(1)
عبر ريو وسنو الصدع البرمجي المتوهج بنيران الموت الرمادية، ليجدا أنفسهما في بقعة معزولة تماماً تفتقر إلى الألوان البصرية الفاخرة التي تتميز بها مناطق اللعبة العلوية. كانت البيئة هنا مبنية من خطوط برمجية بدائية وأكواد خام مشوهة تشبه أسلاكاً ضوئية مكشوفة تتلوى فوق الصخور البازلتية السوداء. ساد صمت مطبق وخانق، ولم تكن هناك أي واجهة مستخدم (UI) تقليدية تعرض خرائط المنطقة أو الاتجاهات، فالخادم تم حذفه ظاهرياً من السجلات العامة للشركة ولم يعد يخضع لقوانين التزامن الخاصة بـ فانتوم الدولية.
"ريو، انظر إلى مؤشر الاستقرار في زاوية الرؤية،" همست سنو وهي تتحرك بحذر شديد وخناجرها الذهبية تشع بنور خافت يكاد ينطفئ بسبب ضعف طاقة الخادم الاحتياطي. "معدل نقل البيانات (Ping) هنا يرتفع ويهبط بشكل عشوائي ومخيف. إذا واجهنا أي وحش في هذه الحالة، فإن ميكانيكية إلغاء الإطارات الحركية قد تواجه تأخيراً برمجياً (Input Lag) في استجابة النظام، مما يعني أن الضربة قد تصيب جسدك قبل أن تكتمل نقرتك على السيف."
"الخوارزميات التالفة تتحرك ببطء أكبر لأن الخادم لا يملك قوة معالجة كاملة،" أجاب ريو بصوت هادئ ومنخفض وهو يرفع [نصل فانتوم المظلم - المرحلة الثانية] مستخدماً ميزة [الإدراك الهيكلي الفائق] التي بدأت في رسم مسارات الأكواد الثابتة للبيئة من حوله. "هذا التأخير يعمل لصالحنا إذا استطعنا حساب فجوة الحركة بدقة وتفادي البقع التي تشتعل باللون الأحمر القاتم، فهي بقع تحتوي على بيانات حذف فوري مخصصة لتطهير المخلفات البرمجية."
(2)
تقدم الثنائي بضع خطوات داخل الوادي الضيق، وفجأة، اهتزت الأرض الحجرية وتصاعدت شرارات رقمية بيضاء من الشقوق البازلتية. انشقت البنية الهيكلية للممر، وتجسد منها كيان مرعب وضخم يشبه تنيناً مصنوعاً بالكامل من شظايا البلور الأسود التالف. لم تكن له ملامح وحوش اللعبة العادية، بل كان يحمل رمز نظام معلق فوق رأسه باللون الأحمر المتوهج: "[وحش نخبة منسي: التنين المشوه - غاما]" [المستوى: 61 | الحالة: كود اختبار غير مستقر]" [HP للوحش: 250,000 / 250,000]
"مستواه واحد وستون! ونقاط حياته ربع مليون!" تراجعت سنو غريزياً وهي تشعر بهالة النزيف البرمجي المطلق تنبعث من التنين المشوه، وهي هالة تبطئ سرعة الحركة العصبونية بنسبة عشرين بالمئة تلقائياً. "ريو، ضربة واحدة من ذيله البلوري تملك خاصية المسح، إذا أصابتنا فستقذف بوعينا خارج الخادم فوراً مع تلف عصبوني محتمل لجهاز الغوص!"
قبل أن تكمل سنو تحذيرها، زأر التنين المشوه زئيراً رقمياً حاداً شق صمت الوادي، واندفع كالإعصار الأسود ملوحاً بذيله البلوري الضخم في ضربة دائرية سريعة غطت محيط الممر بأكمله. كانت الضربة تتحرك وفق مهارة مسح بيئي ثابتة تترك وراءها خطوطاً قرمزية مشحونة بطاقة الحذف التام. وضعت سنو خناجرها في وضع الدفاع اليائس، مستعدة لتلقي الصدمة التي قد تنهي مسيرتها الرقمية كلياً في هذه اللعبة المغلقة.
(3)
لكن ريو لم يتراجع إنشاً واحداً. في وعيه العصبوني المعزز بالنواة الثانية، تباطأ مسار الهجوم بالكامل بفضل ميزة الإدراك الهيكلي. رأى الذيل البلوري يقترب، ورأى الفجوة البرمجية الدقيقة التي يفشل الذكاء الاصطناعي المنسي في حمايتها؛ فجوة زمنية مدتها 0.03 ثانية فقط تُعرف بـ (إطار التلامس القاتل للبيانات). انطلق ريو للأمام مباشرة نحو الذيل المندفع متحدياً الموت، وصبت أصابعه كامل سرعتها الحركية المعززة على الكيبورد الافتراضي ليفعل مهارته المطلقة: "[إلغاء مسار الزمن (Time Skip Frame)]" .
تحول العالم إلى اللون الرمادي الثابت، وحُذفت عشرون إطارة زمنية كاملة من سجل الخادم التالف. عبر ريو من تحت الذيل البلوري المتجمد في الهواء كالشبح، ليصبح في المسافة الصفرية المحكمة أسفل بطن التنين المشوه تماماً. بمجرد عودة التزامن الحركي وانقشاع أجزاء الثانية المحذوفة، ضرب ذيل التنين الفراغ الخالي محدثاً انفجاراً برمجياً عنيفاً اهتزت له الصخور، بينما وجه ريو طعنة رأسية خاطفة وقوية بنصله الأرجواني نحو النواة المركزية المضيئة في بطن الوحش.
طااااااااانغ!
اصطدم النصل بنقاط الأكواد الضعيفة للتنين، ليتفجر رنين معدني صاعق صم الآذان. تسببت الضربة في إحداث "تصادم برمجى كامل وعكس ضرر" في خوارزميات الوحش المنسي غير المستقر، لتهبط نقاط حياته فجأة بمقدار خمسين ألف نقطة حياة ب ضربة حرجة واحدة نتيجة تفعيل تأثير النزيف البرمجي العكسي الذي حقنه ريو عبر نصله المحدث. اهتز جسد التنين البلوري الضخم وتراجع عدة خطوات إلى الوراء وهو يطلق شرارات زرقاء تالفة وشريط حركته في حالة شلل تام لمدة خمس ثوانٍ كاملة.
(4)
"سنو! أفرغي كامل مهارات الصعق المتتابع الآن! النواة مكشوفة!" هتف ريو ببرود صقيعي وهو ينسحب للخلف خطوة واحدة لتأمين موقعه. لم تضيع سنو جزءاً من الثانية؛ قفزت في الهواء ودارت بجسدها بشكل لولبي نفاذ، لتطلق خناجرها المشحونة بـ [إعصار برق الغسق] مباشرة نحو الشق البرمجي المفتوح في بطن الوحش المشوه. توالت الأرقام الحمراء المتفجرة والضربات الحرجة المتتالية في واجهة الرؤية لتلتهم ما تبقى من ربع مليون نقطة حياة للتنين في لمحة بصر.
انفجر التنين المنسي ذو المستوى 61 إلى كتلة ضخمة من شظايا البيانات الزرقاء المتناثرة التي تلاشت في الهواء، مخلفاً وراءه ركاماً هائلاً من نقاط الخبرة التي تدفقت مباشرة لترفع مستوى ريو إلى (المستوى 19) وسنو إلى (المستوى 21)، وسط ذهول سنو الكامل من نجاحهما في تصفية وحش اختبار مستحيل بشخصين فقط ومن دون تلقي خدش واحد. في مركز الشظايا المتلاشية، طفت قطعة معدنية سوداء نابضة بهالة برمجية مرعبة لا تحمل أي متطلبات مستوى: "[القطعة الأثرية الأخيرة: نواة التزامن المطلق (Absolute Sync Core)]" .
التقط ريو النواة الثالثة والأخيرة بيده الثابتة، وبمجرد ملامستها، ومضت واجهة النظام باللون الأحمر القاني لتعلن بدء الدمج النهائي لملف [الشفرة السرية: فانتوم-ألفا] بنسبة مائة بالمائة. وفي نفس اللحظة في العالم الحقيقي، أطلق جهاز الغوص المحمول الخاص به نبضاً عصبونياً عكسياً قوياً تتبعته أنظمة الشركة الأمنية فوراً، لتحدد موقعه الدقيق داخل مقهى الإنترنت المظلم في أكيخابارا، حيث بدأت سيارات فريق المراقبة الخاصة بالإطباق على المبنى المهجور في الحقيقة للقبض عليه ونزع الخوذة عن رأسه بالقوة.
(5)
"ريو! البوابة الخلفية للوكر انفتحت، وتظهر خلفها واجهة المختبر البرمجي الصامت للشركة!" صرخت سنو وهي تشير نحو جدار البيانات الذي بدأ ينقشع ليظهر من ورائه ممر أبيض ناصع مليء بالشاشات الميتة وسجلات الاختبار القديمة. "هناك إشارات أمنية خارجية تحاول اقتحام الخادم وحذف حساباتنا الآن! المطورون يفجرون خطوط الاتصال لعزلنا!"
"لقد فات الأوان على الحذف،" قال ريو بلهجة هادئة وصامتة للغاية تعكس ثباته الميكانيكي المطلق وهو يتقدم نحو المختبر الصامت لتفعيل النواة الأخيرة وقراءة البيانات المحرمة التي ستغير قوانين نظام الواقع الافتراضي بالكامل. "الشركة تظن أنها تملك السيطرة لأنها كتبت الأكواد الأولى، لكنهم لا يعلمون أن الشفرة فانتوم-ألفا تمنح المستخدم سلطة إلغاء أوامر الإدارة نفسها. تمسكي بخطواتي يا سنو... القوانين القديمة انتهت هنا، وسنبدأ الآن في إعادة كتابة هذا العالم بأسلوبنا."
تقدم الثنائي بخطى ثابتة داخل المختبر الأبيض الصامت بينما كانت أصابع ساتومي ريو تتحرك في رقصة التشفير الأخيرة والنهائية، غير مبالٍ بفرق العمليات السرية التي تقتحم ممر مقهى الإنترنت في أكيخابارا الحقيقية، أو بجحافل المحترفين المتبقين من الـ 100 لاعب الذين يغلقون بوابات الخروج.