بأحدِ ضواحيِ مدينةٍ، كانَ الشتاءُ موسمها،
بياضهُ يحتضن اسقفة منازلها
ورياحه العاصفة تجذب ثلوجه الى اللامكان..
وبينما كانت الأُسَر تحتضن افرادها امام المدافئ.
لم تكن تلك الأسرة مثلها، كانَ من يفترضُ بهم احتضان اطفالهم، يخوضون نقاشًا حادًا.. كلا
لم يكن نقاشًا، كان شجارًا شديدًا
كان الجو بمنزلِهم قاتمًا لشدةِ غيظ ساكنيه،
طفلاً بالرابعةِ عشر، يمسك يد اخيه الاصغر، ذو الثامنة
كان يقفُ بجانب اخيه، ملتصقًا بساقهِ
وعيناه تروي خوفهُ وهو يستمع لشجارِ والديه
ينظر إليهم ومسامعه اكتفت بصراخِهم وقتم الجو بينهم
شجار الاباء فيما بينهم، سينتهي، بالتأكيدِ بعدما يترك امراضًا نفسية واضرار لأبنائهم، كان هذا صعبًا على البالغين
فكيف الحال بأطفالٍ لم يعرفوا من الدفءِ سوى أنفاسهم حين يضُمّون بعضهم هربًا من عاصفةٍ خارجيةٍ لا تُقارن بتلك التي تعصفُ داخل جدرانهم؟
"- مجددًا؟... آيلام، لنذهب للغرفةِ يا اخي"
تنهدَ بحسرةٍ وبعدها أعاد بأعينهِ نحو اخيه الاصغر المتشبت به خوفًا من صراخِهم
تنهدَ مجددًا، فحملهُ بين ذراعيه وهو يحاولُ تهدئته
ليس اخيهِ وحسب، بل حتى نفسه التي لاتفهم ما تفعل لصغرِ سنها
"- اخي أڤين.. لما والداي يتشاجرانِ كثيرًا؟ هذا سيء.."
تمتمَ الاصغرِ وهو يخفي رأسه برقبةِ اخيه، يشمُ رائحته ويأخذ الدفئ منها
"-لا اعلم يا اخي، مشاكل الكبار للكبار، ليس عليكَ التفكير بها.. لن تجد تفسيرًا على ايّ حال.."
اردفَ بهدوء وهمسَ اخر كلامه، وهو يصعد الدرج
"-لكنني اشعرُ بالحزنِ، عليهما ان يبتسما، نحن لا يمكننا ان نبتسِمَ ايضًا!! "
اخرجَ آيلام رأسه وقال بعتبٍا طفولي وهو يحاوط رقبة اخيه بذراعيهِ، كلامهُ ادهش أڤين قليلاً فضحكَ واعاد رأسه لرقبته
"-معكَ حق اخي، لا بأس، انا هنا معك، سنبتسم كثيرًا!!"
كان يكذب على نفسه.. ان كان هذا الحال وهو بهذا العمر
فماذا ينتظرهُ عندما يكبر؟
دخل غرفتهما المشتركه، وانزلَ اخيه من بين ذراعيه
واستدار ليقفل باب الغرفة، لا يريد سماع اصواتهما اكثر من هذا، لقد اكتفى
اعاد بناظره لأخيه وانحنى نحوه، رتبَ خصلات شعره المبعثرة وهو يقول بحنيةٍ
"- آيلام، مهما حدث، علينا ان نتحمل كل مشكلةً بأنفسِنا
لا تنتظر الكبار ليحلوها، احيانا حتى هم لايستطيعون حل مشاكلهم، فكيف سيحلون مشاكلنا؟"
امالَ آيلام رأسهُ بأستغرابٍ من حديث اخيه، فهو صغيرًا ولم يفهم معنى كلامه، فقالَ بحيرةٍ وهو يفعل المثل لشعرِ أڤين
"- لم افهم يا اخي..،لكنهم كبارًا؟"
تسائلَ بحيرةٍ، كانَ دائما يظن دائمًا ان الاكبر منه يعرفون كيفية التصرف
"- نعم، لكن أغلبهم بالمظهرِ فقط، أما بالعقلِ؟ فهم مثلنا، أو أسوأ."
سرحَ أڤين بأفكارهِ بعدها، ثم أَجلسَ اخيه وذهب يبحثُ بالدرجِ عن مقصده، ابتسمَ حينما وجده
وعاد الى حيثُ يجلس اخيه ارضًا
فجلسَ أڤين امامه وهو يرتب شموعه شمعةً وراء اخرى
بينما ينظرُ اليها آيلام بفضول واستغراب، لماذا يمتلك اخيه شموعًا الان؟
فسألهُ بقلق
"-اخي، من اين احضرتها؟ ألن تغضب امي؟"
ابتسمَ أڤين ورفعَ رأسه لشقيقه
"- لاتقلق، اعلم ان امي لا تعطينا اياها، لذا كنتُ اجمع مصروفي اليومي حتى تمكنتُ من شرائها،انا حتى اشتريتُ اعواد الثقاب، افتخر بأخيك!!"
تصنعَ ملامح خائبة نهاية كلامه ثم عادَ لعمله
"- أ-انتَ رائع يا اخي، لكن مالممتع بها؟!!"
تكلمَ وهو يراقب أخيه الذي يكمل عمله الممتع برأيهِ
"- انا احب هدوئها عندما اشعلها، تمنحني الدفء"
اكمل اخر شمعةً بينما استمرت حيرة آيلام
"-اخي.. لم افهم!، هل ستحتضنك مِثلما تفعل لك امي؟"
قهقة أڤين وربتَ على رأسه ثم قال له بسخرية
" بالتأكيد لن تفهم وهي لن تفعل هذا ايضًا، رأسك هذا يحتوي على كل شيء الا العقل! "
عبسَ آيلام وابعدَ يد اخيه عن رأسه، تبسمَ أڤين له ثم قال بحماسٍ
"-الان، تبقى فقط اشعالها! "
اعتدلَ آيلام بجلستهِ وراقبَ اخيه الاكبر وهو يخرج اعواد الثقاب ويبدأ بأشعالها
"-آيلام، ليسَ من الضروري ان يكون الدفء نابعًا من البشر البالغين، يمكنك ان تجد الدفء ينبع من اي شيء!"
اردف بأستمتاع وهو يستمر بأشعال الشموع، كانت ستةِ شموع، لطالما احبَ أڤين الاشياء الدافئة والتي بذات الوقت تضيء بهدوء، لذا اشترى العديد منها، واغلبها كبير الحجم قليلاً
"-حقًا؟! لكني لن اجد افضل من دفء اخي أڤين،انتَ تشبه هذه الشمعةِ،اخي!"
قال آيلام كلماتهَ بصدقًا وهو ينظر لوهج الشموع بأعينًا لامعة
اتسعت اعين أڤين قليلاً ثم خاطبَ شقيقه بمرح وحنية
"-حقًا، اذًا سأكون شمعتك التي سترافقك دائمًا وتمنحك الدفء.. دون ان انطفئ ابدًا"
ضحكَ آيلام ثم اردفَ بعد ذلك
"-ليت اخي إنليب معنا الان، لقد احزن الشموع بغيابه!!"
اتفقَ معه أڤين بهدوء واومأ برأسه
"- اجل، لكنه الان عند جدي وجدتي، لن ينام معنا الليلة لان الرياح والثلوج اصبحت اقرب للعاصفة، اظن ان الطرق الان اصبحت مغطاة بالثلوج!"
وأثناء ذلك، ارتفعت أصوات والديهما من جديد، كانت قد هدأت للحظات، لكنها الآن تصاعدت بعنف، كأن النار اندلعت في صدريهما بدل المدفأة.
سمعت مسامع الصغيرين كل ماتكلما به
سمعا والدتهما وهي تريد الانفصال
وسمعا والدهما وهو يعارضها حفاظًا على سمعته
سمع أڤين والدته وهي تقول انها ستأخذه مع إنليب وترحل
بينما اردفت دواخل آيلام عن مكانه بين اخوته ان حدث ذلك فعلا
فتوقف أڤين عن الكلام، وتشنجت عضلات وجهه لثانيةٍ قبل أن يخفيها بابتسامة خافتة، بينما التفت آيلام نحو الباب بخوفٍ من افكارهِ التي تسودُ بعقلهِ جراء كلامهما
فأقتربَ من اخيه جالسًا بجانبه، يخشى حدوث كلام امه
"-أ-أخي..."
همس باسمه، ممسكًا بطرف قميصه كأنه يخشى أن يُسحب من هذه اللحظة الدافئة نحو تلك الأصوات القاسية.
وضع أڤين يده على رأسه وربت عليه:
"-تجاهلهم، لا تأبه لكلامهم، سنكون بخير، لا بأس، اخي"
"- اخي.. هل سأنام وحيدًا الليلة؟ تعلم.."
همس بخيبة وحزنًا، ففهمَ أڤين كلامه، فكلما يتشاجر ابيه مع امه، ستأخذه بعيدًا عن آيلام وتحتضنه لصدرها فينام بجانبها داخل غرفةً منفصلةً عن زوجها
تبقى تغرقهُ بحنيتها وتمسد شعره طوال الليل حتى انتهائه
لأنها تظن انه فزع مما حدث، ناسيةً من ينتظرها لتخفف عنه رهبته ايضًا
وابيه يبقى داخل غرفته المشتركة، بعد ان خرجت زوجته منها، اما إنليب فقد كانت له غرفته وحده
فلا يتبقى غير آيلام، فيضطر للنوم على سرير اخيه تحت غطائه المليء برائحته، الا ان الوحدة لازمته طوال تلك الليالي
يعلمُ اڤين بأن هذا سيتكرر هذه الليلة ايضًا، فحاوطَ اخيه بذراعه مقربًا اياه لجسده وقال له بهدوء
"-لا تخف، سأقنعها بالبقاءِ هنا، سأبقى بقربك، ألم اخبرك للتو؟ انا شمعتك التي سترافقك تمنحك الدفء، حسنا؟"
مر الوقت مثل لهيب الشموع التي امام الصغيرين، والتي قد انطفئت معظمها
"-اخي، لقد انطفئت الشموع ولم تتبقى الا شمعتين، لنشعل المزيد!!" اردف آيلام بعبوسٍ وهو يبتعد عن اخيه قليلاً ويتلمس بقايا الشموع المنطفئة
"-ارى انكَ احببتها؟ حسنًا، من حسن حظك انني احتفظتُ بالمزيد" استقامَ أڤين من جانبِ أخيه الصغير، واتجه إلى الدرج الصغير قرب سريرهم، يبحثُ عن المزيد من الشموع.
ما لبث أن عاد يحمل اثنتين، كانتا أطول حجمًا وأثقل من سابقتها، وأخذ يُثبتها واحدةً تلو الأخرى في زوايا عشوائية من الغرفة، بعضها على الأرض، وبعضها فوق صندوقٍ خشبي قديم.
لم تكن الأماكن مناسبة أبدًا... لكنّ أڤين لم يكترث، فقد بدا كأن شيئًا بداخله يُحاول تعويضَ برودة هذه الليلة بشيءٍ بسيط ودافئ. يحاول اخفاء نقص دفئهما رغم وجود المدفأة الكهربائية
"-تذكرتُ!" قالها فجأة، ووجهه يضيء بحماسٍ مفاجئ، "آيلام! لقد سمعتُ أنهم سيطلقون الألعاب النارية الليلة، بعد ساعات قليلة فقط!"
انتفضت مشاعر آيلام، ثم سكنت، وقال بصوتٍ خافت وقد خفّت بسمته
"-لكن... كيف سنتمكن من رؤيتها؟"
كانا يشاهدانها في كل سنة، من أحد التلال المطلة على المدينة، حيثُ يأخذهما إنليب بعيدًا عن البيت والمشاكل والصراخ.
لكن إنليب ليس هنا هذه المرة... ووالديهما بالكاد يشعران بوجودهما.
تأمل أڤين أخاه، ثم قال محاولًا أن يبدو متفائلًا
"-ربما سنتمكن من رؤيتها من النافذة... أظن أن الرياح هدأت قليلًا"
توجه نحو النافذة وفتح ابوابها، فشعر ببرودة الرياح تلاطف وجهه وتلاعب خصلاته السوداء
"-بأي لحظةً ستزين السماء، تعال قف بجانبي يا اخي"
لحقَ به آيلام مبتسمًا، وقف بجانبه بصمت ينتظران مقصدهما بفارغ الصبر. وضعَ أڤين ذراعه حول اخيه..كانَ يشعر بقرب شقيقه يبتعد عنه.. شيئًا فشيئًا
من خلفهم، كانت الشموع تومض بلهيبٍ غير مستقر، والستائر الطويلة تهتز بحركات خفيفة... وكأن شيئًا على وشك أن يتنفس
كانت إحدى الشموع الكبيرة التي وضعها أڤين قريبة من الأرض، تُلامس طرف سجادة سميكة قليلاً، قديمة، أطرافها مهترئة... ولم يكن لهب الشمعة مستقيمًا، بل مائلًا كما لو أنه يهمس بشيء خطير.
لم يكن هناك صوت، فقط حركة النار التي التهمت جزءًا صغيرًا من السجادة دون أن يلحظها أحد.
لم ينتبه الصغيرين، ولا حتى للرائحه الخانقة، فقد كان الهواء نقيًا.. مخادعًا، رغم ذلك لم تكن الا ثواني ثم ارتفعت رائحة دخان واضحة.
تسللت تلك الرائحة إلى أجواء الغرفة، فلوّثت هواءها.
"-أ-أخي... الشموع!!؟"
سأل آيلام وهو يلتفت بعينيه الواسعتين، وقلبه بدأ يخفق، وجسده يرتجف.!
أدار أڤين رأسه، وشحب وجهه، ثم ركض نحو الشمعة مسرعًا.
"-لا، لا، لا...!"
حاول أن يطفئها بيده المرتجفة، لكن النار كانت قد زحفت نحو السجادة، ومنها إلى قطعة قماشٍ كانت بجوار المدفأة الكهربائية.
ومع حرارة النار، بدأت المدفأة تصدر طنينًا خافتًا... ثم شرارة.
التفتَ أڤين بسرعة إلى آيلام، الذي فزع من صوت الشرارة العالية، وكان كافيًا لجذب انتباهه بالكامل.
"-آيلام، بسرعة! انزل للأسفل، نادي أمي وأبي!!"
عارضَ آيلام بشدة وهز رأسه نافيًا، لم يُرد ترك أخيه وسط هذه النيران المتسارعة!
"-لا!! سأساعدك!!"
"-اذهب الآن!!"
صرخها أڤين بقوةٍ لم يعهدها آيلام، فتحرك مكرهًا، محاولًا الوصول إلى باب الغرفة...
لكنه لم يستطع؛ فالنيران كانت قد شقّت طريقها، فاصلةً بينه وبين الباب.
تراجع بخطواته المرتجفة نحو أخيه.
"-أ-أخي!! لا أستطيع!!"
ازداد أڤين ذعرًا، فهرع يبحث عن بطانية صغيرة بجانب السرير، وبدأ يضرب بها النار، لكنها لم تخمد، بل تصاعدت.
الهواء الذي كان دافئًا صار خانقًا، مشبعًا بالدخان.
امتدت ألسنة اللهب نحو المدفأة الكهربائية بجانب الجدار، فلامست حرارة النار سطحها المعدني، وبدأت تصدر طنينًا غريبًا، ثم...
فرقعة!
ترك أڤين كل شيء، وعاد إلى أخيه، الذي بدأ الهواء الخانق يتسلل إلى رئتيه، فأمسك بيده وسحبه.!
"-يجب أن نخرج!! أسرع!!"
حاولا التوجه نحو الباب، لكن الدخان كان قد سبقهم، والزفير صار ثقيلًا، فتراجعا مرة أخرى.
وحين سمع أڤين صوتًا وراءه، استدار، فرأى رفوف مكتبتهما تتآكلها النيران، وبدأت بالانهيار.
استوعب أڤين حينها أنهما إما هالكان، أو سيهلك أحدهما.!
ومع وصول النيران إلى السقف وتزايد حدتها، أسرع إلى الحمام الملحق بالغرفة، الذي كانت الحرارة قد بدأت تتسلل إليه،
لكنه نجح في الوصول، فدفع آيلام إلى الداخل، وأسرع بالدخول خلفه..
لم يُغلق الباب... لعل أحدهم يأتي ويغيثهما.
كان تنفّسه ثقيلًا، لكنه جلس وأجلس آيلام، الذي بدأ يختنق، ودموعه زينت وجهه الصغير.
احتضنه بقوة إلى صدره، وبدأ بالبكاء هو الآخر.
لم يكن بالغًا بعد كل شيء، كان يتصنّع القوة لأجل أخيه، لكنه انهار بانهياره أيضًا.
"-ل-لا تبكِ، آيلام... سأبقى معك!! سيأتي أبي ويغيثنا، سنخرج من هنا!!
أتَبكي عيناك وأنا بجانبك؟!!"
كان يحتضنه بقوة، يخفي رأسه بصدره، لن يدعه يفزع...
حتى مع وصول النيران إلى الحمام!
تحطّم الزجاج بقوة، فارتجف الطفلان.
كانت النيران كوحوشٍ كاسرة، قد وجدت ضحيّتها.
في خارج هذا الخراب، لم يكن الوضع مستحسنًا أيضًا؛
فها هو الأب يحاول الوصول إلى الغرفة، لكن النيران كانت قد التهمت الممر المؤدي إليها، والأسقف بدأت بالاحتراق أيضًا!
رغمَ ذلك، حاول مواصلة طريقه، لكن الناس دخلوا للمنزل بعدما احترقت غرفة الطفلان التي تطل على الشارع
اندفعوا نحو الاب يخرجونه بينما هو يصرخ بهم ويحاول افلات نفسه!
"-أتركوني!! لا زال بالداخل!! لا زال صغيري هناك!!"
انكفأت الام على الأرض وهي تبكي، تصرخ باسم ابنها
بعيناها تشاهدَ المنزل بأكملهِ يشتعل ويحترق!!
لم تمضِ دقائق، حتى بدأت أصوات سيارات الإسعاف تُسمع من بعيد، يتخللها صرير العجلات وصفارات الإنذار.
أضاءت أنوار حمراء وزرقاء الشارع، واندفع رجال الإطفاء يحملون خراطيمهم، يصرخون بالأوامر.
"-المنزل من الطابق الثاني مشتعل بالكامل!"
"-هناك أطفال في الداخل!"
اندفعوا إلى الداخل، وبينهم مسعفون بدأوا تجهيز النقالات،
هتف القائد في الجهاز اللاسلكي
"-الفريق الثاني، اصعدوا من السلم الخارجي! لا يمكن اختراق الممر الرئيسي، الغرفة الأمامية احترقت بالكامل!!!"
رفُعَ سُلَّمُ معدني طويل إلى نافذة الحمام الصغيرة التي كانت نصف مفتوحة، وكان الدخان يندفع منها.
صرخ أحد رجال الإطفاء
"-هذه نافذة الحمام! افتحوها فورًا، قد يكونوا احتموا فيه!"
في اثناءِ كل ذلك، وداخل ذلك المكان الذي يستعد لقتل من يحتمي بداخلهِ!!
كانَ أڤين يصارع انفاسه،وجسده؟..نال من النيران حروقًا،ذراعيه، ظهره اثناء محاولته لإجاد مهربًا، لم يكن قادرًا على الحركةِ حتى!
فقد استنشقَ الدخان حتى بدأت رئتيه بالضعف مع مرور كل ثانية، كان حرفيًا فوق جسد اخاه، يخفي رأسه بصدرهِ
اما آيلام،فقد أغمي عليه من الدخان. وجزءًا من اقدامه احترقتَ لا مجال للهروب، ولا صوتٌ يسمع... حتى فجأة
صوت ارتطام قوي بالنافذة!!
ثم
تهشم الزجاج!!
اندفع ضوء مصباح يدوي إلى الداخل، وصوت رجل يصرخ
"-هنا!! الطفلان هنا!! أحتاج دعمًا فورًا!!"
ما هي إلا لحظات حتى سُمع صوت ارتطام آخر، ثم اندفع من النافذة رجال بثياب سوداء ثقيلة، أقنعة الأوكسجين تلمع تحت وهج اللهب.
ركع أحدهم فورًا إلى جوار الطفلين: "-واحد فاقد الوعي... والثاني ما يزال يتنفس! حالته خطرة!"
أمسك آخر بذراع أڤين المحروقة ليفحص النبض، فهتف "-النبض ضعيف... لا وقت! احمل الأصغر!"
وبينما تولّى رجلان رفع آيلام بحذر شديد من تحت جسده، كان أڤين بالكاد يرفع رأسه...
اقترب رجل الإطفاء منه فورًا، وركع بجانبه: "-تمسّك، صغيري! سنخرجك!"
لكن أڤين لم يكن قادرًا على الحراك، وجهه محاط بالسواد، وشفتيه متشققتان، وعيناهُ أُغلقت لعلها تستيقظ فلا تجد مما رأتهُ واقعًا!
وهم يحاولون رفعه، صرخ أحدهم: "-السقف بدأ ينهار! بسرعة!!"
اندفعوا، سحبوا جسده بسرعة رغم حروقه، وغطّوا وجهه بقناع تنفس، ثم اندفعوا للخارج بينما ألسنة النار كانت تزأر خلفهم!
في الخارج على الأرض المغطاة بالماء والدخان
وُضع آيلام على نقالة، وبدأ أحد المسعفين يضع له أنبوب أوكسجين صغيرًا، ثم صرخ لزميله"-هو لا يتنفس بانتظام، لكنه ما زال حيًا!"
أما أڤين، فقد كان ممددًا دون حراك، ملفوفًا في بطانية مضادة للحروق، وأحدهم يضغط على صدره بخفة، محاولًا إبقاءه مستيقظًا: "-ابقَ معنا، تمسّك... لقد أنقذت أخاك!"
انحنت الأم فوقه تصرخ والدموع تملأ وجهها: "-أڤين!!! صغيري!!! افتح عينيك أرجوك!!!"
لكن عينيه لم تفتحا... فقط دمعة واحدة انزلقت على خده المحترق.