157 - ثلاثة أيام من الرماد

واصلنا السير.

خطواتٌ منتظمة تتردد أصداؤها في الممر الطويل، كأن الجدران تضخمها عمدًا… تعيدها إلينا مشوهة، باردة، خالية من أي حياة.

كنتُ أنا وبيول نسير خلف سترانج.

ظهره المستقيم… خطواته العسكرية… ذلك الإيقاع الثابت الذي لا يختل، وكأنه ليس إنسانًا، بل ساعةٌ تمشي على قدمين.

أما نحن—

فكنا بشرًا.

متعبين.

ممزقين.

نحاول فقط أن نلتقط أنفاسنا بعد العاصفة.

قطعت بيول الصمت.

"حسنًا… هذا مفاجئ نوعًا ما."

التفتُّ إليها قليلًا.

"ها؟"

نظرت أمامها، لا إليّ.

"أنك كنت اللاعب الثاني… الذي أنهى مهمته."

صمتت لحظة، ثم أضافت بنبرةٍ أخف، لكنها لم تخفِ ما فيها من تقييمٍ صريح:

"ظننتك… مجرد شابٍ جامعي عادي… لا يفقه شيئًا في الحياة."

م-ماذا؟

تجمدتُ لوهلة.

أهكذا… كانت تراني؟

شاب عادي؟

ساذج؟

عديم الفائدة؟

شعرتُ بشيءٍ خفيف يلسع صدري… ليس ألمًا، بل شيء أقرب إلى… إهانةٍ صامتة.

لكن—

هل هي مخطئة فعلًا؟

"لكن…"

أكملت، وكأنها تصحح حكمًا سابقًا.

"اتضح أنك كنت تخطط لكل شيء من البداية…"

ثم التفتت إليّ أخيرًا.

"بالإضافة… كيف نجحت خطتك؟"

توقفت لجزءٍ من الثانية.

نظرتها هذه المرة… لم تكن تقييمًا، بل فضول حقيقي.

"لقد كنت تخاطر… بحياتك… وبحياة فروند."

صمتت، ثم سألت بصوتٍ أخفض:

"ألم تخف؟"

نظرتُ أمامي، إلى ظهر سترانج، إلى الممر الذي لا ينتهي.

إلى الضوء الباهت الذي يتساقط من الأعلى كغبارٍ رمادي.

"خفتُ… بالطبع."

خرجت الكلمات بهدوء، ببساطة، كحقيقةٍ لا تحتاج إلى تبرير.

"إذاً—"

"لكن…"

تنفستُ ببطء.

"كان لا بد من المخاطرة… إن أردتُ النجاة."

توقفت لحظة، ثم أضفتُ، دون أن أنظر إليها:

"ليس أنا فقط… بل الجميع."

"هكذا إذاً…"

همست بها، كأنها تفهم، أو تحاول.

"أما بشأن نجاح خطتي…"

قلتُ، وأنا أشبك يدي خلف ظهري.

"فقد كان… مجرد ضربة حظ."

التفتت إليّ فورًا، ومن الواضح أنها لم تقتنع، وهذا… منطقي.

حتى أنا لم أكن مقتنعًا تمامًا.

"الفتنة…"

قلتُ فجأة.

"ما هي برأيك؟"

رفعت حاجبها قليلًا.

"حسنًا… لها عدة معانٍ."

"بالضبط."

ابتسمتُ بخفة.

"ومهمتي… لم تقل لي أي نوع من الفتنة يجب أن أفعل."

توقفتُ، ثم أكملت:

"فقط… اصنع الفتنة."

كانت تنظر إليّ الآن بتركيز، كأنها تحاول أن تلتقط الخيط.

"وأنا اخترت النوع… الذي يناسب الموقف."

زفرتُ ببطء.

"لم أكن لأفعل ذلك… لولا الظروف."

خفضتُ بصري قليلًا.

"الفتنة… سيئة بكل أشكالها."

توقفتُ، ثم أضفتُ:

"لكن… هذه المرة… كانت وسيلة."

سكتت بيول لثوانٍ.

خطواتنا فقط… كانت تملأ الفراغ.

ثم قالت:

"ما زلتُ… لا أفهم."

رفعت يديها قليلًا، وكأنها تمسك فكرةً غير مكتملة.

"كيف ترجم سترانج ما حدث… إلى نجاحٍ لك؟"

توقفت، ثم نظرت إليّ بحدة أكبر:

"وقبل أن نخرج… قلتَ أن فروند بريء."

صمتت لحظة.

"كيف؟"

ابتسمتُ بخفوت، ليس لأن الأمر بسيط…بل لأنه معقد أكثر مما ينبغي.

"الأمر… ببساطة…"

قلتُ.

"أنني استغللتُ المهمة… لصالح الحقيقة."

نظرتُ إليها، ثم تابعت:

"كما قلتِ… الفتنة لها معانٍ كثيرة."

رفعت إصبعي قليلًا.

"وأحدها… تضليل الناس عن الحق."

خفضت بيول نظرها، وبدأت الخيوط تتشابك.

رأيت ذلك.

"وأنا…قمتُ بذلك."

توقفت، ثم سألتها:

"لماذا تعتقدين أنني اخترتُ فروند؟"

"لأنه… محبوب؟"

"صحيح."

أومأتُ.

"وهذا… يجعل الفتنة أقوى."

اقتربت خطوة.

"كلما كان الهدف أنقى… كان الشك فيه أشد فوضى."

صمتت تمامًا.

"كنتُ شبه متأكد… أنه بريء."

قلتُها بهدوء.

"والحق… هنا… هو براءته."

نظرتُ أمامي.

"فإن نجحتُ في تضليلهم عنه…"

توقفت، ثم أكملت:

"فهذا يعني… أنني نجحتُ في الفتنة."

رفعت بصري.

"وبمجرد أن أعلن سترانج نجاحي…ثبتت براءته."

توقفت بيول عن المشي، ونظرت إليّ بعينين متسعتين.

"هذه…خطة محكمة فعلًا."

ثم أضافت بسرعة:

"وحتى لو لم يقل سترانج شيئًا، أنت… لم تكن لتخسر شيئًا!"

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة… لكنها تحمل شيئًا من التعب.

"ليس… تمامًا."

نظرتُ إليها.

"كنتُ أخاطر."

خفضت صوتي.

"ولو سارت الأمور بشكلٍ مختلف…"

لم أكمل، لا حاجة لذلك.

صمتت، ثم سألتُها:

"على أية حال…ما كانت مهمتك؟"

توقفت خطوة، ثم أخرى، لكن صوتها انخفض:

"مهمتي…أن أجعل أغلبكم… يكرهونني."

انقبض صدري.

ماذا؟

أي نوعٍ من المهمات هذه…؟

شعرتُ بثقلٍ غريب في صدري.

ليس شفقة فقط…بل شيء آخر، شيء مزعج.

"هاها…"

ضحكتُ ضحكة خفيفة.

"يا لها من مهمة."

…تبًا.

ما هذا الرد؟

نيلوت… أيها الأحمق.

هل هذا ما تسميه مواساة؟

نظرت إليّ نظرة قصيرة، وغامضة، ثم أكملت المشي.

…رائع.

أحسنت.

لقد جعلت الأمر أسوأ.

تابعتُ السير، محاولًا تجاهل الصوت الذي يوبخني في داخلي، ثم قلتُ:

"لكن…"

ترددت، ثم أكملت:

"أنا… لم أكرهكِ."

توقفت للحظة.

لم أرَ وجهها، لكن شعرتُ بشيء، شيءٍ تغير في الهواء.

ثم أكملت المشي دون أن تقول شيئًا.

زفرتُ ببطء.

هاها…

يبدو أنني سيء حتى في المواساة.

وهكذا…واصلنا السير، خطوة…ثم أخرى…حتى وصلنا إلى القاعة الرئيسية.

وقف سترانج أمام الباب، وأخرج البطاقة، ثم أدخلها.

"كلاك."

صوتٌ حاد، وقصير.

ثم انفتح الباب.

دخلنا أنا وبيول، لكن سترانج...لم يدخل.

توقف عند العتبة، ثم أغلق الباب، وتركنا…هنا.

...

بقيتُ جامدًا لثوانٍ…لا أتحرك.

لا أتنفس تقريبًا.

كأن قدميّ التصقتا بالأرض، وكأن عقلي لم يستوعب بعد… أننا خرجنا فعلًا.

ثم—

رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ إلى القاعة.

الهواء فيها مختلف… لكنه ليس مريحًا.

بل مشبع بشيءٍ ثقيل… خليط من التوتر، والتعب، والانتظار.

وكان هناك… أشخاص كثيرون.

أول من وقعت عليه عيناي—

بينفيت.

جالسٌ كما هو…ظهره مستقيم، ساقٌ فوق أخرى، وابتسامة متعالية لا تفارق وجهه.

غروره… لم يتغير، وكأن هذه اللعبة لم تمسه بشيء.

شدّدتُ على فكي دون وعي.

ثم بدأتُ أرى الآخرين، واحدًا… تلو الآخر.

رجل ذو شعرٍ بني، وعينين حادتين كأنهما سكاكين مخفية.

عجوزٌ كبير في السن، جالس وحده… ظهره منحني قليلًا، وعيناه غائرتان، كأنهما رأتا ما يكفي من هذا العالم.

رجلٌ أشقر، يجلس على الأرض… مغمض العينين، ساكن… كجثةٍ تتنفس.

ثم—

توقفت عيناي.

صاحب العمل.

جالس على أحد الكراسي… وظهره مثقل، وكأن الأيام الأخيرة مرت فوقه كعاصفة.

وبجانبه—

كايرو.

ينحني نحوه، يتحدث بصوتٍ منخفض.

وجهه… شاحب، وعيناه… محاطتان بهالاتٍ داكنة، كأن النوم قد هجره منذ زمن.

تابعتُ النظر…

فتاة بشعرٍ بني طويل، وعينين زرقاوين، جالسة في الزاوية… تحدّق في الفراغ.

رجلٌ ضخم البنية، عيناه خضراوان، وكتفاه مشدودتان كأنهما مستعدتان للانفجار.

فتاتان تتحدثان بصوتٍ خافت… واحدة بشعرٍ أسود قصير، والأخرى بشعرٍ مربوط بإحكام.

رجلٌ آخر بشعرٍ بني وعينين زرقاوين… يراقب الجميع بصمت.

شخصٌ في الزاوية…يعضّ على أصابعه بشراسة، كأنه يحاول كبح شيءٍ داخله.

ورجلٌ نحيف… شعره بني متوسط الطول، يبدو كظلٍ أكثر من كونه إنسانًا.

وشاب…في الخامسة عشرة تقريبًا.

عيناه… ضائعتان.

وفتاة…في عمرٍ مقارب، تحتضن ذراعيها… كأنها تحاول أن تحمي نفسها من العالم.

خمسة عشر.

ومعي أنا وبيول… نصبح سبعة عشر.

ابتلعتُ ريقي، وشعرتُ بثقل العدد.

كل واحد هنا… لديه قصة.

ولديه خسارة.

…وربما…دمٌ على يديه.

تحركتُ ببطء.

خطوة… ثم أخرى، نحو صاحب العمل وكايرو.

لاحظني.

وفي لحظة وقف بسرعةٍ لم أتوقعها.

أمسك كتفي بكلتا يديه، وقال بصوتٍ مليء بشيءٍ لم أسمعه منه من قبل:

"نيلوت! من الجيد… أنك ما زلت حيًا!"

توقفتُ، وشعرتُ بحرارة يديه، ووبشيءٍ… يشبه الارتياح.

كايرو تبعه، واقترب.

عيناه مرهقتان… لكن فيهما صدقٌ واضح.

"أنا سعيد حقًا… لأنك حيّ."

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة… متعبة.

"وأنا أيضًا."

جلسنا، والصمت جلس معنا.

نظرتُ إليهما.

وجه صاحب العمل… شاحب، تجاعيده أعمق، وعيناه… فقدتا بريقهما المعتاد.

أما كايرو…فكان يبدو وكأنه لم ينم منذ أيام.

الهالات… لم تكن مجرد تعب، كانت أثر شيءٍ أكبر، شيءٍ كُسر داخله.

فتحتُ فمي، وكادت الكلمات تخرج—

"ماذا حدث معكما؟"

لكنني تراجعت.

…لا.

أنا أعرف الإجابة، لا أحتاج أن أسأل.

في هذه اللعبة…الخسارة ليست احتمالًا، بل قاعدة.

خفضتُ بصري، وشعرتُ بثقلٍ في صدري.

قطع الصمت صوت صاحب العمل:

"لا تيأسا…لابد أن بقية الموظفين بخير."

نظرتُ إليه، ثم إلى كايرو، ثم—

أومأنا.

لكن…ولا واحدٍ منا كان واثقًا.

وفجأة—

"هذه اللعبة… هي الأسوأ."

قالها كايرو، وصوته منخفض… مكسور، ثم وضع يديه على عينيه، كأنه يريد أن يختفي.

"أظن… أنهم اختاروها عمدًا…"

تنهد.

"لأنها تفعل شيئًا… مزعجاً."

صمت لثانية، ثم أكمل:

"تجعل الناس… يصبحون أصدقاء."

شعرتُ بانقباضٍ في صدري.

"ثم…تأخذهم منك في أي لحظة."

ساد الصمت، صمتٌ ثقيل… صادق.

أومأتُ ببطء.

"أجل…"

لم أستطع قول أكثر من ذلك.

"حسنًا، حسنًا… انظروا من هنا."

صوت بارد، ساخر.

رفعتُ رأسي.

بينفيت.

يتقدم نحونا، وخلفه…الرجل ذو البنية القوية، وصاحب العينين الحادتين.

توقف أمامي، وابتسم ابتسامة… لم تعجبني أبدًا.

"إذاً يا نيلوت…"

مال قليلًا.

"ما كانت مهمتك؟"

رفع حاجبه.

"هل قمت بالغدر بأحد؟"

شدّدتُ على قبضتي، ثم نظرتُ إليه بهدوء.

"ليس لك الحق… أن تسألني هذا السؤال."

توقفت.

"بعد ما فعلتَه."

ابتسم أكثر.

"أوه~ هيا الآن…"

رفع كتفيه بلا مبالاة.

"أنا فقط ساعدتكم… بالتخلص من واحد."

نظرتُ إليه مباشرة.

"هل كنتَ تعرف… أنه من المافيا أساساً؟"

صمت لحظة، ثم قال بغرورٍ صريح:

"شككتُ به منذ اليوم الأول."

ابتسم.

"من المستحيل أن أقتل بريئًا."

شعرتُ بشيءٍ يغلي داخلي، لكنني لم أتكلم.

"على أي حال…"

استدار.

"حظًا موفقًا… في النجاة، هاهاهاها."

وغادر كما جاء، كأن شيئًا لم يحدث.

"من هذا؟"

سأل صاحب العمل.

زفرتُ ببطء.

"شخص…تجاوز غرور لوكسيان."

مرّ الوقت ببطءٍ خانق.

ساعة…ثم أخرى…ثم ثالثة.

الأحاديث كانت متناثرة.

نظرات… صمت… تنهيدات.

كل واحدٍ هنا…ينتظر شيئًا، أي شيء.

ثم—

"طَق."

الصوت كان حاداً، وواضحاً.

التفتنا جميعًا نحو الباب الضخم.

بدأ يُفتح ببطء…

صوت احتكاكه بالأرض… كصرخةٍ طويلة.

ثم—

ظهر شخص لم أره من قبل.

توقفت أنفاسي.

ملابسه…رسمية، وأنيقة.

سترة رسمية بلون أزرق كحلي داكن، بقصة محددة عند الخصر وأزرار سوداء لامعة.

قميص من القطن الناعم بلون أبيض ناصع، بياقة حادة ومنشأة.

بنطال قماشي رسمي بلون أسود فاحم، بقصة مستقيمة.

وحذاء أسود جلدي لامع مع حزام أسود رفيع.

مزيج من الأزرق العميق… والأسود… ولمساتٍ بيضاء دقيقة.

كل شيء فيه مرتب، محسوب...حتى خطواته.

لكن—

القناع ذهبي، لامع...ينعكس عليه الضوء كمرآةٍ مشوهة.

وعليه خطوط…بيضاء في الجهة اليمنى، وسوداء في الجهة اليسرى.

تقسيم… غريب.

كأن وجهه…ينتمي لعالمين.

شعرتُ بقشعريرة.

من هذا…؟

هل هو… مقنّع آخر؟

يبدو أن أمر المقنعين…أكبر مما توقعت.

...

ثم تقدّم المقنّع ذو القناع الذهبي بخطواتٍ ثابتة، ووقع حذائه على الأرضية الصلبة منتظم، خاليًا من أي تردد.

كأن كل خطوة محسوبة بدقةٍ لا تقبل الخطأ.

وفي يده صندوق متوسط الحجم، يمسكه بثباتٍ غريب.

لا يوحي بثقلٍ ولا بخفة… فقط ثبات.

توقّف أمامنا تمامًا.

ثم انحنى قليلًا، ووضع الصندوق على الأرض بحذرٍ صامت، دون أن يُصدر أي صوتٍ يُذكر.

وكأنه لا يريد حتى إزعاج الهواء من حوله.

لم يقل شيئًا.

لم ينظر إلى أحد.

وبنفس البساطة… استدار، وغادر.

بقيتُ أحدّق في مكانه للحظة، وكأن عقلي تأخر في استيعاب ما حدث.

هذا… كل شيء؟

لا تعليمات، لا تهديدات، لا حتى نظرة؟

قبل أن أغوص أكثر في دوّامة أفكاري، بدأت الحركة تعود تدريجيًا إلى القاعة.

أشخاصٌ نهضوا، آخرون تبادلوا نظراتٍ سريعة، ثم بدأ الجميع يتجه نحو الصندوق بحذرٍ يشبه الحذر من فخٍ مخفي.

قال صاحب العمل بهدوءٍ منخفض وهو ينهض:

"لنذهب نحن أيضًا."

أومأتُ دون كلام، وتبعته أنا وكايرو.

كل خطوة نحو الصندوق كانت تحمل معها تساؤلًا خفيًا…

لكن عندما اقتربنا… لم يكن هناك شيء غريب.

مجرد طعام.

خبزٌ باهت اللون، قاسٍ قليلًا عند الأطراف.

تفاحةٌ صغيرة بسطحٍ لامع لكنه خالٍ من الحياة.

وقارورة ماء شفافة، يتراقص الضوء على سطحها.

تناولتُ حصتي بصمت، وكذلك فعل صاحب العمل وكايرو، ثم عدنا إلى مقاعدنا.

جلستُ، وأسندت ظهري قليلًا، ونظرت إلى الخبز في يدي.

قضمتُ منه.

كان طعمه… عادياً إلى حدٍ مؤلم، كأنه بلا روح.

لكن معدتي لم تكن تهتم.

كل ما كان يهمها… أن تمتلئ.

مرّ الوقت بعدها ببطءٍ ثقيل.

ساعاتٌ امتدت دون أحداث تُذكر، فقط همسات متقطعة، أنفاس، ونظراتٌ حذرة بين الحين والآخر.

ثم… جاء اليوم التالي.

استيقظتُ وأنا لا أشعر بأنني نمت حقًا.

جلست على الكرسي، مرّت ساعة…

وربما ساعتان.

لا أستطيع التمييز.

تبادلت بعض الكلمات مع القريبين مني، لكنها كانت أحاديث فارغة، بلا روح.

رفعت رأسي نحو السقف.

رمادي… صامت… لا يتغير.

تنهدتُ ببطء.

إلى متى سأبقى هنا؟

شعرتُ وكأن الجدران تقترب ببطء… كأن المكان يضيق، يخنق.

وفجأة—

"طق."

الصوت ذاته.

الباب الضخم.

التفتُّ فورًا، وشعرتُ بشيءٍ في صدري ينقبض دون إرادة.

انفتح الباب، ودخل منه ثمانية أشخاص.

تقدّموا ببطء…

بخطواتٍ أثقل مما كانت عليه سابقًا، وكأن كل واحد منهم يحمل شيئًا غير مرئي على كتفيه.

بحثتُ بعيني بينهم.

…سيريون.

كما هو.

نفس الهدوء، نفس النظرة التي لا يمكن قراءتها.

…لوكسيان.

لكن ابتسامته اختفت.

لم يعد ذلك الغرور الصارخ حاضرًا، بل حلّ مكانه شيءٌ آخر… شيءٌ أكثر صمتًا، وأكثر حذرًا.

…وكالستير.

كعادته، بلا تعابير، كأن ما حدث لم يمسّه.

زفرتُ ببطء، وشعرتُ بشيءٍ من الارتياح يتسلل إلى صدري، كأن ثقلًا خفيًا أُزيح عنه.

رفعت يدي ولوّحت لهم، وقلت بصوتٍ حاولتُ أن أجعله خفيفًا:

"أوي! يا رفاق!"

نظروا نحوي، ثم اقتربوا.

جلسوا.

لكن…لم يتكلم أحد.

الصمت الذي جلس معهم… كان أثقل من أي كلمات.

تبادلنا النظرات فقط.

يبدو… أنهم مرّوا بشيءٍ قاسٍ.

قال صاحب العمل بهدوء:

"جيد أنكم بخير."

نظروا إليه… دون رد.

نظرتُ إلى سيريون، وقلت:

"سيريون… ما الذي حدث؟ هل أقصيتم كل المافيا؟"

أجاب دون أن يغير نبرته:

"نعم."

توقف لحظة، ثم أكمل:

"رغم أنهم قتلوا ثلاثة منا… وأقصينا شخصًا بريئًا… إلا أنهم لم يكونوا بذلك الذكاء."

عبستُ قليلًا.

"ها؟ لكن… خرج ثمانية فقط."

"لأن اثنين… أنهيا مهمتهما."

أومأتُ ببطء.

"أوه… صحيح."

أكمل بنبرة حاسمة:

"ليس من الضروري أن تعرف كل التفاصيل...هذا ما حدث."

لم أجادل.

فقط أومأت.

ومرّ اليوم… مرة أخرى ببطء.

تدريجيًا، عاد بعض الصوت إلى القاعة.

لوكسيان بدأ يستعيد شيئًا من غروره، خاصة بعد أن لمح كايرو يسقط للحظة من التعب، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.

سيريون ظل يراقب الجميع بصمت، كأن عينيه تسجلان كل حركة.

كالستير بقي كما هو…

ثابتًا، بلا أثر.

بيول… اندمجت مع الفتيات، صوتها كان منخفضًا، لكن ملامحها بدت أكثر ارتخاءً.

أما بينفيت…فكان يضحك.

يضحك وكأن شيئًا لم يحدث.

…ثم جاء اليوم الثالث.

وهنا… بدأت الأفكار.

ليانا… ميليسا… والبقية…هل هم بخير؟

هل ما زالوا أحياء؟

أم أنهم…؟

أغلقتُ عيني بقوة.

لا.

لا تفكر هكذا.

تفاءل يا نيلوت...كل شيء سيكون بخير.

…أليس كذلك؟

لكن الصوت في داخلي لم يكن مقتنعًا.

ليانا… طفلة.

من المستحيل أن يؤذيها أحد… أليس كذلك؟

إلا إذا…

شددتُ على أسناني.

توقّف.

لكن الأفكار… لم تتوقف.

بل ازدادت، وتشابكت.

حتى—

"طق."

فتحتُ عيني فورًا.

الباب.

أغمضتهما مجددًا لثانية، وشددت على قبضتي.

رجاءً…ليكونوا بخير.

ثم التفتُّ ببطء.

خرج هذه المرة فريقان، الأول… سبعة أشخاص.

بحثتُ بينهم بسرعة—

…ريغان.

هادئ… لكن ملامحه أكثر صرامة.

ثم—

اختفى كل شيء، كل القلق، حين رأيت…ميليسا، وليانا.

ليانا… كانت تبتسم.

ابتسامة صغيرة، بريئة، وكأنها لم تمرّ بالجحيم.

أما ميليسا…في وجهها ابتسامة.

لكن—

يداها… كانتا ترتجفان.

ارتجافًا خفيفًا… لكنها لم تستطع إخفاءه.

شعرتُ بشيءٍ يعتصر صدري.

…هي تتظاهر بالقوة.

أما الفريق الثاني…ستة أشخاص فحسب.

ومن بينهم—

زايروس.

يداه ترتعشان أيضًا… لكنه يحاول التماسك.

عبستُ قليلًا.

مهلًا…

نوكس… روزي…؟

هل...؟

لا.

ما زال هناك فريق، ما زال هناك… أمل.

"ريغان! زايروس! نحن هنا!"

قالها كايرو.

تقدموا نحونا.

لم أتمالك نفسي، واتجهت فورًا نحو ميليسا وليانا.

"العمة ميليسا… هل أنتِ بخير؟"

نظرت إلي، وابتسمت.

"نعم… أنا كذلك."

لكن ارتجاف يديها… لم يتوقف.

تنفستُ ببطء، ولم أضغط عليها.

ثم—

"أيها العم… اشتقتُ لك."

نظرتُ للأسفل.

ليانا.

ابتسامتها… صادقة بشكلٍ مؤلم.

ابتسمتُ، وربتُّ على شعرها برفق.

"وأنا كذلك."

رفع ريغان نظره نحو صاحب العمل وقال:

"أظن… أن هذه هي اللعبة الأخيرة، فالوفيات… ستتجاوز عدد الناجين."

أومأ صاحب العمل.

"صحيح."

قال كايرو لزايروس، وصوته أخف قليلًا:

"جيد أنك خرجت سالمًا."

"وأنتم كذلك."

جلس الجميع مجددًا، وجلستُ معهم.

نظرتُ حولي.

حتى الآن…لا أحد منا مات.

لكن…نوكس… روزي… ماركوس… فيلور… فيسبر…

أغمضتُ عيني للحظة.

أتمنى…أن يكونوا بخير.

هم…والبقية.

2026/04/12 · 12 مشاهدة · 2328 كلمة
TV
نادي الروايات - 2026