الفصل مائة وثمانية وسبعون: مظهرٌ يفتقر للذكاء
ثبت فعلياً أن هيكل "شيطان النار" العظمي لم يطبخ نفسه، بل أنبت جسداً جديداً من اللحم والدم. يبدو أن "الأكل الوهمي" السابق وفر له طاقة كافية ليتجسد من جديد كعملاق أحمر تبرز عضلاته وأوتاره بوضوح.
لكن محجري عينيه الضخمين لم ينبتا مقلتين، بل انبعثت منهما شعلتان هادئتان.
رأى فنان التهرب (توي تانغ غو) العملية كاملة بفضل وميض البرق الصادر من رمحه. بدا أن "شيطان النار" قد تخلص من كل ما يربطه بالظلام، وتطور ليكون تابعاً حقيقياً للنيران.
"لماذا نقلناه؟ الزعيمان لم يقتتلا فحسب، بل إن أحدهما تطور أيضاً؟"
اختبأ التهرب في الزاوية، حابساً أنفاسه، خوفاً من أن يلمحه أحد الزعيمين ويقضي عليه.
وفي تلك اللحظة، نطق "شيطان النار" العضلي بكلمات!
"هك.. حشرات الظلام القذرة، رائحتكم تثير الغثيان."
كان نطقاً غريباً، يشبه لغة البراري لكنه نسخة متحورة منها لم يسمعها التهرب من قبل. ومع ذلك، فهم كلمتين بوضوح: "ظلام" و"غثيان".
استنتج التهرب أن "شيطان النار" وزعيم المصنع ليسا على وفاق أبداً.
الوحش المختبئ في الظلام لم يرد، كان لا يزال يتدلى فوق رأس التهرب. لكن هذا البشري الذي لا يشعر بالخوف لم يعد يثير اهتمامه؛ هدفه الجديد هو ذلك العملاق الأحمر الواقف في المنتصف.
أطلق الوحش الخفي ضحكة ساخرة خافتة، وفي لمح البصر ظهر فوق رأس "شيطان النار"، وبسط ذراعيه اللتين تشبهان نصلي "فرس النبي" (Mantis Blades) ووجه ضربة متقاطعة نحو خصر خصمه.
"تشيييي—"
استقر النصلان الأسودان داخل عضلات خصر "شيطان النار" دون حراك، وأصدرا صوتاً ككيّ الحديد الساخن في الماء.
حبس التهرب أنفاسه وجحظت عيناه لئلا يفوته أي تفصيل. رفع رمح الرعد قليلاً للأمام ليرى أوضح، لكنه لم يلمح جسد الزعيم الثاني؛ رأى فقط البخار وألسنة اللهب تنبعث من خصر "شيطان النار" حيث ظهر جرحان غائران.
"حشرة.. مقرفة!"
زأر "شيطان النار"، واشتعلت النيران في عينيه بقوة لتضيء المكان. تدفقت الطاقة الحمراء نحو قبضته اليمنى، ووجه ضربة عنيفة نحو الهواء خلفه. سمع التهرب صوت تمزق الهواء من شدة الضربة، لكنها لم تصب شيئاً؛ فقد اختفى وحش الظلام بالفعل.
سخر الوحش الخفي بصوت منخفض من مكان آخر: "أعمى.. وجاهل."
ثم ظهر مجدداً خلف "شيطان النار" وأعاد الكرة، موسعاً الجرح السابق بنصليه. هذه الضربة أخرجت "شيطان النار" عن طوره تماماً؛ بدأ يصرخ بجنون واشتعل جسده بالكامل، وبدأ يضرب بيديه الضخمتين الهواء المحيط به بعشوائية، محولاً كل ما حوله إلى أرض محروقة.
ومع ذلك، كان وحش الظلام يشاهد العرض بهدوء من بعيد.
راقب التهرب "شيطان النار" وهو يضرب الأرض بجنون، فانكمش أكثر نحو الحائط خلفه، لكنه لم يجد مكاناً للهرب.
"هل زعيم المصنع يهاجم عن بعد أم أنه متخفٍ؟" تساءل التهرب. لم يسمع كلمات وحش الظلام، لذا كان يستنتج من ردود فعل "شيطان النار" فقط.
استمر "شيطان النار" في تدمير الآلات وحرق الجثث حتى لم يبقَ شيء يضربه، فهدأ تدريجياً وخمد لهب عينيه. وفي اللحظة التي توقف فيها، انقض وحش الظلام مجدداً ليعمق الجرح في خاصرته أكثر.
"سحقا..." ذهل التهرب من هذه الحركة اللئيمة. هذا الأسلوب "المستفز" ذكره بأسلوب الصنارة المستقيمة. لا عجب أن الصنارة كان الوحيد الذي لم يمت في المرة الأولى؛ الطيور على أشكالها تقع!
عاد "شيطان النار" للجنون مرة أخرى، لكن هذه المرة بدأت مساحة هجومه تتسع. ليس لأن نيرانه أقوى، بل لأنه بدأ يتحرك. مشى في المكان كالجرافة، يحرق ويحطم كل ما يعترض طريقه. لكن وحش الظلام كان قد عاد بالفعل ليتدلى فوق رأس التهرب، يشاهد معه مشهد الفريسة الهائجة العاجزة.
بعد محاولات فاشلة متكررة، خمدت نيران "شيطان النار" وبدا منهكاً وهو يعود لنقطة البداية. حينها هاجمه وحش الظلام مجدداً، لكن "شيطان النار" كان مستعداً هذه المرة؛ وفي اللحظة التي شعر فيها بخصمه، وجه قبضتيه بقوة نحو خاصرته!
"بووووم!"
انفجرت النيران لتغلف كل ما حوله، لكن التهرب أدرك أن الخطة فشلت؛ فلم يظهر أي أثر لجسد آخر. وحش الظلام يمتلك غريزة حادة، فقد تراجع قبل أن تلمسه النيران، ووقف يشاهد "شيطان النار" كأنه مهرج يؤدي فقرة مضحكة.
استشاط "شيطان النار" غضباً وانطلق فجأة نحو الزاوية التي يختبئ فيها التهرب.
"تباً! لا تأتِ إلى هنا!" صرخ التهرب وركض نحو الزاوية الأخرى وهو يلوح برمحه: "إن كنت عاجزاً عنه فلا تفرغ غضبك فيّ! أنا مجرد 'صحفي حربي' هنا!"
الغريب أن "شيطان النار" لم يطارده، بل ذهب إلى الزاوية التي كان فيها التهرب للتو.
هناك، توقف الوحش فجأة. وبدلاً من تحطيم الجدران، فعل شيئاً غير متوقع تماماً: اتخذ نفس وضعية التهرب السابقة! انكمش في الزاوية، مسنداً ظهره للجدران، ومد قبضتيه المشتعلتين نحو الجهتين المفتوحتين ليحمي نفسه.
"؟؟؟"
وقف التهرب مذهولاً. هل الزعيم يقلده؟
هل ظن الوحش أن التهرب لم يُهاجم لأنه كان يختبئ هكذا، فأراد تجربة نفس الطريقة لصد هجمات الظلام؟
كان مشهداً سريالياً ومضحكاً لدرجة أن التهرب لم يعرف كيف يتصرف. فجأة، أدرك أن هذا الزعيم بدأ يكتسب شيئاً يشبه "الذكاء".. لكنه ذكاءٌ محدودٌ جداً.
فوق رأسه، كان وحش الظلام يراقب المشهد بمتعة، وأطلق ضحكات متقطعة تشبه حشرجة الأنفاس، لكنها ازدادت علواً. يبدو أنه رأى أكثر شيء مضحك في العالم، لدرجة أن نصليه كانا يرتجفان من الضحك.
"ممتع.. ممتع للغاية."
"بشريٌ لا يعرف الخوف، ووحشٌ لا يعرف الخوف.. وكلاهما يخاف مني."
"هك.. هك.. هك.."
_
رايكم ؟