، ثم توجه بخطى صامتة نحو مقعده الخاص، وارتدى خوذة الغوص العصبوني الثقيلة مجدداً وثبت شريحة فانتوم السوداء في مكانها. ومضت الشاشة باللون الأزرق النقي، ليعبر وعيه العصبوني بالكامل الفراغ الرقمي وينبعث جسده الافتراضي RYU داخل مخبأه السري المعزول.
بمجرد دخوله إلى الشبكة، استقبل حساب ريو رسالة مشفرة حمراء ذاتية التدمير تنبض بوميض تحذيري حاد يملأ واجهة الرؤية الافتراضية. فتح ريو الرسالة ليجدها مرسلة من تاجر البيانات العجوز والمخضرم "أوكونر" الذي فر في المواجهة الماضية عبر الثقب البرمجي السري الذي بناه مسبقاً. وجاء في نص الرسالة المكتوبة بأكواد رقمية معقدة:
"يا صاحب النصل الفضي، إذا كنت ما زلت حياً على هذا الخادم ولم تمسح بياناتك وحدات التطهير الأمنية، فاستمع إليّ جيداً وبتركيز عالي. غداً في منتصف الليل تماماً، ستقيم نقابة التنانين المقدسة بالتنسيق مع نقابة ذئاب الفولاذ مزاداً سرياً مغلقاً لكبار النخبة والمحترفين داخل الكاتدرائية البلورية في قلب المدينة البيضاء العلوية. كايتو سيعرض هناك قطعة أثرية فريدة من نوعها سقطت من وحش منسي بمستوى أربعين، والتحليلات البرمجية الأولية التي قمت بها تشير إلى أن هذه القطعة الأثرية هي مفتاح الشفرة الثاني للنواة الصفرية التي تبحث عنها لفتح ملف فانتوم-ألفا."
(4)
تابع أوكونر في رسالته محذراً بنبرة يملأها القلق الحقيقي:
"احذر يا ريو، المزاد عبارة عن فخ علني ومحكم للغاية تم تصميمه ببنية تحتية خاصة بالتنسيق المباشر مع مطوري الشركة لاستدراجك وكشف حسابك. الكاتدرائية البلورية مجهزة بنظام رصد عصبوني متطور ومحدث يمكنه كشف وإلغاء ميزات التخفي وميكانيكية إلغاء الإطارات بمجرد دخولك إلى حرم المنطقة الأمنية للمزاد. إذا خطوت خطوة واحدة هناك، فستكون في مواجهة مباشرة مع المئات من المحترفين بمستويات تتجاوز المستوى الخامس والعشرين... الخيار لك، لكن الذهاب يعني الانتحار الرقمي ومحو حسابك بالكامل."
اختفت الرسالة المشفرة وتحولت إلى رماد رقمي تلاشت في الهواء بمجرد انتهاء ريو من قراءة الكلمة الأخيرة. استدعى ريو واجهة النظام لديه وفحص سجل الغنائم و[نصل الظل الفضي] الخاص به بدقة ميكانيكية تامة. كان مستواه الحالي قد استقر عند المستوى الثامن عشر بعد معركة حراس التطهير، وهو فارق شاسع جداً ومخيف ومستحيل من الناحية الحسابية مقارنة بالمحترفين الذين سيحضرون المزاد في المدينة البيضاء العلوية، والذين تتجاوز مستوياتهم حاجز المستوى الخامس و عشرون وامتلاكهم لعتاد كامل من الفئة الذهبية والأسطورية.
"فخ مصمم بدقة برمجية وثغرات مرصودة مسبقاً،" دندن ريو بصوت بارد خاوٍ من أي ذرة خوف بينما كان ينظر إلى الغمد الرمادي لسيفه البسيط. "لكن قوانين النظام الثابتة وخوارزميات الأمان التي وضعتها الشركة تمنع القتال العشوائي أو تفعيل مهارات الهجوم داخل مناطق المزاد العلني الآمنة كلياً، وكايتو يعتمد بالكامل على حماية هذه الخوارزميات البرمجية لتأمين القطعة الأثرية الثانية والتباهي بها أمام النقابات... وهذا بالضبط هو مكان الثغرة التي سأتحرك من خلالها لكسر الفخ."
(5)
فتح ريو قائمة الاتصالات الافتراضية المضيئة وأرسل إحداثيات الموقع الدقيق للمدينة البيضاء العلوية إلى اللاعبة "سنو" متبوعة بكلمة واحدة قاطعة ومحددة: "[استعداد]" . لم يكن ريو يبحث عن أي مساعدة قتالية أو دعم مباشر في المعركة، بل كان يحتاج فقط إلى مهارة الرصد السريع الفائقة وتشتيت الانتباه البرمجي التي تملكها سنو بصفتها مستخدمة خناجر سريعة الحركة وقادرة على التنقل الخفي بين أسطح الكاتدرائية البلورية الشاهقة أثناء تحركه هو في الأسفل وسط الحشود.
أغلق ريو القوائم الافتراضية المضيئة بلمسة سريعة من أصابعه، وتحرك بخطى ثابتة وصامتة خارجاً من مخبأه السفلي المظلم، شاقاً طريقه وسط الأزقة الرقمية الضيقة نحو مصاعد الطاقة العمودية الضخمة التي تنقل اللاعبين والنخبة من سوق الظلال السفلي المتهالك إلى عالم النخبة والعتاد الفاخر في الأعلى: "المدينة البيضاء العلوية".
كانت الخطوط البرمجية لـ [مفتاح شفرة فانتوم] المشفرة تنبض بقوة وحرارة تحت رداء الهوديه الداكن الخاص به، وكأن الكود المصدري يستشعر تلقائياً اقتراب القطعة الأثرية الثانية.