156 - ضلالٌ يقود إلى اليقين

لكن… من يجب أن أختار؟

كان السؤال ينهش جدران عقلي بلا رحمة… كفأرٍ جائع حُبس في صندوقٍ ضيّق، لا يرى سوى الخشب من حوله…

فيقرضه، يفتته، فقط ليجد مخرجًا… ولا يجد.

لا أريد… لا أستطيع أن أكون سببًا في إزهاق روحٍ بريئة.

الفكرة وحدها كانت كافية لتُشعرني بالغثيان.

إن كنتُ سأرفع إصبعي… إن كنتُ سأرمي حجر الاتهام—

فعلى الأقل… يجب أن يصيب قلب المافيا.

ولكن… كيف؟

كيف لي أنا… أن أفعل ذلك؟

هيا يا نيلوت…

فكّر!

استجمع شتات عقلك المبعثر، التقطه من زوايا الخوف، من حواف الشك، من بقايا الرعب الذي يلتهمك من الداخل!

لا بد من خيط…

خيطٍ رفيع، بالكاد يُرى… لكنه يقود إلى الحقيقة وسط هذه العتمة الخانقة.

لكن—

ضحكتُ في داخلي بمرارة.

أنا؟

أنا الذي لا يتجاوز مستوى ذكائي " ستة" في معايير هذا العالم القاسي؟

هل أنا حقًا مؤهل لأكون في هذا الموضع؟

…مهلًا.

هل المستوى ستة… ضئيلٌ إلى هذا الحد فعلًا؟

أم أنني… كنتُ أختبئ خلفه طوال الوقت؟

أستخدمه كذريعةٍ مريحة… لأتهرب من التفكير… من المسؤولية… من الخوف؟

زفرتُ ببطء.

لا… ليس هذا وقت الشك بالنفس.

هذا وقت القرار.

ماذا يجب أن أفعل؟

…وفجأة—

لمعت فكرة.

لم تكن عبقرية، ولم تكن خطة محكمة.

بل كانت… أشبه بقشةٍ صغيرة، ظهرت وسط بحرٍ هائج، لا يرحم.

لكن في وضعي الحالي…حتى القشة… تستحق أن أتشبث بها.

تنفستُ بعمق.

دخل الهواء بارداً إلى صدري… بارداً بشكلٍ لاذع، كأنه يمرّ عبر جليد، ثم يستقر في رئتيّ… ليشعل فيهما شيئًا آخر.

ليس دفئًا.

بل… جرأة.

رفعتُ بصري ببطء.

كانت الأنظار كلها… مشدودة نحوي.

كأوتار قوسٍ مشدود حتى أقصاه… تنتظر اللحظة التي يُطلق فيها السهم.

العرق كان يتصبب من الجباه، يلمع تحت الضوء الشاحب، يتجمع عند الذقون…

ثم يسقط ببطء، نقطة… تلو الأخرى.

حتى الهواء… بدا ساكنًا.

كأن الغرفة… تحبس أنفاسها.

قلتُ بصوتٍ حاولتُ جاهدًا أن أُلبسه ثوب الثبات:

"أنا… أشك في…"

…وتوقفت ثانية واحدة فقط.

لكنها امتدت.

تمدّدت… حتى بدت كأنها دهرٌ كامل.

كنتُ أسمع دقات القلوب، ليس قلبي فقط… بل قلوبهم جميعًا.

دق.

دق.

دق.

كطبول حربٍ تُقرع في صدورهم.

ثم—

رفعتُ رأسي، وثبّتُّ نظري، وقلتُ… بلهجةٍ قاطعة:

"أشك في… فروند."

…صمت.

صمتٌ مفاجئ… ثقيل… خانق، كأن الكلمات سقطت في بئرٍ عميق… ولم يصل صداها بعد.

ثم—

"ماذا؟!"

انفجرت الغرفة.

ليس بصوتٍ واحد… بل بعشرات الأصوات التي تداخلت، تصادمت، ارتفعت، وانكسرت في الهواء.

دهشة.

استنكار.

رفض.

كان كولديش أول من تحدث.

جبينه معقود، وعيناه تضيقان كمن يحاول فهم كارثة لا تستوعبها المعادلات.

"نيلوت… هل فقدت عقلك؟"

صوته كان منخفضًا… لكنه حاد كالنصل.

"أي إنسان يملك ذرة من عقل… سيرى أن فروند هو أنقى مدنيٍّ بيننا."

"هذا صحيح!"

اندفع فيسبر فورًا، صوته أكثر حدّة.

"حتى لو كنتَ أنت المتحدث يا نيلوت… لن أستطيع مساندتك في هذا الجنون!"

"هذا الادعاء… يفتقر لأدنى درجات المنطق."

قالتها بيول، وعيناها تلمعان بشيءٍ أقرب إلى الاحتقار.

حتى كيم سانغ—

ذلك الذي كان يمزح قبل قليل، بدت عليه الصدمة.

"الشك في فروند… فعلٌ غبي بامتياز."

أما تيروس، فقد تقدم خطوة، وكأن التوتر يدفعه جسديًا:

"نيلوت! تراجع عن هذا الهراء قبل أن تنقلب الطاولة عليك—ويشكّوا فيك!"

الأصوات كانت تتصاعد، تتداخل، وتضغط على رأسي.

لكن—

"كفى."

صوت واحد… قطع كل شيء.

فروند.

التفت نحوي ببطء.

هدوءه… لم يكن مريحًا، بل كان أثقل من كل الصراخ الذي سبقه.

في عينيه…لم يكن هناك غضب.

بل حزن عميق… صامت… موجع.

"نيلوت…"

قالها بهدوء.

"ما هو مبررك؟"

توقف لحظة… وكأنه يمنحني فرصة للتراجع، لكنني لم أفعل.

"لماذا اخترتني أنا؟"

ابتلعتُ ريقي، وشعرتُ بجفافٍ يلتصق بحلقي… كأن الكلمات نفسها أصبحت خشنة.

إذا فشلت الآن في تنفيذ خطتتي...فأنا هالك لا محالة تمامًا.

رفعتُ نظري، ونظرتُ إليهم جميعًا.

ثم—

تقمصتُ الدور.

دور الشخص الذي يرى… ما لا يراه الآخرون.

"أيها الرفاق…"

قلتُ بهدوءٍ مصطنع.

"أتظنون حقًا… أن هناك من سيتمسك بالعدالة المثالية… في مستنقعٍ كهذا؟"

صمت.

لكن ليس صمت رفض…بل صمت تفكير.

تبادلوا النظرات، والشك… بدأ يتحرك ببطء.

"من المستحيل…"

تابعتُ، وأنا أشبك أصابعي بقوة حتى ابيضّت مفاصلي.

"وجود إنسان عادل تمامًا… في واقعنا هذا."

خطوة ثم أخرى.

كنتُ أجرّهم… خطوةً خطوة.

"كل إنسان هنا… يهتم بجلده أولًا."

نظرتُ مباشرة إلى فروند.

"وهذا… هو سبب شكي فيك."

سكون.

"لأنك… عادلٌ أكثر مما ينبغي."

خفضتُ صوتي.

"عادل… لدرجة الريبة."

شعرتُ بأن الكلمات بدأت تعمل ببطء…لكن بثبات.

"نحن لسنا في أسطورة…"

قلتُ.

"ولا في رواية خيالية… ليكون بيننا شخص بهذا النقاء."

تكلم فروند وصوته…كان مكسورًا قليلًا.

"لهذا السبب فقط؟"

رفع رأسه.

"لأنني أؤمن بالعدل؟"

"أجل."

قلتُها بحدة، ودون تردد.

تنهد، ومرر يده عبر شعره.

حركة بسيطة… لكنها كانت مليئة بالإرهاق.

"نيلوت…"

قالها بهدوءٍ مرهق.

"يبدو أنك لم ترَ ما يكفي من البشر."

رفع نظره نحوي.

"هناك الطيب… والشرير… والرمادي."

توقف.

"وهناك… من يختار أن يكون عادلاً… رغم كل شيء."

للحظة—

كادت كلماته تهزّني.

كادت…لكنني شددتُ على نفسي.

"إيمانك هذا… مبالغ فيه."

قلتُ ببرود.

"وهذا… بالضبط… ما يفعله القاتل."

سكون.

"يتظاهر بالعدل… ليطمئن ضحاياه."

صمتٌ ثقيل.

ثقيل لدرجة أنني شعرتُ به فوق كتفي.

كولديش… كان يراقبني بعينين حادتين، كأنهما تخترقانني.

"نحن لسنا في مسرحية يا نيلوت."

قالها ببطء.

"هل تتخيل حقًا… أن فروند قادر على سفك الدماء؟"

"نيلوت…"

قال تيروس، صوته أقرب إلى الرجاء.

"سببك هذا لا يقبله عق—"

"لكن… من الممكن أن يكون كلام نيلوت صحيحًا."

…ويندليس.

ساد الصمت، هذه المرة أعمق، أثقل، وأخطر.

كانت تنظر إلى الطاولة… لا إلينا، كأنها ترى شيئًا لا نراه.

"حتى في عالمي القديم…"

قالت بصوتٍ خافت.

"لم ألتقِ… بشخصٍ عادل… ولو بنسبة ضئيلة."

رفعت رأسها ببطء.

"فما بالكم… بهذه العدالة؟"

ارتجفت أصابعها.

"عدالته… تبعث على الريبة فعلاً."

…بدأ الميزان يميل ببطء، لكن بوضوح.

بيول نظرت إليها، وترددت، ثم—

"أنتِ… محقة."

تشاست صرخ:

"ما خطبكم؟! هل فقدتم عقولكم؟! نحن نقرر مصير حياة فروند هنا!"

ماركوس قال بتوتر:

"فروند ساعدني… لا يمكن—"

كيم سانغ هز رأسه:

"لا يزال غير منطقي…"

…وفجأة—

حدث ما لم أكن أتوقعه أبداً، انضم إلى صفّي مَن كنتُ أخشاه.

"بلى… منطقي جدًا."

كولديش.

شعرتُ بشيءٍ يهبط في صدري.

ليس راحة…بل توتر جديد.

"لا يوجد سبب…"

قال بهدوءه المعتاد.

"يدفع إنسانًا ليكون عادلاً لهذه الدرجة… بلا مقابل."

"وهل يحتاج الإنسان سببًا… ليكون إنسانًا؟"

قالها فروند بصوتٍ مجروح.

نظر إليه كولديش مباشرة، ثم—

"هناك سبب… يجعلني أثق بحدس نيلوت."

توقف.

"في لعبة الكراسي الموسيقية…"

تجمّد الهواء.

"أنت… دفعتَ شخصًا بوحشية… لتنجو."

…سقطت الكلمات كحجرٍ ثقيل.

ارتعشت أصابع فروند.

نظره…انخفض.

لم ينكر.

لم يدافع.

لم يتكلم.

"أي شخص كان سيفعل ذلك للنجاة من الموت!"

قال كيم سانغ بسرعة.

لكن—

"عند التفكير…"

قال فيسبر ببطء.

"كلام نيلوت، وكولديش… له وزن."

"أجل."

قالت بيول بعينين حادتين.

"فروند… هو المافيا."

"أنا… لستُ المافيا."

قالها بصوتٍ متهدج.

"ماذا ستفعلون لو اتضح أنه مدني؟!"

صرخ تيروس.

"أحقاً ستغامرون بصديق؟!"

…صمت.

لا أحد رد.

فقلت، وأنا أشعر بأن أعصابي على وشك الانهيار:

"إنه المافيا يا تيروس…"

نظرتُ إليه، ثم إليهم.

"التردد الآن… يعني موت بريءٍ آخر."

…وهنا—

حدث شيء، شيء صغير، لكن خطير.

التقت عينا تيروس وفيسبر بعيني…وكانت تلك النظرة كفيلة بأن تكشفني.

كأن أعينهم تقول.

"مهلاً... لماذا تستميت في التمثيل بأن فروند هو القاتل؟ نحن نعرفك جيداً!"

تبًا...لقد انكشف أمري.

شعرتُ بقلبي يسقط.

أنا… حقاً فاشل في التمثيل.

لكن لا وقت للتراجع.

نظرتُ إليهما وحاولت بكل ما أملك أن أرسل رسالة، بلا كلمات، وبلا صوت.

فقط… نظرة.

كأنني أقول لهما:

"لديّ خطة، ابقيا بجانب فروند، ولا تنجرفا خلفي!"

مرت لحظة صمت قصيرة، لكنها بدت كأنها أبد.

ثم—

رفع تيروس حاجبه، وفيسبر كذلك في نفس اللحظة…وكأنهما قالا:

"فهمنا...سنتماشى مع تمثيليتك."

هل فهموا فعلًا؟

أم أنني…أتخيل فقط؟

لكن الآن…لم يعد هناك طريق للعودة.

لقد بدأتُ التمثيلية.

وعليّ…أن أكملها حتى النهاية.

...

انفجر المكان بالضجيج.

لم يعد مجرد ارتفاعٍ في الأصوات…

بل كان أشبه بانفجارٍ داخليّ، كأن الجدران نفسها لم تعد تحتمل ما يُقال، فارتجّت بما فيها.

تقاطعت الكلمات…

تصادمت…

تمزّقت في الهواء كنصولٍ حادّة، تشرّح ما تبقى من سكون المطبخ.

صرخت بيول، وصوتها يخترق الفوضى كرمحٍ مستقيم:

"نعم، فروند هو القاتل! أنا أؤكد كل كلمة قالها نيلوت!"

التفتت إليها الأنظار دفعةً واحدة.

"أَجُنِنتِ يا بيول؟!"

صوت كيم سانغ ارتطم بالجدران، ويداه تصطدمان ببعضهما بذهولٍ صاخب، كأنه يحاول إيقاظ نفسه من كابوس.

لكن بيول لم تهتز.

رفعت رأسها قليلًا، وعيناها تلمعان ببريقٍ بارد، غريب… لا يشبه الدموع التي كانت فيها قبل قليل.

"أنا في كامل قواي العقلية."

قالتها ببطء.

"والمنطق… لا يكذب."

وهنا—

انفرط آخر خيطٍ من الهدوء.

انفلت كل شيء.

تعالت الصيحات، تداخلت، ارتفعت حتى شعرتُ أن الهواء نفسه بدأ يرتجف.

حتى أنني كدتُ أسمع… طقطقة الأعصاب داخل رؤوسهم.

"فروند ليس القاتل! لماذا لا تفهمون؟!"

"بل هو! لا يوجد إنسان بهذه المثالية إلا إذا كان قناعًا!"

"إنه بريء! أنتم تذبحون العدالة بأيديكم!"

"بل هو المافيا الذي يختبئ خلف ستار الصلاح!"

"كيف سمح لكم ضميركم باتهام فروند؟!"

"سمح لنا لأن كل ذرة فيه تصرخ بأن تصرفاته غير طبيعية!"

كانت الكلمات تتحول إلى أسلحة.

كل جملة… طعنة.

كل رد… هجوم مضاد.

والأسوأ أن لا أحد كان يستمع.

وفجأة—

"نيلوت يقوم بخداعكم! ربما فعل هذا لأنه هو القاتل الحقيقي!"

سقطت التهمة عليّ كحجرٍ ثقيل.

شعرتُ بقلبي ينقبض.

لكن قبل أن تتشكل موجة جديدة—

"والآن؟! تحاول أن تجعلنا ننقلب على نيلوت؟! الشخص الذي كشف لنا الحقيقة؟!"

…انقسموا تمامًا كما أردت.

جلستُ في مكاني.

لا أتحرك.

لا أتدخل.

فقط… أراقب.

كانت الفوضى أمامي كلوحةٍ مشوهة… لكنني، وحدي، كنت أرى الشكل الذي تتخذه.

كيم سانغ… عيونه التقت بعيني لجزءٍ من الثانية.

كان هناك شيء في نظرته… شيء لم يفهمه.

شك؟

أم إدراك؟

فيسبر… وتيروس…لم يتكلما.

لكن أعينهما كانت تراقب.

تفهم.

وتنتظر.

أما فيلور…فكما هو دائمًا.

صامت.

ساكن.

لكن عينيه لم تكونا صامتتين، كانتا تتابعان كل شيء… بدقةٍ مرعبة.

كصقرٍ يحلّق عاليًا… يرى ما لا يراه أحد.

زفرتُ ببطء.

شعرتُ بالحرارة تتصاعد في صدري… وبالبرودة تزحف إلى أطرافي.

أعتقد أن هذا يكفي…لتنجح الخطة.

"هدوء."

…صوت واحد اخترق الفوضى.

لا، لم يخترقها فقط، بل مزّقها.

سترانج.

سقطت كلمته كقطعة جليدٍ هائلة على نارٍ مستعرة.

خمدت الأصوات.

تراجعت.

وتلاشت…حتى لم يبقَ إلا صوت أنفاسنا.

متسارعة.

متقطعة.

ثقيلة.

لم يتحرك.

فقط قال ببروده العبثي المعتاد:

"بناءً على ما حدث الآن…"

توقّف، وكأن الزمن نفسه توقّف معه.

"فإن هناك شخصين… قاما بإنهاء مهمتهما."

…شعرتُ بشيءٍ يتجمد داخلي.

كنتُ أعلم.

نعم. كنتُ أعلم أنني أنهيتُ مهمتي.

إثارة الفتنة.

لكن—

شخصان؟

من…؟

"نيلوت… وبيول."

توقفت دقات قلبي.

"مباركٌ لكما… النجاح في إتمام مهمتكما."

عم…الصمت.

هذه المرة لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمتٌ ثقيل… مشحون… ينظر.

ينظر إلينا.

كل العيون اتجهت نحونا، لم ينطق أحد.

لكن نظراتهم قالت كل شيء.

"إذاً… لتتبعاني الآن."

قالها سترانج، واستدار.

خطواته… منتظمة، باردة، كآلة.

نهضتُ، وشعرتُ بثقلٍ غريب في قدميّ، كأن الأرض تحاول إبقائي.

كأن شيئًا داخلي… لا يريد المغادرة.

بيول نهضت بجانبي.

صامتة.

لكن أنفاسها لم تكن كذلك.

تقدمتُ.

خطوة…ثم أخرى، وكل خطوة كانت تسحبني بعيدًا عنهم.

عن هذا المكان، عن هذا الجنون.

وعند العتبة—

توقفت، والتفتُّ، ثم نظرتُ إليهم واحدًا… تلو الآخر.

وجوههم…ملامحهم…عيونهم…كل شيء…انطبع في داخلي.

"جميعًا…"

قلتُ بصوتٍ واضح، أعلى مما توقعت.

"تعلمون أن مهمتي كانت الفتنة…"

توقفت، ثم أكملت:

"لذا… أنا وبيول… وفروند… بريئون تمامًا."

"أسرع."

قاطعني سترانج ببرود.

ترددت لكنني لم أتوقف.

"لقد تقلص عدد المشتبه بهم… إلى أربعة."

نظرتُ إليهم بجدية وبصدق.

"جدوا القاتل الحقيقي."

"إذاً هذه كانت خطتك يا مجنون؟!"

صوت فيسبر عاد مليئًا بالحياة.

ابتسامة عريضة على وجهه.

"لا تقلق… اعتمد علينا!"

"أجل."

قال تيروس بثبات.

"ارحل… وأنت مطمئن."

"لا أصدق…"

قال كولديش بابتسامة باهتة.

"أنني كنتُ مجرد قطعة شطرنج… على طاولتك يا نيلوت."

كيم سانغ هز رأسه.

"لقد تلاعبت بنا… جميعًا."

حتى فروند ضحك ضحكة خفيفة… لكنها صادقة.

"هاها… حقًا ظننتُ أنك تريد إقصائي."

أما فيلور فقط نظر إلي بثبات، وبهدوء.

"اذهب يا نيلوت…"

توقف.

"الباقي… عليّ."

…ابتسمت ابتسامة لم أشعر بها منذ زمن.

"أسرع! أتريد أن نموت على يد سترانج؟!"

بيول.

صوتها أعادني.

ضحكتُ بخفة، ثم تحركت.

خطوة…ثم أخرى…حتى وصلنا إلى الباب.

أخرج سترانج البطاقة، ووضعها في الفتحة بهدوء، وبلا تردد.

"كلاك."

ثم—

انفتح الباب، وانفجر الضوء.

ضوء أبيض، ساطع، وقاسٍ، كأنه عالمٌ آخر.

تقدّم سترانج.

ثم تقدمت بيول.

اختفت…داخل الضوء.

بقيتُ أنا للحظة واحدة فقط على العتبة.

قلبي كان يقرع بعنف.

إذاً…انتهى الأمر؟

إنتهى العذاب؟

حقًا… انتهى؟

خطوتُ ودخلت.

وجدتُ نفسي في الردهة.

المكان هادئ، ثقيل، وغريب.

نظرتُ حولي يميناً وشمالاً.

الأبواب مغلقة كلها إلا بابنا.

إذاً…لم ينتهِ الآخرون بعد.

"كلاك."

أغلق سترانج الباب خلفنا، ثم تحرك كعادته.

خطواته… عسكرية، منتظمة، وبلا روح.

تبعناه أنا وبيول بصمت.

وهنا كان الهدوء…أسوأ، لأنه صادق.

وفي أعماق قلبي…في مكانٍ لم أكن أجرؤ على النظر إليه—

تمنيت بكل ما تبقى مني أن يجدوا القاتل.

أن ينجوا.

…وألا—

يُراق دمٌ بريء آخر.

2026/04/11 · 8 مشاهدة · 1940 كلمة
TV
نادي الروايات - 2026