صراخ.. هل لا زالَ والديّ يتشاجران.. صحيح.. لا اتذكر بأنهما توقفا.. لكن.. هنالك اصواتًا اخرى
لا، لا.. لستُ في المنزل.. مالذي يحدث؟
"-سأكون شمعتك التي ترافقك وتمنحك الدفء، دون ان انطفئ!! "
اخي.. أڤين؟ صحيح.. هو قال لي هذا لكن
اشعرُ بالبردِ يا اخي، اين رفقتك!؟
لا.. هو معي الان، اجل بجانبي تمامًا
هو كانَ يحتضنني.. نعم، كنا سوف نذهب للنومِ!
اخي رائع.. نجح بأقناعِ امي وبقي بجانبي
لن اكونَ وحدي الان، لن تكون ليلةٍ موحشة!!
"-اخي!! الشموع!!"
ماذا؟!
"-آيلام!! لنخرج من هنا بسرعة!!"
اخي؟ مالأمر!
"-لا تبكِ، سنخرج من هنا!!"
نخرج.. الى اين وممن؟ اخي.. انت تخنقني قليلاً
بالكادِ اتنفس الان.. اشعرُ بالاختناقِ!!
تذكرت! كان من المفترض ان نشاهد الالعاب النارية يا اخي، اظنها قد سبقتنا!
لكن.. لما كل شيء اصبحَ يحترق الان
مالذي يحدث!!
اخي.. لقد التهمتنا الشموع!! لقد كنتَ مخطئًا!!
لا.. اعتذر اخي! لانكَ لستَ مخطئًا
انا من طلبَ ذلك، انا المخطئ اخي!
ان اعتذرت، هل ستعذرني؟!
لن تبتعد عني؟ ستسامحني وتعود للعبِ معي؟!
ستأكل برفقتي وستنام بجانبي!؟
ستضع يداك الدافئة على مسامعي حينما يتشاجر ابينا وامنا!؟
انا اسف اخي، اردتُ بعض الدفء منها ، لم اكن اعلم انها ستحرقنا!
مهلاً اخي، صوتكَ يتلاشى، لستُ اسمعهُ بوضوحٍا
هل هذا حلمًا يا اخي؟ لا ليسَ حلمًا، لعلهُ كابوسًا؟!
لكنني انام بحضنك يا اخي.. من اين ستأتي الكوابيس وانت تحرسني؟!
"-بدأت مستويات الأكسجين تنخفض! نحتاج نقله فورًا!"
"-معدل ضربات القلب غير مستقر! هيّا، لا وقت!!"
اشعر بعيناي تنطفئ.. سينتهي هذا الكابوس،
نعم سنستيقظ واعتذر لك.. عليك ان تبقى برفقتي
عليك ان..
تبقى!
--
خارج تلك الغرفة...
كانت أنفاسه متسارعة، تتعثر بخطاه وتضطرب في صدره.
يصطدم تارةً بطبيب، وتارةً بممرض، لا يرى طريقه جيدًا...
كل ما يهمه الآن: شقيقاه!
ليته يجد من يخبره أنهما بخير، فقط بخير!
توقف أخيرًا عند نهاية الممر...
كان والده جالسًا، رأسه منحنيًا،
وبجواره كانت الخيبة تجلس كضيفٍ ثقيل، لا يرحل.
أما الأم، فكانت في حضن أختها، تشهق، تكاد تفقد وعيها من شدّة الرعب.
كان الليل في منتصفه،
وكان هو قد وصل متأخرًا... برفقة جديه،
مشى بخطى بطيئة نحوهم.
غرفة العمليات كانت هناك،
لكنّه لم يعرف أي شقيقيه كان خلفها.
"-أمي؟"
همس بها، بصوتٍ مرتجف، فالتفتت الأم كمن انتُشل من الغرق.
ركضت نحوه، احتضنته بكامل جسدها،
ثم انفجرت بالبكاء من جديد...
كأن دموعها تحاول إطفاء الحريق الذي ما زال مشتعلًا داخلها.
شدّت على ذراعيه كأنها تخشى أن تفقده هو الآخر.
"أين أڤين؟ أين آيلام؟ "
سأل إنليب بصوتٍ خافت، وهو يحدّق في باب الغرفة المغلقة.
نظرت إليه الأم، ثم أغمضت عينيها بقوة، ولم تجب.
تقدّم نحو والده، الذي لم يرفع رأسه بعد.
"أبي؟"
لكنّ الأب لم يتكلّم،
لم يفعل شيئًا سوى أن وضع يده على وجهه، وراح يبكي بصمت.
شعر إنليب أن شيئًا ما خطيرًا يحدث خلف ذلك الباب...
لم يكن يحتاج إلى شرح،
الهواء حوله كان ثقيلًا، والمكان كلّه يشهق من الخوف.
ثم،
انفتح الباب.
وخرج منه الطبيب، وجهه شاحب، وثوبه الأبيض ملطّخ بسخام الحريق.
تجمّد الزمن للحظة.
نظر إلى العائلة المتفرقة أمامه، وقال بصوتٍ منخفض:
"أڤين إغلاند ... ما زال يُقاتل. لكن حالته حرجة جدًا، ارجو من حضراتكم التوقيع للأستعداد.. لأي شيئًا قد يحدث إليه"
عمّ الصمت.
وحتى ذلك الصمت... كان مؤلمًا لكنه لم يدم عندما ابتعدَ إنليب عن حضن والدته مقتربًا من الطبيب وبصوتًا انهشه القلق اردف
"-آيلام، اين اخي الاصغر؟ لستُ ارى غرفته!!؟"
اجابته الطبيبة التس كانت متواجدة ايضًا وهي تغلق الملف بيديها، رفعت رأسها ثانيةً وقالت
" الطفل الآخر... آيلام إغلاند، تم نقلهُ إلى العناية المركزة فورًا. حالته مستقرة نوعًا ما... لكنه لا يستجيب."
اقتربتَ جدته وبنبرتها المتعبة لكبر سنها
"لا يستجيب؟ ماذا تقصدين؟ هل هو حي؟!"
أومأت الطبيبة بتردد
"نعم، لكنه في غيبوبة... على الأغلب بسبب الاختناق، وأثر الصدمة العصبية. نحن نتابع حالته عن قرب."
تبادل إنليب وجده نظرة قلق، فيما عاد الأب ليغرق في صمته الكئيب
وبينما كانت الممرضة تشير إلى الأوراق، طلبت من أحدهم توقيع استمارات المتابعة، فاقترب الجد لأداء المهمة.
بدأت بالتكلم بهدوء وتوتر ، شعرت وكأن لا احد ينصت لها
"بإمكان أحد الوالدين مرافقة آيلام إن أراد، نحن ننقله الآن إلى غرفة المراقبة العصبية. حالته تحتاج إلى وقت... ومراقبة ايضًا."
لم يتحرك اي من والديه.. رأى إنليب رفضهما الواضح.. هو للتو لاحظ بأن والدته وكل ماسألت عنه هو أڤين
بينما طفلها الاخر؟ يبدو بأنها ظنت ان الحريق التهم جسده
تكفلَ إنليب بمرافقةِ اخيه، ولا يعلم، اين يضع قلبه وبجوارِ من، ابجانبِ أڤين الذي يصارع الموت الذي كان ضيفهُ؟ ام بجوارِ آيلام الذي مصيره مهدد امامه
مشى مع الطبيبة الى غرفةِ اخيه، وقف أمام الزجاج، يحدّق في الغرفة البيضاء الباردة ..
غرفة المراقبة العصبية. كل شيء هناك يوحي بالهدوء القاتل.
كان آيلام ممددًا فوق السرير المعدني، جسده الصغير ملفوفٌ ببطانية خفيفة حتى صدره، وقدماه البارزتان مضمدتان بعناية، تظهر عليهما آثار الحروق، لكنها لا تبدو عميقة.
وجهه شاحب، كأن الحياة نُزعت منه مؤقتًا، وقد وُضعت قناع أكسجين شفاف فوق أنفه وفمه، تتصاعد منه أنفاس خفيفة ومتناظرة، دليل على أنه يتنفس، وإن لم يكن مستيقظًا.
على يسار السرير، وُضعت شاشة تعرض إشارات دماغه ومعدّل ضربات قلبه وتنفسه. وممرضة تقف بالقرب منه تسجّل الملاحظات بهدوء.
إنليب لم يعرف...
هل يُطمئن نفسه لأن الأرقام تتحرك؟
أم يخشى أن يتغير شيء فجأة؟
كان هناك أنبوب رفيع موصول بذراعه، يضخ له محاليل وسوائل...
والضوء الأبيض القاسي في الغرفة كان يسلّط فوق رأسه مباشرةً، وكأنه يُمعن في إظهار كم يبدو هشًّا الآن.
همس الطبيب المرافق لإنليب دون أن يقطع سكونه:
"الاختناق قد يؤثر على الدماغ، لذا نراقب موجاته وتجاوبه العصبي. إن لم يستيقظ خلال يومين... فسننتقل للفحوصات الأعمق."
لكنّ إنليب لم يجب، فقط... بقي يحدّق.
آيلام لم يكن يتحرّك، ولا حتّى رمشه يرتجف.
لكنّه هناك.
يتنفّس.
ينتظر.
"-حالته..أيمكنكَ.."
همس بصوتًا خافت.. كأنه يخشى ايقاظ اخيه.. يخشى إفزاعه
فهم الطبيب مايريده، فأشار للطبيبة التي استأنفت حديثها
بصوتٍ هادئ لكن حازم:
"آيلام مصاب بحروق سطحية من الدرجة الأولى إلى الثانية في القدمين، تمت معالجتها مبدئيًا، ولا خطر منها حاليًا. لكن القلق الأكبر هو نتيجة تعرضه للاختناق داخل مكان مغلق مليء بالدخان الكثيف."
توقفت لثوانٍ، ثم تابعت وهي تنظر إلى تقرير في يدها:
"مستوى الأوكسجين في دمه كان منخفضًا قليلاً عند وصوله، وهذا يعني أنه بقي دون تهوية كافية لفترة قصيرةً نسبية..ومازاد تقليل الخطر هو حمايةِ اخيه ومحاولة جعله الا يستنشق ذلك الدخان
هذا النوع من الاختناق قد يسبب مضاعفات طفيفة على الجهاز العصبي، لكن لا خطر محدقًا لذلك نحن نتابع حالته في وحدة المراقبة العصبية في حال حصلت مضاعفات غير متوقعه"
أشارت بخفة إلى شاشة بجانب السرير:
"حتى الآن لا توجد مؤشرات خطيرة، لكن الطفل في حالة سبات عصبي مؤقت، قد يستغرق بعض الوقت ليستيقظ. نحن نأمل أن تكون الأضرار مؤقتة، رغم ذلك فهو بحاجة للمراقبة الدقيقة، خصوصًا في أول 48 ساعة، لأنها حاسمة."
انهت كلامها واغلقت التقرير، فوضعَ الطبيب يده على كتفه، مواسيًا إياه
"- كن قويًا، شقيقاك بحاجتك، ووالديك.. كن لهما خير عون، سيكونانِ بخير"
طبطبَ على كتفه، ثم ذهب مع الطبيبة
لم تكن الا دموعًا على وجنتيه تعاتبهما على ما احدثاه من فزعًا داخله
ابتعد عن الزجاج للخلف وجلسَ على المقعد المقابل لغرفة المراقبة العصبية، يحدّق في الأرض، لا يجرؤ على رفع رأسه نحو الزجاج مرة أخرى
تدور في رأسه أسئلة لا تنتهي...
هل ما زال أڤين يُقاتل؟ هل سيستيقظ آيلام؟
هل سيعود كل شيء كما كان؟
لا، هو يعرف الجواب... حتى لو نجا كلاهما، لن يعود شيء كما كان.
كانت المستشفى قد خفت ضجيجها، والليل لا يزال طويلاً...
لا يعلم ماذا يفعل الان
حتى الان، لم يستوعب مالذي حدث حتى
لم يفهم اي شيئًا! هو استيقظ بمنتصفِ الليل بمنزلِ جدته
استيقظَ على اثر صوت جدته المفزوع وهي تهاتف خالته
اثار ذلكَ استغرابهُ وحين سألها
نظرت إليه، ودموعها تسابق تجاعيد وجهها، وقالت
"-حريق يا بني... في منزل والديك... أڤين وآيلام! شقيقاك في خطر! نُقِلوا إلى المستشفى..."
توقّف كل شيء في داخله.
جسده تجمّد، وعقله رفض الفهم.
قالت له جدته إن أڤين بين تحتَ جناحًا من الموت..و لم يخبروهم بعد بحالةِ آيلام...
أضافت أن أسرته كلها الآن... "ضيوفٌ في المستشفى".
ومن تلك اللحظة، وجد نفسه هنا،
في هذا المكان الأبيض، البارد، الخانق،
وحيدًا...
لم يكن معتادًا على الوحدة.
لطالما كانت يداه تمسك بيدي أحد شقيقيه...
أڤين الذي يقفُ بجانبهِ ملتصقًا به، أو آيلام الذي يلتصق به كلما شعرت روحه بالحزنِ
أما الآن؟
فلا أحد جوارهُ سوى الخوف والقلق.
فجأة، سمعَ صوت والدته وهي تصرخ
" -لما عليّ رؤيته!! فقط لو لم يكن معه، فقط لو لم يكن هناك لما خاطرَ أڤين بروحهِ وانفاسه لأنقاذه!!
اليسَ بخير؟؟ انها غيبوبة فقط واتمنى الا يستيقظ منها!!
ليحدث لهُ ما يحدث، لن افارق جانب أڤين حتى ولو سمعتُ بموتهِ!! "
تمنى لو أن الجدران عازلة...
لو أن صوتها لم يخترق قلبه بهذه الوحشية.
لو أن أذنيه خانتاه الآن، فقط لمرة واحدة.
"هو السبب بحالةِ أڤين!! لو لم يكن هناك فقط!! لما انتهى بأڤين وحده يصارع انفاسه!! لما هو دائمًا من يدفع الثمن!!"
استمرت برميِ سمومها، لم يكن هذا ما قتل إنليب
بل ان والدهُ، لم يعترض على ايّ من كلامها
وكأنه وافقها الرأي ووقف الى جانبها دون ان يتفوه بكلمةٍ
لطالما اعتقد أن الحب أقوى من الصدمة،
لكن الآن؟ لم يعد واثقًا من شيء.
الطبيب الذي كان يحاول جعلها ترتاح مع من معها،لم سكن ليسمح ببقاءهم في الممر ، اقترب ببطء، بخطواتٍ مترددة،
وقال بهدوء
"-سيدتي، رجاءً... حديثك هذا قد يُفهم بشكل خاطئ، ابنك الآخر لا يزال بين الحياة والموت أيضًا."
لكنها قاطعته بحدة، ووجهها باكٍ غاضب
"-إنه من جرّه إلى الموت!"
صمتَ الطبيب، ولم يجبها..
لم يرى قط ولم يواجه هكذا كلام من عوائل مرضاه
خاصةً وكونها ام.. فتركها على حالها الذي تريده
بينما تراجع إنليب بخطواتهِ المترددة ...و مشى.
مشى مبتعدًا عنها
سريعًا نحو غرفة آيلام...
تمنّى لو يفتَح الباب، فقط ليراه.
ليقول له شيئًا... أي شيء.
لكن الزجاج كان مُعتِمًا، لا يسمح له برؤية شيء.
وكانت الممرضة عند الباب، تُمسك بجهازٍ صغير، وتُسجّل ملاحظاتها.
اقترب منها، وتردد، ثم سأل بصوتٍ منخفض
"-هل... هل يستطيع سماعي؟"
رفعت رأسها ونظرت إليه بلطف، ثم قالت
"-نحن لا نستطيع الجزم. هناك من يظلون يسمعون كل شيء وهم في الغيبوبة... وهناك من يغرقون في الداخل تمامًا. ولكن..."
ترددت قليلاً، ثم أكملت
"-لو كان شقيقك يسمعك... فسيشعر بك، حتى لو لم يُظهر شيئًا. أحيانًا... القلب يسمع أكثر من الأذنين."
ابتسمت له بابتسامة صغيرة، ثم عادت لملاحظاتها.
أما هو...
فاتكأ على الحائط جوار الباب، وأنزل رأسه.
ثم همس...
"لا اعلم ان كنتَ السبب حقا، لكن أرجوك حتى وإن كنت... فقط عُد! "
مضى الوقتِ حتى اصبح يومين
استقرت حالة آيلام
عاد تنفسهُ لطبيعته قليلاً، واكد لهم الطبيب على استيقاظه بغضون يومًا او اكثر بقليل،
شعروا بلمحةٍ من طيف الامل قد خيمَ عليهم
لكن!
بلحظةٍ واحدةً من ليل اليوم الثاني
تحول هدوء نحيبهم وبكاءهم الى صراخًا عندما رأوا الاطباء يدخلون غرفة أڤين متسارعين
لم يفهموا اي شيئًا مما جرى
توقفت الطبيبة امام الاب، تحاولُ اخفاء رجفتها وحزنها على ما آل بهم الحال
"- سيد إغلاند، نحتاج توقيعك حالًا! حالة ابنك غير مستقرة وعلينا إدخاله غرفة العناية الحرجة المركّزة قبل أي شيء."
رفعت ملفًا صغيرًا أمامه، ويدها ترتجف قليلًا من ضغط الموقف.
"توقف قلبه للحظات ونحن في الطريق، تمكّن الفريق من إنعاشه، لكنه يعاني من اختناق شديد، حروق داخلية في المجرى التنفسي، ونزيف محتمل في الرئة... لا وقت لدينا."
أشارت إلى أحد الممرضين ليخرجوا السرير بسرعة ويسحبوه إلى جهة أخرى، وقالت بسرعة
"- نحن ننقله مباشرة إلى الجراحة الطارئة، فريق العمليات بانتظاره. نحتاج توقيعكم على الموافقة، فقط في حال تطلّب الأمر إنعاشًا قلبيًا متكررًا أو إجراءات إضافية، وربما..."
ترددت، لكنها أكملت بصوت منخفض جدًا:
"... ربما نقل تنفّسي صناعي طويل المدى، إن نجا."
نظر الأب إلى الورقة، يداه ترتجفان، بينما زوجته كانت لا تزال تصرخ بين ذراعي اختها وامها اللتان تحاولان امساكها وتهدئتها
"
- لا تأخذوه! فقط دعوني ألمسه! أڤين!!!"
لكن الطبيبة ضغطت
"- سيدي، لا وقت... من فضلك!"
تناول القلم بيدٍ مرتعشة، ووقّع، دون أن يعرف على ماذا بالضبط.
كل ما كان يراه أمامه هو صورة ولده يُسحب بعيدًا... بعيدًا عنه.
وبلمح البصر، اختفى أڤين خلف أبواب غرفة العمليات،
كل ذلك حدثَ امام إنليب الذي احتضنهُ جدهُ حينما مر سرير اخيه..الى اخر مكان له
عيناه كانت معلّقتين على الباب الذي ابتلع أڤين،
ويداه ما زالتا تبحثان عن شيء يثبت بهما ذاكرته،
عن أي تفصيل، أي صوت، أي نسمة من شقيقه الراحل إليه.
لم يعد يشعر بثقل جسده، ولا ببكاء جدته، ولا بتشنّج والدته على الأرض.
ساعاتً معدودةً كانت اشبه بالابدية عليهم
لم يكن في المكان إلا أضواء خافتة وعيون قد أنهكها السهر.
جلست الأم على المقعد ذاته، رأسها على كتف أختها، بينما الأب ظل صامتًا طوال الوقت، كأنه تحوّل إلى تمثال لا يقوى على النطق.
أما إنليب، فكان يُحدّق في ساعة الحائط...
كأن عقاربها تمشي بثقل، تقترب من النهاية ببطءٍ قاتل.
فجأة
خرج الطبيب، لايعلم اي حملاً يحتملهُ الان
تجمعت الاسرة عليه، يثقلون عليه بأسألتهم، وماجعلَ الحزن يغلف قلبه هو آمالهم
وقف الطبيب أمام العائلة، يرفع كمامته عن وجهه، وعيناه لا تجرؤان على الالتقاء بأعينهم.
كان الصمت كثيفًا، والهواء متوترًا كأنه ينتظر نطق الحكم الأخير.
تنحنح قليلًا، ثم قال بصوت منخفض ومتعاطف
"سيدي حين وصل إلينا أڤين قبل ثلاثة ايام، كان فاقدًا للوعي تمامًا. نسبة الأوكسجين في دمه كانت منخفضة للغاية، وكان يعاني من اختناق حاد بسبب استنشاق كمية كبيرة من الدخان والغازات السامة الناتجة عن الحريق."
توقف لحظة، ثم أكمل:
" كذلك، كانت لديه حروق من الدرجة الثانية والثالثة في أجزاء من جسده، خاصةً منطقة الصدر والذراعين. لكن أخطر ما واجهناه كان توقف القلب المفاجئ أثناء نقله لغرفة العمليات الان
- لا حروقه ولا اختناقه اكدا لنا بقائه بصراحةٍ، كانت محاولته للبقاء حيًا هي ما اعطتنا آملا بتحسِنه، فهو حاولَ جاهدًا "
تدخلت طبيبة كانت تقف بجانبه بعدما رأت عجزه عن اكمال كلمته، واكملت بصوتٍ ناعم لكنها متألمة
"قمنا بإنعاشه، واستجاب بصعوبة... لكن حالته كانت غير مستقرة تمامًا. كنا مضطرين لإجراء عملية عاجلة لتخفيف الضغط عن رئتيه، ومحاولة إنقاذ التنفّس."
قال الطبيب
"طلبنا منكم التوقيع، لأننا كنا نعلم أن الاحتمالات... ضعيفة. العملية كانت محاولة أخيرة."
خفض نظره، وقال بعد تنهيدة طويلة:
"للأسف... بعد إدخاله للعملية، تدهورت وظائف الرئة بسرعة. الحروق الداخلية التي لم تظهر في البداية أثرت على القصبة الهوائية، وتسببت في نزيف لم نتمكن من السيطرة عليه."
"الجسم كان منهكًا، ضعيفًا... لم يعد قادرًا على المقاومة. توقف قلبه للمرة الثانية أثناء الجراحة، ورغم كل محاولاتنا، كان مصيره واضحًا منذ ان احضرتموه
دُهشنا من بقائه، لكن بعد كل شيء لا زالَ صغيرًا و.. "
نظر إليهم أخيرًا، بعينين دامعتين
"أنا آسف... لقد فعلنا كل ما في وسعنا، لكن جسده بالفعل لم يحتمل أكثر من هذا.. "
سقطت كلمات الطبيب عليهم كالسهام
لم يتمالك نفسه اكثر،فربتَ على كتف إنليب ثم اشار للممرضين بأخراج جثة أڤين .
صرخت الأم حتى بحّ صوتها عليه،سمحوا لها اخيرا بمعانقةِ جسده الذي بدأ البرد بأحتضانه،
وانهار الأب أرضًا، يدفن رأسه في كفيه.
بينما جديهِ يبكيان بجانبهِ وخالته لا تعلم اي منهم تواسيه
أما إنليب... فظل واقفًا بجانب السرير، لا يعلم كيف يوقظه، ،
لا زالَ صوت الطبيب يتردد داخله كصدى بعيد
"أڤين... توفي."
تقدمت الطبيبة نحوه بهدوء، وضعت يدها على كتفه، وقالت
"لقد أنقذ شقيقه... فعل ما يفعله الأخوة العظماء."
--
كان الضوء يتسلل بخجل إلى أروقة المستشفى.
هدأ كل شيء، كأن الليل أُغلق على كل الآلام، وترك الصباح يتكفل بالباقي.
في غرفة بيضاء، هادئة، انفتح جفن صغير ببطء...
ارتفع صدر الطفل بأنفاسٍ ثقيلة، ثم خفّت تدريجيًا.
تحركت يداه بضعف، وانطلقت همسة خافتة من شفتيه
"-أ-اخي.....أڤين؟"
كان آيلام قد استيقظ
لكن الإجابة لم تكن هناك، لم يستقبلهُ اخاه كما اعتاد
لم يشعر بوجوده بجانبه
كانت الممرضةً تكفلت بحالته بعد خروج الطبيب الذي اكملَ فحصه
حزنت على حاله، لم يكن والديه بجانبه ولم يزره ايّ منهما
اخيه إنليب وجدته الوحيدان اللذان دخلا غرفته
حزنت مرةً اخرى.. وكان خوفها هو سؤاله عن أخيه
كيف ستقول له.. كيف ستقول ان اخيه اصبح جنازةِ تنتظر مثواها الاخير
تنهدت على ماحلَ بهذهِ الاسرة
واقتربت من الصغير تبعد شعره عن جبينه
نظرَ اليها بتعبٍ، ارادَ سؤالها عن مايريده لكن حلقه يؤلمه
"-مرحبًا بعودتكَ صغيري.. هل تشعر بتحسنٍ الان؟"
اردفت بنبرة حنونة تخفف من وحشته، رغم ان غصتها كانت واضحة
"-سيأتي اخاكَ الان، لا تخف"
وما ان قالت ذلك، حتى اردف مباشرة يحاول تجاهل آلمه
"-أ-أخي... أڤين.. س-سيأتي.. بجا-بجانبي.!"
وسقطَ كيان الممرضة لقوله، أُدمعت عيناها
ابتعدت عنه حالما فُتح الباب، حولَ آيلام انظارهُ بسرعةً نحو من دخل.. لكن آماله خابت
لم يكن اخيه أڤين..
"- سيد إنليب.. أ-أوه سأترككما الان،" خرجت بسرعةً واغلقتَ الباب بهدوءًا خلفها
احسَ آيلام بوجودِ خطبً ما، لان الجو كانَ اثقل فأثقل
"-أخي.. انا لا ار-"
"-تُريد رؤيته؟؟"
قاطعه إنليب بنبرة مبحوحة، متألمة ولكنها تغللت بالبرودة ايضًا، نظرَ له آيلام بآملاٍ واومأ برأسهِ ببطئ
سيرى اخاه وسيعتذر منهُ الان!!
سيعودان للعبِ رفقةِ بعضهما، لا مزيد من وحشته!
خرجَ إنليب بعد ذلك، رغمَ رفض الطبيب طلبهِ لكرسيًا متحرك
لم يكن يرى خروجه الان صوابًا،خاصةً وهو يعلم مالذي سيفعله إنليب بالكرسي
الا انهُ اصر فوافقَ مرغمًا، ساعدَ إنليب اخاه برفقةِ الممرضه
وبدأ بالخروجِ وهو يدفعه
"-هو.. هو في منزلِ جدتي..؟" تسائلَ ببسمةٍ طفيفة
لا يعلم الى اين اخيه يمضي به..
لم يُجبه إنليب وتجاهله مكملاً طريقه نحو سيارةِ عمهِ الذين وصلوا قبل ذلك بكثيرٍ
ساعداه بركوبها وباشرت بالسيرِ
كان الصمت يخيم عليهم، صمتًا يحمل الكثير من الكلام
لكنه كان اصغر من ان يفهم.. مايحدث الان
وصلوا الى مكان يحتوي الكثير من الاشخاص الذين يرتدون السواد ونحيبهم وبكائهم هو كلُ مايُسمع
واستغرب الصغير ذلك..؟
عاد الى كرسيهِ المتحرك، ولم يتمالك نفسه من سؤال أخيه
"-أ-اخي.. اين نحن، لستُ اراه.. هنا"
تسائلَ بهمسًا خافتًا مهتز، بدأ الفزع يتسلل له
"- أصمت وأصبر قليلاً، ستراه الان"
اجابهُ أخيه الاكبر بحدةٍ تخفي الكثير.. لكن لم يفهمها
مشى به بين صفوف الحاضرين ووقف
"-أخي إنليب..أ-أين اخي؟"
رفع رأسه بخفةٍ نحو اخيه، يطلبُ برجاءٍا جوابًا يريحُ مسمعه
"-هناك.. بسبب شخصًا ما، انتَ استيقظت، ورقدَ هو نائمًا دون استيقاظ، ألم تفهم بعد؟"
تجمدَ جسده وهو يسير بعيناه نحو مايشير إليه اخيه الاكبر
التقتَ عيناه مع التابوت الابيض..
بسببه..؟ أخيه.. هنا؟
رآهم وهم يحفرون، رأى امه جالسةً بجانبِ التابوت تحتضنه
بنحيبها وبكائها، تحاول ايقاظ صغيرها، تشم التابوت لعلها تلتقط رائحة صغيرها لأخرِ مرة قبل وداعه
ابيه؟ كان بجانبها..، ذلك الهدوء والتوازن الذي اعتاد رؤيته على ابيه؟ كل شيء انهار به الان
جديه يجلسان بجانبها
بقيةِ اقاربهم منزلين رؤوسهم بصمت، منهم من يبكي
ومنهم من جفت عينيه من البماء فصمت
ارتجفَ جسده، شعرَ وكأن اوصاله تقطعت مع كل دمعةً تسقط منهم، بدأ يحاول دفع نفسه للتابوت،ففهمَ اخاه ذلك ومضى به الى حيث يريد
ارادَ الاقتراب من اخيه.. سيكلمه.. لعله يستيقظ إليه
وما ان اقترب ولمحته الام، حتى أعماها الغضب واستقامت إليه
امسكتهُ بقوة من ذراعيه تهزه مع كل كلمةً تقولها، تنهرهُ بصراخِها عليه
تزيدهُ وتحملهُ ذنبًا لا يعلم حتى ماهو
"-لماذا اتيت!!؟ كيف تجرؤ حتى على الاقتراب!!! اخيك الان تحت الثرى بسببك!! لولاكَ انت! لولا وجودك حولهُ دائمًا،لو لم تكن هناك فقط!! لما احترق ابني ولما توفي!!
لماذا هو! لماذا... لماذا ليس انت!!"
صرخت بوجههِ بأخر كلامها، والطفلُ صمت.. لا.. بل دموعه وبكائه بدأ يتكلم بدلاً عنه، يتسائل عن ذنبه، عن جرمه
فلا يتلقَ منها اي جواب.. سوى الصراخ
ارادت حتمًا رفع يدها عليه لولا انهم ابعدوها عنه
مَنَعوه من الاقتراب،مَنَعوه من اخيه، يراهم وهم يدفنونه
لم يسمحوا له حتى بتوديعهِ، لم يستطع الاعتذار له..
لم يدفنوا جسدًا وحسب، بل دفنوا معها شمعة آيلام
التي قالت له انها لن تنطفئ.. انطفئت، وفارقها نورها
ستنتهي هذه الجنازة وسيذهب حضورها الى منازلهم الدافئة
الا انها ستستمر داخل منزل من احتوته بتابوتها
ستبقى الام تنتظر صغيرها بكل ليلةً
سيبقى الاب ينتظره ليكبر امام عينيه ليصبح الشاب الذي اراده في صِغره
سيبقى إنليب يراه بجانبه حتى لو سُلب منه
وسيبقى آيلام ينتظر اخاه كلما شعر بالوحشةِ تلامس روحه
سيبقى يعتذر له على مالم يرتكبه
سيبقى كل ذلك، وكأنها لم ترحل قط
برودة تلك الليلة ستغلف جسد آيلام للأبد
ونيران تلك الشموع الكاسرة، ستحرق روحه، لن تنطفئ
يقينهُ الذي زرعهُ اخيه بداخله، بأن الحياة لا يغلفها السواد فقط؟ تبدد حتى اختفى
منذ تلك اللحظة، ولم يعد شيئًا كما كان، كل شيء تلاشى مع أڤين
بعدها،رمتهُ امه على جدته، ترفضُ رؤيته رفضًا لم يردعه اي كلام، بقي آيلام بمنزلِ جديه شهرين
دون تلقي اي سؤال من اسرته، حتى من اخيه.
ثمَ عاد الى والديه وأخيه لينتقلوا الى مدينةً اخرى
انتقل آيلام معهم، غيرَِ ان روحهُ لازالت عالقة بجانب اخيه..
الطفل الذي يبحث عن الدفء، سيجده ويبقى تحت ظلهِ، حتى وإن احرقه.