(1)
لم تكن جدران المختبر البرمجي الصامت داخل وكر التنانين المنسية مجرد تصميم بيئي عادي؛ بل كانت مصفوفة حية من البيانات الخام البيضاء التي تعكس سجلات الاختبارات الأولية السرية للشركة. طفت [نواة التزامن المطلق] الثالثة والأخيرة في الهواء أمام ريو، وهي تنبض بنور أسود كثيف يبتلع الأكواد المحيطة به ويجبرها على التزامن التام مع مصفوفة [نصل فانتوم المظلم - المرحلة الثانية]. بمجرد ملامسة النواة للمقبض الأرجواني، انطلقت موجة صدمية برمجية عنيفة شقت أرضية المختبر البيضاء، لتتحول واجهة المستخدم (UI) الخاصة بريو بالكامل إلى اللون الذهبي النقي، وتتلاشى القيود البرمجية التي فرضتها شركة فانتوم الدولية على حسابه الخفي منذ البداية.
[النظام: تم دمج نواة التزامن المطلق الثالثة بنجاح كامل!] [النظام: تم فك تشفير الملف المحرم بنسبة مائة بالمائة (100%)!] [النظام: تفعيل البروتوكول المطلق: [بروتوكول تحرير الوعي المصدري (Fantom-Alpha License)]!] [الوصف: لقد تم منح الحساب RYU سلطة المستخدم الجذر (Root Access) على خادم البناء الأساسي للعبة. تم إلغاء صلاحيات الحذف القسري أو التعديل الإداري من قِبل مطوري الشركة ضد شخصيتك.]
وقفت سنو مذهولة وهي ترى اسم ريو RYU يتحول من اللون الرمادي العادي إلى رمز ذهبي مشع يحمل إشارة المطور الأول للنظام. وفي تلك الأجزاء من الثانية، بدأت الشاشات الميتة داخل المختبر الصامت بعرض الوثائق المخفية للشفرة فانتوم-ألفا؛ ولم تكن الشفرة برنامج غش أو ثغرة ميكانيكية كما ظن المحترفون والمطورون، بل كانت عبارة عن نظام أمان شامل صممه المبرمج العبقري الأول الذي بنى نواة الواقع الافتراضي قبل أن يستبعده مجلس إدارة الشركة الاحتكاري. هذا البروتوكول صُمم خصيصاً لمنع الشركة من التلاعب بالوعي العصبوني للبشر أو حبس عقولهم داخل الخوادم لتمرير استثماراتهم غير القانونية.
(2)
في تلك الأثناء، وفي العالم الحقيقي المادي، وتحديداً في الممر المظلم والممتلئ بالرطوبة لمقهى الإنترنت السفلي في منطقة أكيخابارا، ساد صوت خطوات عسكرية ثقيلة وسريعة تردد صداها بعنف. وصل فريق العمليات السرية والمراقبة الخاصة التابع لشركة فانتوم الدولية إلى الغرفة رقم سبعة حيث يجلس ريو. كان القائد يرتدي بدلة تكتيكية مجهزة بأجهزة تشويش النبضات العصبية، وأشار لرجاله بقطع خطوط الطاقة السلكية عن الغرفة أولاً لمنع الفتى من نقل أي بيانات احتياطية خارج الخادم، ثم وجه ركلة عنيفة شقت القفل الخشبي البسيط للباب ليندفع العملاء الثلاثة إلى الداخل بأسلحتهم الصاعقة الجاهزة للتنفيذ الفوري.
وجه العملاء مصابيحهم الضوئية الحادة نحو المقعد المهترئ حيث كان ساتومي ريو، الفتى البالغ من العمر 18 عاماً، يجلس ساكناً وخوذة الغوص العصبوني الثقيلة تغطي رأسه بالكامل، بينما كانت أنفاسه هادئة ومنتظمة للغاية على غير العادة في مثل هذه المطاردات الساخنة. تقدم العميل الأول بسرعة وثقة تامة، ومد يده القوية لنزع الخوذة عن رأسه وفصل الشريحة السوداء بالقوة لإلغاء اتصاله وحجز جهاز الغوص المحمول. ولكن بمجرد أن تلامست أصابع العميل مع السطح المعدني للخوذة، ومضت شاشات الحواسب الثلاثة داخل الغرفة باللون الأرجواني النابض، وأطلقت الخوذة شحنة طاقية عكسية طفيفة شلت حركة يده وجعلته يتراجع خطوتين عريضتين إلى الوراء بذهول.
"سيدي! القواطع الكهربائية معطلة تماماً والأجهزة لا تستجيب لأوامر الفصل القسري!" هتف المبرمج الميداني التابع للفريق وهو يضغط على أزرار لوحة التحكم اليدوية ب ذعر شديد. "شبكة المقهى لم تعد خاضعة لسيطرتنا... الحساب RYU قام بإنشاء جدار حماية عكسي متصل بنواة اللعبة مباشرة من الداخل. إذا قمنا بنزع الخوذة عنه بالقوة الفيزيائية الآن، فإن موجات الارتداد البرمجي قد تتسبب في انهيار مصفوفة التزامن لجميع خوادم الشركة في طوكيو! الفتى يحبس الخادم بأكمله عبر وعيه العصبوني!"
(3)
وفي المقر الرئيسي لشركة فانتوم الدولية، انطلقت صافرات الإنذار الداخلي لتعلن عن فقدان الإدارة لجميع صلاحيات التحكم والمراقبة (Admin Privileges) على خادم النسخة التجريبية المغلقة التي تضم صفوة اللاعبين المائة الأوائل في اليابان. سقطت الأقلام من أيدي المهندسين، وتحولت وجوه المطورين إلى بياض شاحب يشبه الموت وهم يراقبون شاشة العرض المركزية الكبرى التي بدأت بحذف الأكواد الأمنية للشركة تلقائياً وإعادة كتابتها بلغة برمجية جديدة تماماً لا تملك الإدارة مفاتيح فك تشفيرها.
وقف كبير المطورين يوشيدا وهو يرتجف من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه، والتفت نحو المدير التنفيذي الذي تملكه رعب حقيقي وشلل كامل عن التفكير، وقال بصوت متحشرج ومتقطع: "سيدي... لقد انتهى الأمر كلياً. الشفرة فانتوم-ألفا تم تفعيلها بالكامل بنسبة مائة بالمائة بواسطة الحساب RYU. هذا الفتى البالغ من العمر 18 عاماً لم يعد لاعباً عادياً يمكننا مطاردته أو حذف حسابه بضغطة زر... إنه الآن يملك المفتاح المصدري المطلق للواقع الافتراضي. هو من يحدد القوانين، وإذا حاول فريقنا الميداني في أكيخابارا إيذائه في الواقع، فسينهار نظام الشركة المالي وتضيع كافة خوادم الاستثمار في ثانية واحدة!"
"اتصل بالفريق الميداني فورا!" صرخ المدير التنفيذي بجنون وضغط بقبضته على الطاولة الرخامية حتى كادت تتحطم ملامحه من الغضب والذعر. "أمرهم بألا يلمسوا شعرة واحدة من جسده! اطلب منهم التراجع والتوقف عن أي محاولة للاعتقال أو نزع الخوذة! يجب أن نفتح خط تفاوض مباشر وسريع مع هذا الفتى داخل اللعبة... حياتنا ومستقبل شركتنا بالكامل أصبحت الآن تحت رحمة أصابعه الميكانيكية!"
(4)
داخل المختبر الصامت بوكر التنانين المنسية، التفت ريو نحو سنو وعيناه تلمعان بحدة قاتلة ونور ذهبي مستقر من تحت قبعة هوديه الداكنة. استدعى [نصل فانتوم المظلم] الذي تطور في ثوانٍ معدودة ليصبح (سيف الوعي المطلق)، وهو سلاح لا يملك مستويات أو فئات أمان ثابتة، بل يملك ميزة [حذف الكود الفوري (Instant Deletion Code)] التي يمكنها مسح أي عتاد أسطوري أو شخصية نظام بمجرد ملامستها. شعر ريو بهدوء تام وثبات ميكانيكي بارد يسري في عقله العصبوني؛ فالخطر الحقيقي في أكيخابارا قد تم كبحه بالكامل بفضل ذكائه البرمجي وحبسه للخادم.
"ريو... انظر إلى بوابة العبور الرئيسية للمختبر!" تحدثت سنو ونبرتها تهتز بذهول وصدمة بالغة وهي تشير نحو طيف رقمي ذهبي ضخم بدأ يتجسد ببطء أمام العرش البيضاوي للمختبر. لم يكن هذا الطيف لوحش منسي أو قائد نقابة من النخبة المائة، بل كان تجسداً افتراضياً مباشراً للمدير التنفيذي لشركة فانتوم الدولية وكبار المطورين الذين دخلوا الخادم بحسابات طوارئ بيضاء لا تملك أسلحة، وعيونهم تملأها الحيرة والذعر المستسلم وهم ينظرون إلى فتى الهوديه الداكن.
"ساتومي ريو..." تحدث المدير التنفيذي بنبرة منخفضة وخاضعة تماماً، مستخدماً اسمه الحقيقي في الواقع لأول مرة بعد أن كشفت أنظمته هويته بالكامل. "نحن نعترف بقوتك الميكانيكية الاستثنائية ونجاحك في السيطرة على الشفرة فانتوم-ألفا. فريقنا الميداني في أكيخابارا قد انسحب بالكامل من محيط مقهى الإنترنت، ونحن نضمن سلامتك الحقيقية وسلامة صديقك تاكاشي وشقتك بالكامل. نحن هنا لطلب هدنة وعقد اتفاق تجاري يضمن لك حقوقاً مطلقة كمطور رئيسي معنا، مقابل عدم تدمير مصفوفة الخادم العامة أو كشف السجلات السرية للمنتديات العالمية."
(5)
لم يتحرك ريو من مكانه، بل جعل نصله الذهبي يشع بخطوط ميكانيكية حادة اخترقت البيانات الافتراضية للمدير وجعلت طيفه يهتز بعنف وكأنه على وشك الحذف التام. نظر ريو إليهم ببرود تام وثقة ميكانيكية صامتة رفعت من حماس سنو وجعلت مطوري الشركة يبتلعون ريقهم الرقمي برعب مطبق. كان يعلم أن اللعبة المغلقة التي بدأت بـ 100 نسخة فقط لأعظم محترفي العالم، قد أصبحت الآن مملكته الخاصة التي يكتب خوارزمياتها بنفسه، وأن الجيوش والنقابات التي طاردته وحاصرت الوادي الرمادي بمكافأة 20 مليون ين، ستركع الآن أمام قوانينه الجديدة.
"أنا لا أبيع الشفرة فانتوم-ألفا بالذهب أو المناصب الوهمية،" أجاب ريو بصوت منخفض وهادئ للغاية تردد صداه كالإعصار في أركان المختبر الصامت. "قوانينكم الاحتكارية التي سحقت المبرمجين الأوائل وحبست وعي اللاعبين داخل هذه المصفوفة المظلمة قد انتهت صلاحيتها البرمجية منذ اللحظة التي دمجت فيها النواة الثالثة. سأحتفظ بالسيطرة المطلقة على خادم البناء، وأي محاولة تتبع مستقبلي في شوارع طوكيو تعني مسح شركة فانتوم الدولية من الوجود البرمجي كلياً في نفس الثانية."
أغلق ريو القوائم الافتراضية المضيئة بلمسة سريعة وصارمة من أصابعه، وتقدم بخطى حذرة وصامتة بجانب سنو شاقاً طريقه نحو بوابة الخروج الكبرى للمدينة البيضاء العلوية، تاركاً إدارة الشركة ومطوريها في حالة ذهول واستسلام كامل خلفه.