جاء اليوم الرابع.
لم يكن مختلفًا في ظاهره…
لكن شيئًا في داخلي كان يهمس بأن هذا اليوم… لن يمرّ بسلام.
كنتُ جالسًا على الكرسي، أتناول الطعام الذي تركه المقنّع الذهبي قبل قليل.
الخبز في يدي جاف، يتفتّت عند أطرافه، وكأنه فقد القدرة حتى على التماسك… مثلنا تمامًا.
رفعت قارورة الماء إلى شفتيّ، ورشفةٌ باردة انزلقت في حلقي، لكنها لم تُطفئ ذلك الجفاف العالق في صدري.
وبينما كنت أُخفض القارورة ببطء…
وقعت عيناي عليهما.
كايرو… ولوكسيان.
كانا يقفان على مقربة، يتحدثان.
والأغرب—
أن الابتسامة… كانت حاضرة.
ابتسامة خفيفة على وجه كايرو، مرهقة لكنها صادقة،
وأخرى… متعجرفة، واثقة… عادت لتحتل ملامح لوكسيان كأنها لم تغب يومًا.
ضيّقتُ عيني قليلًا.
…هذا غريب.
وضعت القارورة جانبًا، ونهضت بخطوات هادئة، متجهًا نحوهما.
كل خطوة كانت تُحدث صدى خافتًا فوق الأرضية الصلبة، حتى وقفت أمامهما.
"ما سر عودة الابتسامة؟"
التفت كايرو نحوي، وابتسامته اتسعت قليلًا، لكنها لم تُخفِ الإرهاق خلف عينيه.
"حسنًا…"
تنهد بهدوء، وكأنه يفرغ شيئًا ثقيلًا من صدره.
"في هذه الأيام الثلاثة… أدركتُ أن الحزن لن يغيّر شيئًا مما حصل."
خفض بصره لحظة، ثم أعاده إليّ.
"سواء تألمنا… أو انهرنا… النتيجة لن تتغير."
كلماته بسيطة… لكنها سقطت بثقلٍ غريب.
أما لوكسيان—
فلم ينتظر.
رفع ذقنه قليلًا، وعيناه تلمعان بذلك البريق المتعالي الذي أعرفه جيدًا.
"تقول عودة؟"
قالها بنبرةٍ شبه مستفزة، ثم شبك يديه خلف رأسه، وأمال جسده للخلف باسترخاءٍ مبالغ فيه.
"الابتسامة… لم تغادر وجهي أصلًا."
رفع بصره نحو السقف، ثم قال بثقةٍ فجة:
"فكيف لي أنا، لوكسيان… أن أكون مثلكم؟"
توقف لحظة، وكأنّه يمنح كلماته وزنًا إضافيًا.
"يجب أن أكون… مختلفًا."
راقبته بصمت.
…يبدو أنه عاد بالكامل.
ذلك الغرور… ذلك الصوت… تلك النظرة التي ترى الجميع أقل منه.
تنفستُ بهدوء، ثم قلت:
"من الجيد… رؤية ذلك."
لم أكن متأكدًا إن كنت أعنيها حقًا…لكن على الأقل، هذا أفضل من وجوهٍ مكسورة.
هزّ كايرو رأسه قليلًا، ثم قال فجأة، وكأنه تذكر شيئًا كان يؤرقه:
"على أية حال…"
توقّف، ونظر إليّ بجدية.
"أنا… لم أرَ فيسبر… أو ماركوس… أو فيلور… أو نوكس…"
بلع ريقه، وأكمل بصوتٍ أخفض:
"ولا روزي… أو تيروس… حتى الآن."
…تجمدتُ للحظة.
وقبل أن أجيب—
تدخل لوكسيان، بنبرةٍ ساخرة، وابتسامة جانبية:
"أوه، صحيح…"
أطلق ضحكة قصيرة.
"وكنتُ أتساءل لماذا الجو هادئ… لأن رأس العضلات ليس هنا."
شبك يديه خلف رأسه مجددًا، وأكمل بلامبالاة:
"وبالمناسبة… أين هم؟"
ابتلعتُ ريقي، وشعرتُ بطعمٍ مرّ يعلق في حلقي، قبل أن أجيب:
"حسنًا…"
نظرتُ إليهما.
"كنتُ في فريق ماركوس، وفيسبر، وتيروس، وفيلور…"
توقفت لحظة، ثم أضفت:
"وأنا… أنهيتُ مهمتي، لذلك خرجت."
خفضت بصري قليلًا، ثم أكملت:
"أما نوكس وروزي… فيبدو أنهما في الفريق الآخر."
عم الصمت، لكن ليس صمتًا عاديًا.
كان صمتًا… تغيّر فيه الهواء.
رأيت ملامح كايرو تتبدل، ابتسامته تلاشت ببطء، وحلّ محلها شيءٌ آخر.
قلق.
"هل أنت متأكد… أنهم كانوا في فريقك؟"
سألها بنبرةٍ حذرة.
رفعت حاجبي قليلًا، وقلت:
"نعم… أنا متأكد."
ابتلع كايرو ريقه.
كانت الحركة صغيرة… لكنها لم تمرّ عليّ.
ثم قال، ببطء، وكأن كل كلمة تخرج بصعوبة:
"لكن… لم يتبقَّ سوى فريقين…"
توقف.
"ونحن الآن… في اليوم الرابع."
نظرتُ إليه، وقلبي… بدأ ينبض بشكلٍ غير مريح.
"ومع العودة للوراء…"
أكمل، وصوته أصبح أخفض:
"فقد مرّت خمسة أيام… منذ بدء اللعبة."
رفعت حاجبيّ.
"ما الذي تقصد—"
لكنني لم أكمل.
لأن—
شيئًا ما… انكسر داخل رأسي.
لحظة.
فكرة.
حساب بسيط… لكنه مرعب.
…خمسة أيام.
…فريق لم يخرج.
…تصويت وقتل… كل يوم.
توقفت أنفاسي لثانية.
…لا.
لا… لا.
بدأت الفكرة تتشكل رغمًا عني.
خمسة أيام…
يعني… خمسة تصويتات وخمسة ضحايا.
عشرة أشخاص…تم إقصاؤهم.
شعرتُ ببرودة تزحف على ظهري.
إن كان هذا صحيحًا…فهذا يعني أن المافيا… انتصروا.
تقريبًا.
"لا…"
همستُ دون وعي.
"لا… هذا غير منطقي…"
بدأ العرق يتصبب من جبيني، باردًا، لزجًا، ينزلق ببطء على وجهي.
لقد قلت لهم… أن المشتبه بهم كانوا أربعة فقط.
أربعة.
فكيف—
كيف يمكن أن يحدث هذا؟!
لكن—
نحن في اليوم الخامس بالفعل…ولم يخرج أحد.
رؤيتي… بدأت تهتز، كأن العالم حولي فقد ثباته.
دقات قلبي تصاعدت، تضرب صدري بعنف.
هل…هل حقًا… ماتوا؟
فيسبر…
ماركوس…
فروند…
فيلور…
لا.
لا لا لا.
هذا مستحيل.
"أوي، نيلوت!"
الصوت أعادني.
التفتُ ببطء، وكأن رقبتي أصبحت ثقيلة.
"ها؟"
قال كايرو، وعيناه متسعتان بالقلق:
"ما خطبك؟ العرق يتصبب منك… بشكلٍ غير طبيعي."
أما لوكسيان فابتسم بسخرية خفيفة، وعيناه تلمعان بشيءٍ بارد:
"كنتَ تبدو… كطفلٍ شاهد مشهدًا مرعبًا."
لم أجب فورًا.
كنتُ أحاول…أن أُمسك نفسي، أن أُعيد ترتيب أفكاري التي تكسّرت فجأة.
تنفستُ ببطء.
مرة…
مرتين…
ثم رفعتُ رأسي، ونظرتُ إليهما.
"يا رفاق…"
صوتي خرج أخفض مما توقعت.
"فريقي…"
توقفت لحظة، وشعرتُ بكلماتي تثقل لساني، ثم أكملت:
"كان قد تبقى منه… تسعة أشخاص فقط."
تغير الجو.
رأيتُ ملامحهما تتغيران ببطء، كما لو أن الحقيقة… بدأت تتسلل إليهما.
وتستقر في أعماق الخوف.
خوف… صامت.
…لكنه واضح.
جداً.
...
وسط تلك السحابة الكثيفة من الذعر…
السحابة التي خنقت صدورنا، وأطفأت آخر ما تبقى من منطقٍ كنا نتشبث به—
انشقّ صوت بارد… هادئ… حادّ.
كأنه نصل جليدي يشق الهواء دون أن يُحدث ضجيجًا.
"ما خطب هذه الوجوه؟"
تجمّد كل شيء.
"تبدون… وكأنكم رأيتم شبحًا."
توقف لوهلة، ثم أضاف بنفس البرود:
"أو… ربما صرتم أشباحًا بالفعل."
سيريون.
وقف أمامنا بقامته المستقيمة، ونظرته التي لا تخطئ شيئًا، وعينين كأنهما لا تريان الوجوه…
بل ما خلفها.
كان يراقبنا.
لا… لم يكن يراقبنا فقط.
بل… كان يحللنا.
يفكك هذا الانهيار الذي أصابنا كما لو كنا مسألة حسابية.
ساد الصمت.
ثقيـل… متوتر… مشحون بشيءٍ أقرب إلى العار.
حتى كسره كايرو.
صوته خرج خافتًا… مكسورًا… كأنه يُنتزع من أعماق حلقه بالقوة:
"يبدو…"
توقف، وابتلع ريقه.
"يبدو أن… بقية الرفاق… قد ابتلعهم الموت يا سيريون."
قطّب سيريون حاجبيه.
حركة خفيفة… لكنها نادرة.
"ما الذي تهذي به؟"
نبرته لم تحمل غضبًا… بل استغرابًا جافًا.
"ولماذا أطلقت هذا الحكم القاطع… الآن؟"
شعرتُ بأن الأنظار تحولت إليّ، وكأنني أنا من بدأ هذا كله.
ابتلعتُ ريقي.
حلقي… جاف.
صدري… يضيق.
"لأننا…"
بدأتُ، وصوتي يرتجف، ضعيف… كخيطٍ يكاد ينقطع.
"لأننا في اليوم الخامس… بالفعل."
سقطت الكلمات ببطء.
"وماركوس… وفيلور… وتيروس… وفيسبر…"
توقفت، وشعرتُ بأن الأسماء تخنقني.
"جميعهم… كانوا في فريقي."
خفضتُ رأسي قليلًا.
"وعندما خرجت… لم يتبقَّ سوى تسعة أشخاص."
صمت، ثم—
"وبحساب الأيام...فالخسائر تجاوزت العدد."
رفعتُ نظري، وعيناي لم تعودا ثابتتين.
"لقد… فنى الفريق."
ارتعشت يداي.
قارورة الماء كادت تنزلق من بين أصابعي، والعالم… بدا وكأنه يبتعد.
لكن—
لم يحدث ما توقعت.
لا صدمة.
لا غضب.
لا حتى… حزن.
فقط—
زفرة هادئة، وباردة.
"أوه…"
قالها سيريون.
"هذا هو سبب كل هذا الضجيج… إذًا."
تجمّدت، ونظرتُ إليه.
أهذا… كل شيء؟
ألا يهزه هذا الاحتمال؟
ألا يشعر… بشيء؟
لكن قبل أن تنفجر تساؤلاتي—
تحدث.
"لا داعي لهذا القلق المفرط."
نبرته ثابتة، كأنه يقرأ حقيقة بديهية.
"عندما نجحتُ أنا وفريقي في استئصال المافيا…"
توقف لحظة، وكأنّه يسترجع ما حصل.
"أخبرنا بلاك صراحةً… أن لدينا خيارين."
رفع إصبعه قليلًا.
"إما البقاء في الغرفة… لراحة مؤقتة."
ثم أنزل إصبعه.
"أو الانتقال فورًا… إلى هذه القاعة."
شعرتُ بشيءٍ صغير… ضئيل… يشتعل في صدري.
أمل ضعيف… لكنه موجود.
"وربما…"
أكمل سيريون.
"اختاروا البقاء."
لكن—
"ولكن…"
قطع لوكسيان هذا الخيط الهش.
صوته لم يكن ساخرًا هذه المرة فقط… بل مشوبًا بشيءٍ من الشك.
"فريقي أيضًا هزم المافيا."
عقد حاجبيه.
"والمقنّع مليغنانت… لم يعطنا أي خيار."
نظر إلى سيريون.
"بل سحبنا إلى هنا… قسرًا."
ساد صمتٌ قصير.
سيريون لم يجب فورًا، فقط… فكّر، ثم قال:
"هذا ليس غريبًا."
رفع نظره إلينا.
"مليغنانت… متهور، متلاعب، ويحب الاستعراض."
توقف لحظة.
"أما بلاك فهو يلتزم بالقواعد… ببرودٍ عسكري."
نظر إلينا جميعًا.
"اختلاف المشرفين… يعني اختلاف القوانين."
ثم قال بوضوح:
"لا تحكموا على غرفٍ مختلفة… بنفس المنطق."
شعرتُ وكأن شيئًا ثقيلًا… أُزيح عن صدري.
لم يختفي…لكنه خفّ.
زفرتُ ببطء.
هواءٌ عالق… خرج أخيرًا.
بجانبي، فعل كايرو الشيء ذاته، حتى لوكسيان… أدار وجهه قليلًا، وكأنّه يخفي زفرةً مماثلة.
…عاد النبض، ولو بشكلٍ ضعيف.
لكن سيريون لم يتركنا.
"لكن…"
قالها، وكأن الكلمة وحدها كفيلة بإيقاف ذلك الأمل.
"لا تُسرفوا في التفاؤل."
نظر إلينا، وعيناه… حادتان.
"فالأمل حين ينكسر…"
خفض صوته.
"يترك وراءه… ألمًا لا يُطاق."
...
وفجأة—
تمزّق ذلك السكون الثقيل، وانقطع خيط التأمل الذي كنا غارقين فيه بصوتٍ صاخبٍ اندفع كحجرٍ أُلقي في ماءٍ راكد:
"إذاً تتآمرون هنا وتتهامسون وحدكم، وتتركونني كمنبوذ؟! أيها الخونة!"
التفتنا جميعًا.
زايروس.
كان يتقدم نحونا بخطواتٍ سريعة، ملامحه مشدودة، وفكّه مقبوض بإحكام، وعيناه تلمعان بغضبٍ لم يحاول حتى إخفاءه.
كان في هيئته شيءٌ يوحي بأنه لم يكن غاضبًا فقط…
بل مستفَزًّا، وكأن وحدته القليلة هناك قد أوقدت فيه نارًا لم يجد لها مخرجًا.
وقبل أن يصل إلينا تمامًا—
ابتسم لوكسيان.
ابتسامة جانبية، بطيئة، مستفزة… وكأن هذه اللحظة خُلقت خصيصًا له.
"ولِمَ كل هذا العتب؟"
قالها وهو يميل بجسده قليلًا، ثم شبك يديه خلف رأسه بلا مبالاة.
"لم يجبرك أحد… على الجلوس هناك كتمثالٍ صامت… أو كزعيم عصابةٍ متقاعد."
عم السكون لجزء من الثانية فقط—
ثم اشتعل.
"زعيم عصابة؟!"
انفجر زايروس، وصوته ارتطم بالجدران.
"أنت آخر من يحق له الكلام عن هذا!"
اقترب خطوة، وعيناه تضيقان:
"أنت… رجل العصابات الحقيقي هنا، يا صاحب الوجه المتغطرس!"
وقفتُ أراقب بصمت.
وفي داخلي… شعورٌ متناقض.
جزءٌ مني شعر بشيءٍ غريب من الارتياح…
كأن عودتهم لهذا الجدال… تعني أنهم ما زالوا كما هم، لم ينكسروا بالكامل.
لكن الجزء الآخر—
لم يفهم.
كيف؟
كيف انتقلنا من الحديث عن موتٍ محتمل…
إلى هذا الشجار… بهذه السرعة؟
استمر الجدال.
لوكسيان مرر يده في شعره ببطء، وكأنه يستعرض نفسه أمام مرآةٍ غير مرئية، ثم قال بابتسامة واثقة:
"هل تظن حقًا… أن وجهًا وسيمًا كهذا… يمكن أن ينتمي لعصابة؟"
رفع ذقنه قليلًا، وكأنّه يمنح كلماته ثقلًا إضافيًا.
شد زايروس على أسنانه حتى بدت عضلات فكه بارزة، وقال بحدة:
"الوسامة… لا تعفي صاحبها من أن يكون سيئًا!"
"كفى!"
تدخل كايرو فجأة، رافعًا يديه بينهما، محاولًا إيقاف التصعيد.
"هل فقدتما عقليكما؟! هذا ليس وقت الشجار!"
نعم!
أحسنت يا كايرو!
أوقفهما!
لكن—
"الحقيقة…"
أكمل كايرو، بنبرةٍ جافة، ونظرةٍ ساخرة لم أتوقعها.
"أنكما الاثنان… تبدوان كرجلَي عصابةٍ من الدرجة الثانية."
…ماذا؟
توقفتُ، ونظرتُ إليه.
هل—
هل هذا ما أراد قوله فحسب؟
ساد الصمت.
ليس صمت تهدئة…بل صمت ما قبل الانفجار.
ببطء—
استدار زايروس نحو كايرو، وعينيه… اتسعتا.
"إذاً… تراني هكذا؟"
صوته لم يكن مرتفعًا… لكنه كان أخطر.
"حسنًا."
خطا خطوة للأمام.
"تعال… ولنتقاتل، هنا. الآن."
"طق."
صوت خافت.
لوكسيان.
حرّك رقبته ببطء، حتى صدر ذلك الصوت الحاد، ثم ابتسم ابتسامة مليئة بالتحدي.
"أجل… فكرة جيدة."
أمال رأسه قليلًا.
"يبدو أنني بحاجة… لتلقينكما درسًا في الاحترام… والذوق الرفيع."
وقبل أن أستوعب ما يحدث—
خلع كايرو سترته ببطء، ثم رماها جانبًا.
"الاحترام؟"
قالها بنبرةٍ خالية من المزاح هذه المرة.
"أنت… آخر من يتحدث عنه."
رفع يديه قليلًا.
"لنتقاتل إذًا."
تجمدتُ في مكاني، وعيناي تنتقلان بينهم.
زايروس… مستعد.
لوكسيان… مبتسم.
كايرو… جاد.
كيف—
كيف وصلنا إلى هنا؟
قبل دقائق… كنا نحسب الموتى.
والآن—
نستعد لمعركة؟
هل…هل لديهم قدرة خارقة على تخطي الصدمات؟
التفتُّ ببطء إلى سيريون الذي يقف جانبًا، ويراقب.
بهدوءٍ بارد… يثير الغيظ.
لا تدخل… لا تعليق… فقط مراقبة.
اقتربتُ منه خطوة، وخفضت صوتي:
"سيريون…"
ترددت.
"هل هذا… طبيعي؟"
ابتلعتُ ريقي.
"أعني… قبل دقائق فقط… كنا نظن أن الرفاق قد ماتوا."
نظرتُ إليه.
"والآن…؟"
لم يحوّل نظره عنهم، فقط قال:
"طبيعي… تمامًا."
"ها؟"
"العقل البشري…"
بدأ بصوتٍ هادئ، وكأنه يشرح قاعدةً بسيطة.
"عندما يُدفع إلى حافة الاحتمال…"
توقف لحظة.
"ويُغمر بضغطٍ يفوق قدرته…"
راقبهم وهم يتبادلون النظرات الحادة.
"فإنه يبحث… عن مخرج."
أكمل:
"الشجار…الحركة… السخرية…حتى التفاهة."
خفض صوته قليلاً.
"كلها…وسائل للهروب."
صمت لحظة، ثم قال بوضوح:
"هم لا يتشاجرون لأنهم غاضبون."
نظر إليّ أخيرًا.
"بل… لأنهم خائفون."
سكتُّ، وشعرتُ بشيءٍ يتغير داخلي.
عدتُ أنظر إليهم.
لم يعودوا مجرد أشخاص يتشاجرون.
بل أشخاص…يحاولون النجاة بطريقتهم الخاصة.
زفرتُ ببطء، وأدركت أن هذه اللعبة…لا تدفعنا فقط للقتل.
بل—
تجبرنا على مواجهة أنفسنا.
والبعض…
يهرب من تلك المواجهة…بصنع معركةٍ أسهل.
...
كان المشهد أمامي… سرياليًا إلى حدٍ يكاد يخلع المعنى من الأشياء.
ثلاثة من أكثر من عرفتهم دهاءً وخطورة…
يتحولون أمام عيني إلى أجسادٍ تتصادم.
بلا نظام.
بلا خطة.
بلا حتى نيةٍ حقيقية للإيذاء.
قبضة زايروس انطلقت كالسهم، لكنها انحرفت في اللحظة الأخيرة.
كأنها لا تريد أن تصيب بقدر ما تريد أن تُفرغ شيئًا مكبوتًا.
لوكسيان، بابتسامته التي لم تفارقه حتى وهو يتلقى الضربات، انحنى بجسده بخفة، ثم ردّ بركلةٍ سريعة.
لم تكن دقيقة…
لكنها كانت كافية لإبقاء الفوضى حيّة.
أما كايرو…
فكان… حالةً خاصة.
تحركاته، التي طالما بدت لي محسوبة، حادة، عسكرية…
بدت الآن متعثرة، غير متزنة، كأن الجسد يقاتل، لكن العقل غائب.
حاول أن يعرقل زايروس، لكن حركته جاءت متأخرة، فارتطم كتفاهما بقوة، وتراجعا معًا بخطوتين ثقيلتين.
الصوت—
صوت الأقدام، الاحتكاك، الأنفاس المتقطعة، واصطدام الأجساد…
ملأ القاعة بطريقةٍ مزعجة.
لكنه…
في الوقت ذاته…
كسر ذلك الصمت القاتل الذي خيّم علينا منذ أيام.
لم يكن قتالًا.
لم يكن شجارًا.
بدا… صراخًا جسديًا.
محاولةً بدائية للهروب من فكرة… أننا قد نكون وحدنا قريبًا.
زفرتُ ببطء، وشعرتُ بثقلٍ غريب يستقر فوق صدري.
…هذا عبث.
لكن—
ربما… نحن بحاجة لهذا العبث.
أدرتُ ظهري لهم، متخليًا عن المشهد، كمن يقرر الانسحاب من حلمٍ غير منطقي.
اتجهت نحو صاحب العمل وريغان.
كانا جالسين على الكراسي، أصواتهما منخفضة، لكن نبرتهما… مركزة.
جلستُ بجانبهما، محاولًا عزل نفسي عن الضجيج خلفي، ومالت أذني تلقائيًا نحو حديثهما.
"الوعي الموقفي… لا يتعلق فقط برؤية الخصم."
قالها ريغان، وهو يضع يده على ذقنه، ناظرًا إلى الفراغ كأنه يرى ساحة معركة غير مرئية.
"بل بقراءة ما لا يُقال… ما يُخفى بين الحركات."
أومأ صاحب العمل ببطء.
"زاوية الوقوف… توزيع الوزن… حتى نظرة العين قبل الهجوم… كل ذلك يفضح النية."
اندمجتُ مع الحديث دون وعي، كأنني أتشبث بأي شيءٍ منطقي وسط هذه الفوضى.
"إذاً… الأمر ليس ردّة فعل، بل استباق."
نظر إليّ ريغان، ثم أومأ.
"بالضبط… أن ترى الضربة قبل أن تولد."
تسللت عيناي بعيدًا عنهما، نحو الجدار الرمادي.
شقوقه…
خطوطه…
تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد.
تساءلتُ—
ماذا يوجد خلف هذا الجدار؟
الحرية؟
غرفة أخرى؟
أم… مجرد فراغ؟
…كم عدد الأشخاص الذين نظروا إلى هذا الجدار قبلي…
وهم يتساءلون إن كانوا سيخرجون أحياء؟
مرّ الوقت ببطء، كقطرات ماءٍ تتساقط في صمتٍ خانق.
حتى بدأ الضجيج خلفنا يخفت تدريجيًا.
التفتُّ.
عاد الثلاثة.
لكنهم… لم يعودوا كما ذهبوا.
وجوههم تحولت إلى لوحاتٍ صغيرة من آثار المعركة.
تورمٌ واضح تحت عين كايرو، شفته متشققة قليلًا، وأنفاسه لا تزال غير منتظمة.
لوكسيان…
جرحٌ رفيع على شفته، يلمع عليه أثر دمٍ خفيف.
لكنه رغم ذلك…
حاول أن يحافظ على تلك الابتسامة المتعجرفة.
أما زايروس…
فكان يمسك بكتفه، أصابعه مشدودة حوله، وعيناه تحملان بقايا توترٍ لم يهدأ بعد.
جلسوا بجانبنا، بصمتٍ ثقيل، تتخلله أنفاسهم المتقطعة.
نظرتُ إليهم…
ثم—
انفجرتُ ضاحكًا.
"ههههه…"
هززت رأسي، وأنا أحاول كبح ضحكتي.
"بصراحة… تبدون كمجموعة مراهقين خاضوا أول شجارٍ لهم في الشارع."
توقفت لحظة، ثم أضفت بابتسامة ساخرة:
"حتى نوكس… لم يكن لينحدر إلى هذا المستوى."
رفع لوكسيان رأسه نحوي ببطء، ثم قلدني بنبرةٍ مبالغ فيها:
"‘ههههه’… يا لها من ضحكةٍ ثقيلة الظل."
مسح الدم عن شفته بإبهامه، ثم ابتسم.
"لا تتحدث عما لا تفهمه يا نيلوت."
تنهد كايرو، وهو يمسح العرق عن جبينه، وقال بصوتٍ متعب:
"كانا مزعجين… أكثر مما توقعت."
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ نصف جادة:
"لو أن قدراتي معي فحسب… لكنتُ جعلتهما يزحفان على الأرض."
ضحك لوكسيان بخفة، رغم تعبه.
"حتى لو كانت معك… كنتُ سأهزمك بوسامتي قبل قبضتي."
ابتسم كايرو بمرارة.
"على أي حال… لا غالب ولا مغلوب، انتهى الأمر بالتعادل."
ثم نظر إلى زايروس.
"أليس كذلك؟"
صمت زايروس لثوانٍ.
عيناه مثبتتين على يديه… المرتجفتين قليلًا.
ثم قال، بصوتٍ منخفض، يحمل شيئًا من الاعتراف:
"أنتم… أقوى مما توقعت."
رفع نظره ببطء.
"لم أكن أعلم أن خلف تلك الوجوه… شيء بهذا العنف."
ابتسم لوكسيان ابتسامة جانبية، ورفع حاجبه.
"أتريد جولةً ثانية—"
"ما الذي دهاكم؟"
الصوت جاء حادًا.
قاطعًا.
كحدّ سيفٍ يهبط بلا إنذار.
التفتنا جميعًا.
صاحب العمل.
كان واقفًا، ينظر إليهم بنظرةٍ ثقيلة… لا تحمل غضبًا بقدر ما تحمل… خيبة.
قلتُ، وأنا ما زلت أبتسم قليلًا:
"مجرد شجارٍ تافه… كالأطفال."
نقل نظره بينهم ببطء، ثم قال، بصوتٍ منخفض لكنه حازم:
"ما زلنا لا نعرف مصير البقية."
تصلّب الجو فجأة.
"لا نعرف إن كان فيلور… أو فيسبر… ما زالوا يتنفسون."
توقفت ابتساماتهم.
"وأنتم… تهدرون طاقتكم… في قتالٍ بلا معنى؟"
خفض الثلاثة رؤوسهم… بصمت.
ابتسمتُ في داخلي.
أجل…
هذا هو.
ضعهم في مكانهم!
لكن—
"مع ذلك…"
قالها فجأة.
رفعنا رؤوسنا.
"طالما لم تصل الإصابات إلى حدٍّ يعيقكم…"
توقف لحظة، ثم أكمل ببرودٍ مفاجئ:
"فلا بأس… بتفريغ ما بداخلكم."
تجمدتُ، ورمشتُ ببطء، ثم نظرت إليه، غير مصدق.
حتى… أنت؟
شعرتُ بشيءٍ غريب يتسلل إلى داخلي.
...
تنهدتُ بخفة، وكأن ذلك الزفير لم يكن مجرد إخراجٍ للهواء…
بل محاولة يائسة لطرد كل ما يثقل صدري.
الأفكار…
الاحتمالات…
الوجوه التي قد لا أراها مجددًا…
كلها التفت حول عقلي كحبالٍ غير مرئية.
وفي لحظةٍ مفاجئة—
شعرتُ برغبةٍ غريبة.
رغبة… في الهروب.
ليس من المكان… بل من التفكير نفسه.
طالما أننا وصلنا إلى هذا الحد…
طالما أن الموت صار احتمالًا عاديًا…
فلماذا لا أتنفس… ولو لوهلة؟
رفعتُ رأسي، وصوتي خرج أعلى مما توقعت، قاطعًا الصمت الذي بدأ يستقر من جديد:
"حسنًا إذًا… طالما أن الأمر مسموح به…"
شدّدتُ على قبضتي، وابتسامة خفيفة شقّت طريقي رغم كل شيء.
"إن كنتم رجالًا حقًا… فلتواجهوني أنا الآن!"
ثانية واحدة.
ثم—
تغير الجو.
اتسعت عينا لوكسيان، وكأن شرارةً اشتعلت داخله فجأة، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة التي يعرفها الجميع…
ابتسامة الغرور التي لا تخطئها عين.
"هذا هو الكلام!"
قالها وهو ينهض ببطء، يمسح أثر الدم عن شفته وكأنه يتزين للمعركة.
"ظننتُ أن الدماء في عروقك قد تجمدت للأبد."
أما كايرو، فرفع حاجبه، ونظر إليّ نظرةً تحمل تحديًا خالصًا.
"وأخيرًا…جاء اليوم."
قالها وهو يشدّ على يديه، صوت مفاصله الخافت يكسر السكون.
"اليوم الذي سأراك فيه… تقاتل قتالاً حقيقياً!"
زايروس—
ضحك.
ضحكةً حادة، مجنونة، تحمل شيئًا من الحماس… وشيئًا آخر أخطر.
"هاهاهاها!"
تقدم خطوة، وعيناه تلمعان ببريقٍ غير مستقر.
"لن أكون رجلًا… إن لم أقبل هذا التحدي."
أشار إليّ بإصبعه.
"وسأهزمكم جميعًا هذه المرة… بدءًا بك يا نيلوت."
وقفتُ ببطء.
قدماي ثبتتا على الأرض، ويديّ انقبضتا حتى شعرتُ بعظام أصابعي تضغط على بعضها.
نبضات قلبي—
تسارعت.
ليس خوفًا.
بل… شيئًا آخر.
شيءٌ أقرب إلى… الحياة.
"هيا!"
قلتُ بصوتٍ منخفض، لكنه خرج ثابتًا.
"سأريكم… كيف يكون القتال الحقيقي!"
واحدًا تلو الآخر—
وقفوا.
لوكسيان…
كايرو…
زايروس…
ثلاثة ظلالٍ امتدت على الأرض، تقترب مني ببطء.
تقدمنا خطوة.
ثم أخرى.
المساحة الفارغة بيننا… تقلصت، والهواء أصبح أثقل، والأنفاس أبطأ.
وكأن القاعة بأكملها… تحبس أنفاسها.
لحظة واحدة فقط…وبدا وكأن كل شيء سينفجر.
لكن—
"طــــــــــق"
الصوت—
كان كالرعد.
تجمدتُ.
لا—
لم أتجمد وحدي.
بل نحن جميعًا.
كأن الزمن نفسه… توقف.
توقفت أنفاسي في صدري، وشعرتُ ببرودةٍ حادة تسري في أطرافي، كأن الدم قد انسحب فجأة.
هل…
هم الرفاق؟
التفتنا جميعًا في نفس اللحظة كأننا جسدٌ واحد.
الباب الضخم—
بدأ ينفتح ببطء.
صوته… لم يكن مجرد احتكاك معدنٍ بحجر.
بل أنينًا.
ثقيلاً… ممتدًا… كأنه يعلن عن شيءٍ لا نريد سماعه.
اتسعت عيناي.
قلبي—
بدأ يخفق بقوةٍ مؤلمة.
فريق؟
عدة أشخاص؟
خمسة؟
سبعة؟
لا.
لم يخرج فريق.
لم يخرج… أحد.
إلا—
شخص واحد.
واحد فقط.
خرج… ببطء.
خطوة.
ثم أخرى.
كأن كل حركةٍ منه… تحتاج إلى جهدٍ هائل.
نوكس.
توقفت أفكاري.
توقفت… تمامًا.
كان يمشي… لكن ليس كمن يعيش، بل كمن… لم يعد يشعر.
كتفاه مائلتان قليلًا، ظهره منحنٍ بقدرٍ خفيف، كأن شيئًا غير مرئي يضغط عليه من الأعلى.
يداه…متدليتان إلى جانبيه.
ثابتتان بشكلٍ غريب.
عيناه—
فارغتان، كأن الضوء… قد سُحب منهما.
كأنهما بئرٌ عميقة… سقط فيها كل شيء… ولم يعد منها شيء.
نظره—
معلق بالأرض، كأنه يرفض…أن يرى.
أن يعترف.
أن يواجه.
ارتجفت يداي، وشعرتُ ببرودةٍ مفاجئة تخترق صدري، تمتد إلى أطرافي، كأن شيئًا داخليًا قد انكسر… دون صوت.
خطوة أخرى.
نوكس… اقترب.
لكن—
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرتُ بحلقي جافًا… كأنني لم أبتلع الماء منذ أيام.
"م… مهلاً…"
همستُ دون وعي، وصوتي… بالكاد خرج.
لماذا…هو وحده؟
أين…
البقية؟
أين روزي…؟
أين… بقية فريقه؟
بدأت أنفاسي تضطرب.
فكرة واحدة فقط—
بدأت تتشكل ببطء.
وبقسوة.
ما الذي...
يعنيه هذا؟