كانت الفتاة لا تزال تضغط بكل قوتها على الباب المعدني.
ارتجرت ذراعاها من شدة التعب، وتشنجت أصابعها حول المقبض، بينما كانت قدماها تنزلقان قليلًا فوق الأرض المغبرة كلما اندفعت الضربات من الجهة الأخرى.
دوم!
دوم!
دوم!
اهتز الباب بعنف.
كان الصوت يتردد في الممر الضيق كأنه جرس موت لا يتوقف عن القرع.
كل ضربة كانت تدفع الباب عدة سنتيمترات إلى الأمام، ثم تعيده إلى مكانه بصعوبة. كانت المفصلات تصرخ تحت الضغط، والمعدن بدأ ينحني عند منتصفه.
شهقت الفتاة وهي تحاول دفعه مجددًا.
كانت أنفاسها متقطعة، وشعرها ملتصقًا بجبينها من العرق.
لم تعد تعرف كم مضى من الوقت.
دقائق؟
ساعة؟
ربما أكثر.
كل ما كانت تعرفه هو أنها إذا تركت الباب للحظة واحدة، فسوف ينهار.
أما من أمامها...
فكانت مجموعة أخرى من الزومبي تقترب ببطء.
تتمايل أجسادهم وهم يجرون أقدامهم فوق الإسفلت.
كانت أصوات احتكاك أحذيتهم بالأرض تقترب شيئًا فشيئًا.
جر...
جر...
جر...
كان الشارع خاليًا تقريبًا.
السيارات متوقفة في أماكن عشوائية، بعضها اصطدم بالأرصفة، وبعضها تُركت أبوابه مفتوحة.
الهواء كان يحمل رائحة الغبار والدخان.
واجهات المحال المحطمة تعكس ضوء الشمس الباهت، بينما كانت قطع الزجاج متناثرة فوق الطريق وتصدر أصواتًا خافتة كلما تحركت بفعل الرياح.
ابتلعت الفتاة ريقها بصعوبة.
نظرت إلى الزومبي.
ثم إلى الباب.
ثم عادت لتنظر إليهم.
لم يعد أمامها مكان تهرب إليه.
قالت بصوت متقطع:
"أحد..."
لم يجب أحد.
رفعت صوتها أكثر.
"أرجوكم..."
كانت الكلمات تخرج منها وكأنها آخر ما بقي لديها من قوة.
"ساعدوني..."
لكن الشارع ظل خاليًا.
لا صوت.
لا سيارة.
لا إنسان.
فقط الزومبي.
بدأ اليأس يتسلل إلى عينيها.
ظنت أن لا أحد سيسمعها.
وفجأة...
توقفت خطوات الزومبي القادمين من الأمام.
رفعت رأسها ببطء.
تغيرت ملامحها.
كان هناك شخص في نهاية الشارع.
شاب يسير نحوهم بخطوات ثابتة.
لم يكن يركض.
ولم تبدُ عليه أي علامات ذعر.
كان يحمل سيفًا، وحقيبته معلقة على كتفه.
كان يمشي وكأن الشارع أمامه طريق عادي، وليس مكانًا امتلأ بالموت.
اتسعت عيناها.
"ماذا يفعل...؟"
اقترب أكثر.
وضعت يدها على الباب وهي تصرخ:
"انتبه!"
"لا تقترب!"
لكنه لم يلتفت إليها حتى.
واصل السير.
كانت خطواته هادئة.
منتظمة.
حتى أصبح على بعد أمتار قليلة من أول زومبي.
توقف.
أمسك مقبض سيفه.
ساد صمت قصير.
ثم...
شششينغ...
خرج النصل ببطء من غمده.
لمع تحت ضوء الشمس، وانعكس بريقه للحظة على عيني الفتاة.
في اللحظة التالية...
اندفع أول زومبي نحوه.
لكن أكاتسوكي لم يتحرك.
انتظر.
ترك المسافة بينهما تضيق.
خطوة.
ثم أخرى.
حتى أصبح الزومبي على بعد خطوة واحدة.
عندها فقط...
أدار جسده نصف دورة.
مر الزومبي بجانبه.
وفي الحركة نفسها...
رسم السيف قوسًا فضيًا في الهواء.
سقط الرأس على الأرض قبل أن يسقط الجسد.
تجمدت الفتاة في مكانها.
"ضربة... واحدة؟"
لم يمهلها الوقت للتفكير.
اندفع ثلاثة زومبي دفعة واحدة.
تراجع أكاتسوكي خطوة.
كان يعرف أن مواجهتهم منفردين ستمنحه مساحة أكبر، لكنه اختار شيئًا آخر.
جعلهم يتقاربون من بعضهم.
انتظر حتى أصبحت أجسادهم متقاربة.
ثم اندفع بينهم بسرعة.
اخترق نصل سيفه رأس الأول.
ودفع الجسد ليسقط فوق الثاني.
أما الثالث...
فكاد يمسك بكتفه.
لكن أكاتسوكي انخفض في اللحظة الأخيرة.
مرت الأسنان فوق شعره مباشرة.
شعر بنفَس الزومبي قريبًا من وجهه.
ثم غرس السيف صعودًا داخل فكه.
توقفت حركته.
وسقط بلا حراك.
وقف أكاتسوكي مجددًا.
تنفس ببطء.
لم يكن يقاتل بعشوائية.
كل ضربة...
كانت محسوبة.
وكل خطوة...
كان يعرف أين ستقوده.
كانت الفتاة تحدق فيه غير مصدقة.
لم ترَ أحدًا يقاتل بهذه الطريقة من قبل.
"من هذا...؟"
لكن الضربات خلف الباب أعادتها إلى الواقع.
دوم!
دوم!
هذه المرة كان الصوت أقوى.
بدأ المعدن ينثني.
التفت أكاتسوكي نحو الباب.
رأى الفتاة ما تزال تحاول تثبيته.
رفع صوته:
"ابتعدي عن الباب!"
انتفضت الفتاة من صوته.
لم تتردد.
قفزت إلى الخلف بسرعة.
وفي اللحظة نفسها...
انفجر الباب إلى الخارج.
اندفع أول زومبي عبر المدخل.
لكن قبل أن يرفع ذراعيه...
اخترق السيف جمجمته.
سحب أكاتسوكي النصل بسرعة.
استدار.
قتل الثاني.
ثم الثالث.
توالت الأجساد عند المدخل حتى أصبحت الجثث تسد الطريق لثوانٍ.
نظر إليها.
ثم أمسك معصمها بقوة.
قال بلهجة حادة:
"اركضي."
بدأ الاثنان يركضان عبر الشارع.
كانت أصوات الزومبي تتعالى خلفهما.
خرجوا من المركز تباعًا، وانتشروا في الشارع ككتلة متحركة لا تعرف التوقف.
لم يلتفت أكاتسوكي.
كان يركض إلى الأمام فقط.
وفي كل مرة يقترب أحدهم...
كان أكاتسوكي يلتف نصف التفاتة.
ضربة واحدة.
ثم يكمل الركض.
لم يكن يقف للقتال.
بل يفتح طريقًا فقط.
كانت لينا تحاول مجاراته، وأنفاسها تتسارع.
كان الشارع يضيق أمامهما.
انعطفا داخل زقاق ضيق.
اصطدمت كتف إيما بجدار متشقق، لكنها تابعت الركض.
عبرا بين بنايتين متهدمتين.
كانت الأرض مليئة بالحجارة وبقايا الأثاث وقطع الزجاج.
لم تتوقف لينا.
كانت تسمع أصوات الزومبي خلفهما، لكنها بدأت تبتعد تدريجيًا.
وبعد دقائق...
وصلا إلى سطح بناية منخفضة.
صعدا سلّمًا حديديًا صدئًا.
صعد أكاتسوكي أولًا، ثم مد يده للحظة ليساعدها.
أمسكت لينا به وصعدت.
ثم صعد أكاتسوكي آخر السلم.
دفعه إلى الأسفل.
سقط السلم على الأرض.
أصبح السطح بعيدًا عن متناول الزومبي.
جلس الاثنان يلتقطان أنفاسهما.
كان الهواء فوق السطح أكثر برودة.
ومن هناك بدا الشارع أصغر، لكنه لم يكن أقل رعبًا.
ظلت لينا تنظر إليه بإعجاب واضح.
وبعد أن هدأت أنفاسها قليلًا...
انحنت برأسها.
"شكرًا..."
رفعت عينيها إليه.
"لقد أنقذت حياتي."
نظر إليها أكاتسوكي بهدوء.
ثم أشار إلى الحقيبة المعلقة على كتفه.
وقال:
"لا تشغلي بالك."
توقف لحظة.
"لقد أخذت حصتي من الشكر."
نظرت لينا إلى الحقيبة التي أشار إليها.
كانت هي نفسها الحقيبة التي تركتها مجموعتها خلفها أثناء الهروب.
خفضت رأسها قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة متعبة.
"لا بأس..."
"خذها."
توقف أكاتسوكي عن النظر إليها.
ثم قال ببرود:
"لم أكن أطلب إذنك."
رمشت الفتاة عدة مرات.
"ماذا؟"
رفع الحقيبة قليلًا.
"حين تركوها..."
نظر إليها.
"...أصبحت من يجدها."
تنهدت لينا.
كانت كلماته مستفزة.
لكنها لم تجد ما تقوله.
فهو لم يكذب.
لو لم يعد لإنقاذها...
لما بقيت حية أصلًا.
جلست تستند إلى الجدار.
كانت الشمس تنخفض ببطء، والمدينة الممتدة أمامهما تبدو كأنها فقدت الحياة منذ زمن طويل.
بعد لحظات، مدت يدها نحوه.
"أنا... اسمي لينا ."
نظر إليها للحظة قصيرة.
"أكاتسوكي."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
"تشرفت بمعرفتك..."
لم يرد.
ساد بينهما صمت قصير.
كان صوت الرياح هو الشيء الوحيد الذي يتحرك بينهما.
ثم سألها:
"وماذا ستفعلين الآن؟"
خفضت لينا رأسها.
بقيت تحدق في الأرض للحظات.
"لا أعلم..."
ثم تنهدت.
"في الحقيقة... أعلم."
رفعت رأسها وأكملت بهدوء:
"لن أعود إليهم."
"غاضبة؟"
سألها أكاتسوكي دون أن تتغير ملامحه.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
"طبعًا."
سكتت قليلًا.
"لكن..."
نظرت نحو الشارع البعيد.
"...ليس بيدي حيلة."
ثم قالت:
"هذا العالم جعل الناس يخافون أكثر مما يفكرون."
"عندما شعروا أنني سأبطئهم..."
خفضت عينيها.
"...تركوني."
تنهدت.
"لا أستطيع أن أسامحهم."
ثم أضافت بصوت أهدأ:
"لكنني أفهم لماذا فعلوا ذلك."
أطرق أكاتسوكي بصمت.
ثم سألها:
"إذن؟"
قالت:
"سأنتظر حتى يبتعد هذا القطيع."
ثم نظرت إليه.
"ثم سأذهب لأخذ أخي."
نظر إليها.
"أخوك؟"
هزت رأسها.
"هو مع تلك المجموعة."
"لن أتركه معهم."
أومأ أكاتسوكي مرة واحدة.
"قرار جيد."
وقفت ليناا ببطء.
نظرت إليه.
"وأنت؟"
"إلى أين ستذهب؟"
أجاب وهو يحمل الحقيبة على كتفه:
"لدي شخص ينتظرني."
ابتسمت.
"إذن..."
"أتمنى أن تصل إليه سالمًا."
أومأ دون أن يبتسم.
ثم استدار ليغادر.
خطا بضع خطوات.
قبل أن يسمع صوتها من الخلف.
"أكاتسوكي!"
توقف.
ولم يلتفت.
قالت بصوت مرتفع:
"شكرًا..."
سكتت لحظة.
"شكرًا لأنك انقذتني."
ساد الصمت.
فتح أكاتسوكي الحقيبة.
أخرج منها ثلاث علب محفوظات.
وزجاجة ماء.
ثم رماها إليها.
التقطتها بسرعة وهي تنظر إليه باستغراب.
"لكن..."
قال وهو يعيد إغلاق الحقيبة:
"قلت إن الحقيبة أصبحت لك."
نظرت إليه.
"أصبحت لي."
ظلت تنظر إليه في حيرة.
"إذن... لماذا تعطيني منها؟"
قال دون أن يدير وجهه:
"لأنك ستجوعين قبل أن تجدي مكانًا آخر."
اتسعت عيناها.
وقبل أن تقول شيئًا...
كان قد بدأ بالمغادرة.
وقفت وهي تضم الطعام إلى صدرها.
ثم انحنت برأسها.
"شكرًا..."
"حقًا..."
"لن أنسى هذا أبدًا."
رفع يده اليمنى قليلًا.
إشارة بسيطة دون أن يلتفت.
ثم اختفى بين الأبنية.
وبقيت لينا وحدها فوق السطح، تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه.
للحظة قصيرة...
شعرت أن العالم لم يمت بالكامل بعد.
أما أكاتسوكي...
فعاد يسير في الشوارع بحذر.
كان الطريق إلى الشقة أطول مما توقع.
كان الظلام يقترب، والمدينة تتحول تدريجيًا إلى مجموعة من الظلال.
خلال سيره...
اعترض طريقه زومبي خرج من أحد الأزقة.
لم يتوقف.
أخرج سيفه.
ضربة واحدة.
وسقط الزومبي.
بعد أمتار...
ظهر اثنان آخران.
تراجع خطوة.
جعلهما يقفان في خط واحد.
ثم اندفع.
مر النصل بين رأسيهما.
وسقطا معًا.
أعاد السيف إلى غمده.
وأكمل طريقه.
كل ما كان يفكر فيه...
أنه تأخر.
شد على الحقيبة.
وقال في داخله:
"يجب أن أعود بسرعة."
وبدأ يسرع خطواته للعودة .
كان يشعر بشيئ غريب
شيء لم يستطع تفسيره.
شيء يشبه القلق..