لَطالما تَساءَلتُ.. ما هُوَ شُعورُ أن تَستيقظَ وأنتَ مَفعَمٌ بنَشاطٍ أنتَ مُستَغرِبٌ منهُ؟ ما هُوَ شُعورُ أن تَبدَأَ بروحٍ مليئَةٍ بِآمالٍ تُغذّيها أنتَ بالحياة؟

لا زِلتُ أَتمنّى الشُّعورَ بهِ ولو لِلَّحظةٍ، لكنّني بالكاد أَستيقظُ بجسدٍ يحملني، أجرُ بنفسي كأنّي شخصٌ في أواخر عُمره يتصارعُ ويصارعُ أَنفاسَه.

وكأنّي لستُ بسني، ولستُ بعمَرٍ كانَ من المَفروضِ أن أجعلهُ طريقًا مليئًا بالأملِ نَحوَ المُستقبل.. أَتساءل إن كانتِ الحياة تَبغضني كبغضِ العدو لعدوه.

لكن لا بأس! لا زِلتُ أراهَا كشخصٍ يصعب إرضاؤه، أنا لا زِلتُ أنتظرُ منها الحَسن لي كي أحسن لها، لا بأس.. حتّى وإن كنتُ وحيدًا أقاومُ أشياءً بالكاد يتحمّلها أمثالي.

لا بأس، حتى وإن تعرّض الجميع لشخصٍ لتوه يبلغ السادسةِ عشر، حتى وإن قُتل الجميع أحلامه داعسًا عليها.

لا بأس، ستقدّم الحياة حقّه.. إن كانَ له حق.

هذا يكفي، ما الذي أرتجيه أنا من "حياة" غادرها البعض مرغمين، وتركها البعض سعداء، وهرب منها الكثيرون؟

يجب عليّ أن أنهض.. لأتحمّل المزيد من سهامها.

وكأنّي من بدأ الحرب لسكانها، غير أنه لا ذنب لي.

أعني.. لماذا يجب أن أرتدي ملابسي وأنا أتهرّب من جروحٍ منها قديمةٍ ومنها جديدةٍ ومنها بين الحالتين؟

لماذا أعيش وكأنّي كتابٌ ممزّق ينتظر أحدًا ما يصلحه، لعله يرى به ما ينفعه؟ لماذا أنا الذي يجب أن أعيش وكأنّي غرفةٌ بالية لا يضعون بها إلا حطامهم وخرابهم؟

ها أنا أقف أمام ذاتي، أراها تعاتبني لوجودي، وتتأسّى لها أنظاري لوجودها لشخصٍ مثلي، لا يقوى لذاته ولا يقوى لغير ذاته، لا يعلم إن كان متعبًا أم أنه مات بالفعل.

أمرّر يديّ على جراحي لعَلّها تذهب مثل الذي أمسكت بيديهم فذهبوا فارين كأنّي العدو بساحتهم رغم أنهم كانوا معي.

لا بأس! ربّما كان خيرًا لهم، وإن عنى ذلك شرًّا لي.

مجدّدًا، سمعت تلك الرفيقة بداخلي، روحي التي تعاتبني على نسياني لها، وكأنّي مجرد دخيل أينما دخلت حلت الفوضى بعدي، وكأنّي أقتلها بكل كلمةٍ وما كونته من معانٍ.

لا بأس، حتى أنتِ ستتركين شخصًا عذبك وقتلك ألف مرة يومًا ما، واثقةً كامل الثقة أنك تحنين لذلك اليوم، وتنتظرينه كما تنتظر الأم فؤادها الصغير.

الأم.. مضحك حينما أتمنى أمًا لي وأنا أملكها، لكن ما لي أراها بدل الحنان ترمي عليّ بسُهامٍ أعجز عن تحمّل آلامها؟

لماذا تراني كما لو كنتُ من أهلها؟ آسف أمي إن أخطأت.

ولكِ العذر إن أخطأتِ..

أظنّ أنني أَكثرتُ من كلامٍ لا يسمع ولا ينصت له أحدٌ غيري أنا وذاتي، لا بأس، حتى الذي سينصت لك سيملّ من أحاديثك، فهي تتكرّر برأيه، وتتجدّد برأيك.

لن يفهمك أحد، حتى أنت لا أظنك تفهم ذاتك، هذا ما أقولُه لنفسي.. لأنني لو فهمت ذاتي، لما جعلتها تتمنى الخروج من جسدي.

من يستوعب أن كلامي هذا أخذ مني عشر دقائق، حتى هذا المقدار من الوقت كان سعيدًا لأنه تحرّر مني؟

لا بأس، سيغادر كل شيء.

أكملت تهيئة نفسي، لمتاعب يومٍ جديد، ونزلت إليهم لأتناول ما طاب من يدي أمي معهم، رائحة طبخ أمي أفضل من أي عطر فرنسي طاب له الأنف!!

جلست معهم، من الجيد أن لي مكان معهم، هذا شيء سعيدٌ أنا به، وليته يكتمل.. جلست بجانب أخي، أخي الذي أرى الحياة تجري بعروقه كما يجري دمه بداخلي.

كلما فقدت أملًا أو أضعته، أنظر إليه لعلي أستمد طاقة تقويني عليها، حتى ولو كان لبقائي ووجودي معهم كارهًا.

لا بأس، لا زال أخي.. ربما سيشعر يومًا ما..

سيشعر أنني أستنجد به آملاً سماعي.. رغم أنني أراه يتجاهل غير مبالٍ، فأبتسمت، وأعطيته العذر، ومشيت وأنا أجر ذيولًا من الخيبة، وهمومًا على عاتقي.

يتحدث مع أبي، أبي؟ أَيحق لي مناداته وهو يومًا بعد يوم يشعرني بعدم وجودي؟

لا بأس، حتى وإن كان كذلك، طالما هو سعيد، فلا بأس، حتى وإن عنى ذلك حزني.

تبسمت لنفسي وبدأت الأكل معها، وكأنني أتعافى بهذا الطعام، حتى ولو كان قليلًا، وكأنني أتناول من طعام مديد طويل الأمد، حتى ولو كان بسيطًا، لكن..

لكن، سأصبح أنانيًا قليلًا.. لماذا طعامي أقل مقارنةً بهم؟

لا بأس، لعَلها لم تَلحظ أنني لم أكن معهم على المائدة في ليلة الأمس، نعم، بالتأكيد، لها العذر.. لا بأس.

محى أفكاري الفوضوية، صوت ابي وما تكلم به، نبرةً باردةً، ولا اعرف ان كانَ غاضبًا ام يحاول تمالك غضبه

كان ذلكَ كافيًا لفزعي

"- آيلام، تغاضيت عن ما حدث قبل هذا الأسبوع، لكن إن تكرر ذلك فصدقني ستكون أمنيتك هي الخلاص مني، أفهمت؟"

بالتأكيد، امي ستوافقه الرأي، وستكمل ما اراد قوله

رفعت عيناها لي،ارى ذلك..ارى كرهًا يزيد من آلمي، نبرتها احتوت الحدة،وارتفعت نهاية قولها..

"- أنت تسببت بفصلك لأسبوع بسبب طيشك وطفولة أفعالك، هل سعيد أنت؟ خزي أنت ما فعلته!!"

"- استمع لكلام أبيك، آيلام، هل نحن نبذر أموالًا رخيصة برأيك؟ فقط حتى نسمع بأنك لم تذهب للمدرسة لثلاثة أيام؟"

مجدّدًا.. سمعت هذا الكلام حتى شعرت بأنهم بالغوا، ربما كانوا على حق، لكن على الأقل، لم أفعل فعلتي لأنني أردت، أمي، أبي.. اتظنان انني فخورًا بما افعله؟!

حاولتُ التكلم، حاولتُ اخفاء سموم تلك الغصة التي انهشت حنجرتي، حاولتُ جعلها ثابتة، هادئة، تخفي ما احدثته امواج كلامهم، لكنها خرجت متقطعة..خرجت وبالكاد خرجت..

"- حاضر.. لن تتكرّر-"

لم يكن كلامهم كافيًا، لم تكن الجروح التي نقشوها كافية، فها هو ابي يضرب كلتا يديه على الطاولة،رن صوتها الذي اهاز على اثره ماكان على المائدة

ترددت كلماته كالصدى داخلي، يردف ويصرخ بصوتًا يخنقه الغضب، يتسابق الغيظ فيه، انتظرني ابي، سأجد لأثار كلماتك صفحةً بيضاء تحتويها حتى تمزقها

"- بالتأكيد لن تتكرّر!! أتظننا نمزح معك؟! مستعدون لدفع الأموال فقط لتأمين مستقبلك المعدوم بسبب أفعالك غير المبرّرة؟!!"

أنا المخطئ، ما الذي فعلته؟! لا أعلم!

لكنني أخطأت، تسببت بغضب أبي والآن صراخه، لكن!!

لا، لكن، أنا مخطئ!!

بعدها.. اردفَ اخي يحاول جعل الهدوء طرفنا الخامس بنبرة كلماته التي تخللها الهدوء شيئًا فشيئًا ، رغم ذلك، فهو بالتأكيد سيفرغ ما يريد قوله فيما بعد، ان لم يكن الان..

- "أبي، لا داعي لترهق أعصابك عليه، إن بلغني الأمر من إدارة مدرسته، سأكون أنا المتصرف حينها، اطمئن."

أنهى أخي النقاش ونظر لي اخر كلماته،بخيبة؟

لا..

بشفقة؟

لا

توعد، قسوة عيناه كافية لجعلي ادركُ انني.. تسببت بكرهه لي للمرةِ الالف

هكذا انتهى مايتكرر كل صباحًا، بارتخاء أعصاب والديّ قليلًا، وبحمل ثقيل سأحمله كثيرًا..بعد ذلك بالتأكيد استقمتُ من المائدة، ليس بغاضب، ولكني أظن بأني جلوسي معهم تسبب بما حدث.

استقمتُ وانا اسمع ساقاي التي تتبعثر رجفًا، وكليّ سؤالاً

' أكنتُ مخطئًا حتى بتوقعي الافضل؟'

اردتُ المضي للجحيم التالي، لكن استوقفني ابي محدثًا اخي، ان كان يتعلق بي، فبالتأكيد نبرته كانت كجفاف ارضً قاحلة

لها من عواصف الغضب ما ملكت

- "إنليب، أوصله بنفسك لمدرسته، واقله أيضًا، دعني أراه إن تجرأ على فعلها كيف سيكذب؟"

- "لك الأمر أبي، سأحرص على ذلك."

آسف أخي.. لكنني سأُتعبك أيضًا، فأتمنى أن تمنحني العذر، كما منحتك دائمًا، انتهى نقاشنا والآن أنا مع أخي في سيارته، يقودها نحو مكانٍ آخر يرفضني.

أردت النوم على النافذة، لعلي أستيقظ فأجده كابوسًا آخر، لا أريد.. لا أريد الذهاب لها، خذوني للجحيم لكن ليس لها!!

أغمضت عيناي متمنيًا منها الهدوء والرقود، ان لم يكن للأبد

- "هلّا كففت عن أفعالك الطفولية؟!"

لذلك اردت الغفوة.. لا اريد سماع المزيد، انا منهك، لكن مابيدي من حيلةً سوى الجواب على نبرة غضبه الذي حاول اخفائه ، اخرجه اخي..سبق وقلتُ انني غرفةً بالية يلقون فيها حطامهم

- "أ-أخي؟!"

- "أخبرتك مرارًا وتكرارًا وأظنها الألف أن تتوقف عن أفعالك!!"

أفزعني ضربة المقود، فأعتدلت بجسدي شاعرًا بصوته وهو يتعالى،كان عليّ تحمل رعده ، مجهّزًا مكانًا بروحي كي يحتمل جراح كلماتِه التالية،

فقد حفظتها لكثرة جراحها المتشابهة داخلي..

- "أخبرتك أن تكف عن أفعالك التي تغضب أمي!! وأخبرتك أن تكف عن أفعالك التي تتسبب بغضب أبي!! آيلام!!

أتظننا على استعداد لتحمّل ما نلاقيه من مخلفات أفعالك!!؟

هل أنت سعيد بوجود شخصٍ ينظف وراءك؟؟!"

مرّة أخرى.. أظنني تسببت بكرههم لي مجدّدًا، ليس وكأنها أول مرة.. لكنها مؤلمة.. كل مرة أشدّ من ثانيتها.. وثانيتها أتعب من ثالثتها.. وأنا من تسبب.

أنا الجريح ومن تسبب به، فلمَ ألوم من لا لوم له ولا عليه..

أنا الذي بسذاجتي اعتقدتُ بخلاصي بأفعالي، لكنني أسبب مشكلة كلما أردت الراحة.. عبء.. أنا كالعبء عليهم.

استمر كلامه، واستعلى غضبه

وما بيدي من حيلةٍ سوى تركه يرميني به

حتى انتهى ما أن أوصلني.. ،

نزلتُ وما ان اغلقتُ بابها حتى مضى بعيدا، حتى عند اختلاف الموقف والسبب، لازال يتركني عند حاجتي إليه

اعدتُ بناظري للمبنى.. مجددًا، اشعرُ بالاشمئزازِ من وجودي معهم، لا اريد حتى النظر إليهم، بالطبعِ الجحيم يفتقد ساكنيه! كيف لا و شياطين الجحيم على الارض!

تنهدتُ لقلة حيلتي، ومضيت داخلاً، ارجو الخروج منه سالمًا،

اشعر بقلبي يحاول الخروج ان لم اخرج، وعقلي يتصور اسوء مشاهد حيةً امام عيناي

لستُ ابالغ! من لم يعش ما اعيشه هنا، سيضحك على بكائي ليلاً!

أنزل رأسي لعلي احتمي من تلك العيون الطاردة

وكأن مايريدون اخفائه مكتوب على ملامحهم

اسرعتُ بخطواتي، فأستوعبت انني اهرب من جحيم، الى جحيمًا اخر

فتحتُ بابه بهدوء، وهنا.. بدأ ماكنتُ اخشاه، وشعرتُ بعقلي منتصرًا، فما اخافني منه وارهبني، اراه امامي لا يمكنني الفرار منه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسابي واتباد: pandafly_99

اتطلع لحضوركم ❤

2025/09/20 · 30 مشاهدة · 1387 كلمة
Ginali
نادي الروايات - 2026