22 - هروب أكيخابارا و الغوص في بقعة الحظر

(1)

لم تدم لحظات الهدوء داخل الشقة المتواضعة سوى لخطوات معدودة. سحب ريو حقيبته الجامعية السوداء بهدوء، والتفت لينظر إلى شاشات حاسوبه التي بدأت فجأة تومض بخطوط حمراء غير معتادة، معلنة عن وجود اختراق نشط لشبكة الاتصال المحلية الخاصة بالمبنى المتهالك. لم تكن هذه المحاولات قادمة من هواة؛ بل كانت حزم بيانات مشفرة تحمل التوقيع الرقمي للأنظمة الأمنية التابعة لشركة فانتوم الدولية. كمبرمج وطالب حواسب يدرس خوارزميات الشبكات، أدرك ريو فوراً أن مهندسي الشركة قد نجحوا في تعقب النبض العصبوني العكسي لحسابه الافتراضي RYU أثناء معركة الكاتدرائية، وأنهم قاموا بتحديد موقعه الجغرافي التقريبي في منطقة أكيخابارا.

التفت ريو بنظراته نحو الجانب الآخر من الغرفة الضيقة؛ كان صديقه وشريكه في السكن تاكاشي ما زال غارقاً في نوم عميق، وأنفاسه المنتظمة تعكس مدى الإرهاق الدراسي الذي حل به بعد امتحانات الأسبوع الطويلة. لم يكن تاكاشي يعلم شيئاً عن الجحيم البرمجي الذي يحيط بالشقة الآن. تحرك ريو بمنتهى الحذر وبخطوات خفيفة تكاد لا تلمس الأرض، متجنباً إحداث أي صوت قد يوقظ صديقه ويدخله في دائرة الخطر التي لا علاقة له بها. كان ريو يدرك أن إبقاء تاكاشي نائماً وبعيداً عن هذه المطاردة هو السبيل الوحيد لحمايته من تحقيقات الشركة الصارمة.

بأصابع ثابته وهادئة، فصل ريو شريحة فانتوم السوداء وجهاز الغوص الصغير المحمول من الحاضنة الرئيسية على مكتبه، ودسهما بعناية فائقة في جيب سترته الداخلي. التقط حقيبته بحذر، ووضع قبعة هوديه الداكنة فوق رأسه ليتخفى عن كاميرات المراقبة المنتشرة في الممرات، ثم تسلل خارج الشقة وأغلق الباب الحديدي وراءه ببطء شديد دون إحداث أي رنين. اندفع ريو خارجاً عبر سلم الطوارئ الحديدي الخلفي للمبنى متفادياً البهو الرئيسي والمصعد تماماً، حيث كان يعلم أن أي ممر عام سيكون أول ما يراقبه عملاء الشركة الأمنيون إذا وصلوا إلى الموقع.

(2)

عندما وطئت قدماه أرض الزقاق السفلي المظلم والممتلئ بصناديق البضائع المهملة، لم تكن هناك أي خطوط رؤية سحرية أو أكواد طاقة؛ فالعالم الحقيقي كان خانقاً وواقعياً بطريقة مرعبة. وفي نهاية الزقاق الضيق، رأى ريو ثلاثة رجال يرتدون بدلات سوداء قاتمة ويحملون أجهزة تعقب ميدانية يدوية. كانوا عملاء فريق المراقبة الخاصة التابعين لشركة فانتوم الدولية، يتحركون بحذر وعيونهم تمسح المكان بحثاً عن فتى يرتدي سترة داكنة. خفق قلب ريو بعنف وشعر ببرودة الخوف الحقيقي تسري في أطرافه؛ ففي هذا العالم الواقعي، هو مجرد طالب في الثامنة عشرة من عمره لا يملك أي قوة عضلية أو مهارات قتالية للدفاع عن نفسه ضد رجال أمن محترفين وأقوى منه بنية.

بدلاً من الارتباك أو الركض العشوائي الذي قد يلفت الانتباه الفوري ويجعلهم يطاردونه، استغل ريو معرفته الدقيقة بجغرافية منطقة أكيخابارا التي عاش فيها لسنوات. خفض رأسه تماماً ووضع يديه في جيوب سترته، وسار بخطى سريعة ومثبتة متظاهراً بأنه مجرد طالب عادي مستعجل يمر بجانب صناديق القمامة. عندما شق طريقه خارجاً نحو الشارع الرئيسي الواسع، لمح العميل المتقدم طرف سترته وصاح عبر جهاز اللاسلكي: "الهدف يتحرك نحو المخرج الغربي! اقطعوا الطريق!"

لم يلتفت ريو وراءه، بل انطلق بأقصى سرعة تسمح بها قواه البدنية المحدودة نحو تقاطع شوارع أكيخابارا الصاخبة والمزدحمة بآلاف السياح ومحبي الألعاب والأنمي. تداخل ريو وسط الحشود البشرية الكثيفة، متعرجاً بين طوابير المتاجر الكبرى ومجموعات العارضين، مستغلاً هذا الزحام الخانق لقطع خط الرؤية المباشر لعملاء الشركة ومنع طائرات الرصد اللامرئية الصغيرة من تحديد وجهته وسط مئات القبعات المتشابهة. كان يتنفس بصعوبة بالغة وصدره يعلو ويهبط من المجهود، مما ذكره بفارق شاسع بين خفة حركته داخل خوادم اللعبة وثقل جسده الحقيقي.

(3)

عبر ريو الشوارع الخلفية الملتوية حتى وصل إلى مقهى إنترنت قديم ومعزول يقع في الطابق السفلي لأحد مباني الإلكترونيات القديمة؛ وهو مكان هادئ لا يرتاده سوى المبرمجين المتمردين لأنه يوفر شبكات اتصال سلكية مشفرة وخارجة تماماً عن رقابة الشركات الاحتكارية. استأجر ريو غرفة صغيرة معزولة وأغلق الباب بإحكام، ثم جلس على المقعد المهترئ وهو يحاول تهدئة أنفاسه المتلاحقة. كان يعلم أن الجامعة لم تعد خياراً آمناً اليوم، وأن فريق المراقبة سيفتش كل شبر في محيط الكلية بمجرد فحص سجلات غيابه.

أخرج جهاز الغوص المحمول وتأكد من سلامة الشريحة السوداء، ثم قام بتوصيله بشبكة المقهى المشفرة ليرفع جدار حماية رقمي معقد يحمي حسابه الجامعي من التتبع الميداني مجدداً. الموقف في العالم الحقيقي أصبح خطيراً للغاية ومحاصراً؛ فالشركة لن تتوقف حتى تستعيد النواة الصفرية، والسبيل الوحيد لإنهاء هذا الكابوس الحقيقي والمطاردة المستمرة هو الغوص الفوري داخل اللعبة والوصول إلى النواة الثالثة والأخيرة لفك شفرة ملف [الشفرة السرية: فانتوم-ألفا] لمعرفة الحقيقة وقلب الطاولة على المطورين من الداخل.

ارتدى ريو خوذة الغوص العصبوني المحمولة الثقيلة، وضغط على زر التشغيل بوعي تام وثابت. انقطعت اتصالاته بالعالم الحقيقي وتلاشى ضجيج أكيخابارا، ليعبر وعيه العصبوني بالكامل الفضاء الإلكتروني في رحلة انتقال فائقة السرعة، وينبعث جسده الرقمي RYU في مركز ساحة انتقال مهجورة ومحاطة بأشجار بيانات رقمية ميتة تقع عند حافة العالم السفلي. ومض نصله الجديد [نصل فانتوم المظلم - المرحلة الثانية] بمستوى 18 بخطوط ميكانيكية أرجوانية حادة تعكس طاقة الاندماج المستقرة للقطعة الثانية، وقبل أن يتحرك، ظهرت اللاعبة "سنو" من بين الضباب الكثيف وعيناها تلمعان بجدية تامة وخوف على حساب شريكها.

(4)

"ريو! لقد امتدت حالة الاستنفار إلى كل شبر في الخادم!" تحدثت سنو بنبرة سريعة وخالية من أي مشاعر عاطفية، مركزة بالكامل على الخطر البرمجي المحيط بهما من قِبل النقابات. "نقابة التنانين المقدسة ونقابة ذئاب الفولاذ قامت بتجنيد كافة اللاعبين المتبقين من بين النخبة المائة الأوائل في اليابان. لقد وضعوا نقاط تفتيش وحصار رقمي عند مخارج جميع المدن الآمنة، والشركة قامت بتسليح شخصيات الذكاء الاصطناعي (NPCs) بأكواد رصد قسرية لإلغاء ميزة التخفي وميكانيكية إلغاء الإطارات الخاصة بك بمجرد اقترابك من البوابات الكبرى."

"دعيهم يفتشون بوابات المدن العامة كما يشاؤون،" أجاب ريو ببرود تامه المعتاد واستقراره الميكانيكي وهو يستدعي الخريطة السوداء، لتتوهج النقطة الحمراء التي تمثل وجهتهم القادمة. "وجهتنا ليست أي مدينة عامة أو بوابة انتقال خاضعة لسيطرة المطورين. نحن ذاهبون مباشرة إلى بقعة الحظر المطلق؛ منطقة وكر التنانين المنسية، وهي خادم اختبار قديم وتالف تم حذفه ظاهرياً من سجلات اللعبة العامة ولكنه ما زال ينبض بالشفرة المصدرية الأولى للنظام."

اتسعت عينا سنو بصدمة بالغة وهي تتفحص الإحداثيات المستحيلة والمشفرة التي أرسلها ريو إلى واجهة رؤيتها: "وكر التنانين المنسية؟! ريو، هذا الخادم يحتوي على وحوش اختبار غير مستقرة برمجياً بمستويات تتجاوز المستوى 60، وتملك خاصية النزيف البرمجي المطلق الذي يمكنه قضم شريط الصحة بالكامل في ثانية واحدة! الموت هناك لا يعني خسارة مستويات فحسب... بل بسبب عدم استقرار الأكواد الأمنية وحذف الخادم، قد يؤدي ذلك إلى حدوث تلف عصبوني دائم لجهاز الغوص الخاص بك في العالم الحقيقي!"

(5)

"إذاً، فلنحرص على ألا نلمس ضرباتهم البرمجية أبداً،" قال ريو ببساطة وثقة ميكانيكية مطلقة رفعت من حماس سنو وأزالت التردد والخوف من قلبها البرمجي. سحب ريو [نصل فانتوم المظلم] وجعل خطوط الطاقة الأرجوانية تتناغم تماماً مع ميزة [الإدراك الهيكلي الفائق] التي بدأت تلقائياً بعرض خطوط التوقع الحركي لبيئة الوكر المنسي المظلمة التي تقع أمامهما خلف الضباب الرقمي الكثيف. تفعيل المهارة الجديدة سمح لريو برؤية مصفوفة البناء الهيكلي للوادي المهجور، وتفكيك خوارزميات الوحوش المنسية قبل أن تبدأ بالتحرك بـ 0.1 ثانية كاملة.

تقدم الثنائي بخطى حذرة وصامتة خارجين من ساحة العبور المعزولة، شاقين طريقهم نحو الصدع البرمجي العملاق الذي يقود إلى قلب وكر التنانين المنسية. كانت أصابع ساتومي ريو داخل اللعبة تتحرك على مقبض سيفه الافتراضي في رقصة الموت والاستعداد الأخيرة، غير مبالٍ بجيوش النخبة المتبقية من الـ 100 لاعب الذين يبحثون عنه في البوابات، أو بفرق المراقبة الخاصة التابعة لشركة فانتوم الدولية والتي تفتش شوارع طوكيو الحقيقية وتطارد ظله في أكيخابارا.

انقشع الضباب الرمادي الكثيف ليظهر من ورائه جدار أسود شاهق مبني من أكواد برمجية تالفة تشتعل بنيران رمادية نابضة، وتصدر منها أصوات زئير مرعب لوحوش النخبة المنسية التي تحرس النواة الثالثة والأخيرة للشفرة فانتوم-ألفا. نظر ريو نحو الصدع, وعيناه تلمعان بحدة قاتلة تحت قبعة الهوديه الداكنة: "سنو... تمسكي بإطارات حركتي بمسافة صفرية. المواجهة الأخيرة لفك التشفير تبدأ الآن، وسنكتب قوانين هذا العالم بأنفسنا."

2026/08/29 · 2 مشاهدة · 1217 كلمة
Sanraku
نادي الروايات - 2026