(1)
تجاوز ريو بوابات الفرز العمودية للمدينة البيضاء العلوية مستخدماً كود محاكاة خامل يخفي هويته الحقيقية، ليظهر أمام الأنظمة كلاعب عادي يحمل اسماً عشوائياً ومستوى لا يلفت الانتباه. كانت المدينة البيضاء أشبه بقلعة طائرة مهيبة من الرخام الصافي والبلور المشع، حيث تتلألأ الشوارع الرقمية بأضواء العتاد الفاخر. صعد ريو الدرج الرخامي العريض المؤدي إلى الكاتدرائية البلورية، وهي المنطقة الأمنية المخصصة للمزادات الاحتكارية الكبرى والتي أُحيطت بجدران حماية برمجية تابعة لشركة فانتوم الدولية مباشرة لحظر أي نوع من أنواع القتال أو استخدام المهارات الحركية بين النخبة.
عند مدخل الكاتدرائية، كان هناك حاجز ضوئي أزرق يمثل نظام الرصد العصبوني المحدث الذي حذر منه أوكونر؛ نظام صمم خصيصاً لمسح ترددات الدماغ للاعبين ورصد ميكانيكية إلغاء الإطارات الحركية فوراً لمنع أي اختراق ميكانيكي. خفض ريو قبعة هوديه الداكنة وتجرع جرعة إخفاء الأكواد المؤقتة التي اشتراها من سوق الظلال، ثم خطا بثبات عبر الحاجز الضوئي. ومضت الشاشة الأمنية باللون الأخضر الخامل لتعبر شخصيته بسلام، ليس لأن الجرعة خدعت النظام، بل لأن ريو استخدم ميزة [الإدراك الهيكلي الفائق] الجديدة ليتوافق تردد وعيه تماماً مع نبضات المسح الأمني بـ 0.01 ثانية، مما جعل النظام يقرأ وجوده كبيانات بيئية ثابتة غير ضارة.
دخل ريو إلى القاعة الرئيسية للكاتدرائية التي كانت مصممة بدقة لتسع الحاضرين من كبار المحترفين. كان يجلس في القاعة قادة النقابات الكبرى وأقوى محترفي اليابان من بين المائة لاعب، يحيط بهم العشرات من الشخصيات الافتراضية وحراس النظام التابعين للذكاء الاصطناعي. يتوسط القاعة مسرح زجاجي مرتفع يعرض القطع الأثرية النادرة خلف غلاف حماية طاقي مشفر. اتخذ ريو مقعداً معزولاً في الصفوف الخلفية المظلمة، وبدأ بمسح المكان بعينين حادتين من تحت قبعته. على أسطح الكاتدرائية البلورية الشاهقة من الخارج، كانت "سنو" قد اتخذت موقعها بالفعل كالشبح، تراقب فتحات التهوية الرقمية ونقاط تمركز حراس النقابة بانتظار الإشارة المحددة.
(2)
صعد كايتو ببطء وثقة عمياء إلى مركز المسرح الزجاجي، وهو يرتدي درعه الذهبي الأسطوري الكامل الذي يعكس أضواء الكاتدرائية، بينما كان سيفه بمستوى ثلاثين يرتكز تحت يده. ساد الصمت في القاعة الكبرى، والتفتت أنظار المحترفين من النخبة المائة نحو المنصة المضيئة. ابتسم كايتو بنبرة متعجرفة ملأها الزهو والفخر، ورفع يده لتفعيل واجهة المزاد العلني، لتظهر خلفه شاشة عرض ضخمة تعرض البيانات البرمجية للقطعة الأثرية النادرة التي لطالما انتظرها الجميع في هذا المساء.
انقشع الغلاف الطاقي الواقي جزئياً ليظهر من خلاله حجر كريم أسود غامض يتوسطه شق مضيء ينبض بطاقة أرجوانية كثيفة تخترق بيانات الرؤية العادية للاعبين. ظهر اسم القطعة الأثرية في واجهة النظام بلون ذهبي متوهج: "[القطعة الأثرية النادرة: جوهرة النواة المكسورة (Broken Core Jewel)]" [المستوى: 40 | التصنيف: أداة شفرة مصدرية مجهولة]" [الوصف: قطعة بيانات خام تم استخراجها من وحش منسي في أعماق خوادم الاختبار المغلقة. تمنح توازناً برمجياً بنسبة 15% لمعدل معالجة الأوامر الحركية.]
"أيها المحترفون ونخبة اللاعبين المائة الأوائل،" تحدث كايتو بصوت قوي تردد صداه في أركان الكاتدرائية البلورية عبر نظام الصوت العام للمنطقة. "هذه الجوهرة ليست مجرد عتاد عالي بمستوى أربعين؛ إنها شفرة بناء خاصة تملك قوة تعديل مصفوفة الحركة للاعب. ونحن نعلم جميعاً أن هناك جرذاً غامضاً يحاول كسر قوانين اللعبة ومنافستنا باستخدام ثغرات ميكانيكية غير قانونية. هذه القطعة تم تأمينها هنا تحت حماية أنظمة شركة فانتوم الدولية مباشرة، والمزاد سيبدأ من خمسين مليون قطعة ذهبية. من يملك القوة لشرائها من بيننا، سيملك المفتاح للسيطرة على الخادم!"
(3)
تفاعلت النخبة المتواجدة داخل القاعة وبدأ رؤساء النقابات الفرعية برفع أسعار المزاد بسرعة جنونية؛ حيث قفزت الأرقام في واجهة العرض من خمسين مليوناً إلى ثمانين مليوناً، ثم إلى مائة وعشرين مليون قطعة ذهبية خلال دقائق معدودة. كان كايتو يراقب الأرقام المرتفعة بابتسامة نصر واثقة، وظن أن الخطة تسير بدقة مطلقة وأن اللاعب RYU إذا كان متواجداً في القاعة فلن يملك أي فرصة حسابية لمجاراة الثروات الطائلة للنقابات، أو كسر جدار الحماية الأمني للشركة الذي يحمي الجوهرة السوداء على المنصة.
لكن في الصفوف الخلفية المظلمة، كانت أصابع ساتومي ريو تتحرك بسرعة لا يمكن للعين البشرية مجاراتها فوق لوحة تحكم افتراضية خفية قام بفتحها أسفل مقعده الرخامي. بفضل ميزة [الإدراك الهيكلي الفائق] والدمج الكامل للقطعة الأثرية الأولى داخل وعيه العصبوني، لم يكن ريو يرى المزاد كعملية شراء عادية بالذهب؛ بل كان يرى واجهة المزاد كشبكة متدفقة من حزم البيانات البرمجية (Data Packets) التي ترسل أوامر المزايدة إلى الخادم الرئيسي للعبة.
عندما وصلت المزايدة إلى مائة وخمسين مليون قطعة ذهبية بواسطة قائد نقابة [ذئاب الفولاذ]، قام ريو بحقن كود ميكانيكي مخصص مشفر عبر شبكة الكاتدرائية مستغلاً ثانية واحدة ثابتة يفصل فيها النظام بين استلام أمر المزايدة وتحديث الشاشة العامة. لم يكن الكود يهدف لرفع السعر؛ بل كان عبارة عن أمر محاكاة هوية برمجية (Identity Spoofing) يعيد توجيه ملكية الغلاف الطاقي الحامي للجوهرة ليقرأ حساب كايتو نفسه كأمر "إلغاء وتفريغ بيانات مؤقت".
(4)
وميض! وميض! وميض!
فجأة، تحولت أضواء الكاتدرائية البلورية بأكملها من اللون الأزرق والأبيض الفاخر إلى اللون الأرجواني الداكن النابض، واهتزت الشاشة الضخمة خلف كايتو بعنف لتبدأ الأكواد البرمجية بالانهيار والتساقط كالأمطار. انهار الغلاف الطاقي الواقي المحيط بـ [جوهرة النواة المكسورة] تماماً وتحول إلى جزيئات بيانات متناثرة وسط صدمة دوت في القاعة. وقبل أن يتحرك كايتو أو يدرك المحترفون من النخبة ما يحدث، طارت الجوهرة السوداء في الهواء بفعل أمر الجذب المغناطيسي البرمجي الذي حقنه ريو، لتتجه بسرعة خاطفة نحو الصفوف الخلفية المظلمة.
امتدت يد ريو من تحت رداء الهوديه لتلتقط الجوهرة المندفعة بدقة متناهية. بمجرد تلامس أصابعه مع سطح الحجر الكريم، تفجرت موجة صدمية من الطاقة السوداء الشارخة التي قطعت التيار الرقمي عن مصابيح الكاتدرائية ليدخل المكان في ظلام دامس، لتظهر نوافذ النظام متلاحقة ومشتعلة بلون ذهبي نادر أمام عيني ريو وحده:
[النظام: تم دمج جوهرة النواة المكسورة الثانية بنجاح داخل الكود المصدري للحساب RYU!] [النظام: تم فك تشفير القفل الثاني للشفرة: فانتوم-ألفا بنسبة 60%!] [النظام: يتطور سلاحك الحالي تلقائياً ليصبح: [نصل فانتوم المظلم - المرحلة الثانية (Fantom Dark Blade - Phase 2)]!] [الميزات الجديدة: زيادة سرعة الإطارات الميكانيكية بنسبة 20%، وتفعيل مهارة الحركة المطلقة: [إلغاء مسار الزمن (Time Skip Frame)]!]
(5)
"لقد سُرقت الجوهرة! هناك اختراق في نظام الأمان!" صرخ كايتو بصوت هستيري ملأه الجنون وهو يستل سيفه الذهبي ويلتفت نحو مصدر الطاقة في الصفوف الخلفية. "أغلقوا البوابات! لا تدعوا أحداً يخرج من الكاتدرائية! إنه هو... اللاعب RYU متواجد هنا!"
دوت صافرات الإنذار الأمنية الحمراء في كل شبر من المدينة البيضاء العلوية، وانشقت جدران الكاتدرائية الرخامية لتهبط منها كتائب كاملة من الحراس الأمنيين والشخصيات الافتراضية بمستويات تتجاوز المستوى الخمسين لإغلاق منافذ الهروب. وقف ريو في مكانه الهادئ وسط حالة الذعر والتحرك العشوائي للاعبي النخبة المحترفين الحاضرين، واستل [نصل فانتوم المظلم] الجديد الذي أصبح يشع بخطوط أرجوانية ميكانيكية حادة تخترق وعي المحيطين به.
رفع ريو يده اليسرى وأطلق رصاصة إشارة ضوئية خضراء نحو السقف البلوري للكاتدرائية؛ تلك كانت إشارة البدء المحددة لـ "سنو". وفي جزء من الثانية، تحطم الزجاج البلوري للسقف بالكامل بفعل هجوم [إعصار برق الغسق] الذي أطلقته سنو من الأعلى، لتهبط صواعق البرق الصفراء وتقطع خطوط الحراس الأمنيين وتحدث فوضى عارمة حجبت الرؤية بالكامل عن كايتو وبقية المحترفين الـ 100 المذهولين.
قبض ريو على مقبض نصله الجديد، ونظر نحو قادة النقابات الذين بدأوا يحاصرون موقعه بمستوياتهم العالية، وارتسمت خطوط التوقع الحركي لمهاراتهم أمام عينيه بوضوح تام وبطء شديد كأنهم مجرد تماثيل ثابتة في الفراغ البرمجي. تحرك ريو خطوة واحدة للأمام مستعداً لتفعيل مهارة إلغاء مسار الزمن، شاقاً طريقه وسط حصار النخبة غير مبالٍ بقوانين الشركة أو جيوشها الأمنية.