بعد أن أنهى المكالمة، أسند ظهره إلى الحائط وحدّق بلا وعي عبر النافذة.
كانت الشمس تغرب، لكن ضوءها ما يزال يسطع بقوة.
"يا لها من إنسانة مشغولة حقًا…"
تخيّل ألترشا وهي تتوتر وتحمرّ خجلًا في تلك اللحظة، فابتسم بايك يو-سول وتنهد بخفة.
فجأة، مرت الأحداث الأخيرة أمام عينيه كأنها شريط بانورامي.
شطرنج الأرواح.
بصراحة، كان متوترًا قليلًا.
هل ستنجح نظارة الواقع الافتراضي فعلًا في العالم الحقيقي؟
ربما كانت قدراتها محصورة فقط في مستوى قدرات الـNPC داخل الكمبيوتر.
كان ذلك هاجسًا بسيطًا بسبب أداء الـSpec الرخيص.
لكن اتضح أن تلك المخاوف لا أساس لها، بعدما أظهرت النظارة الرخيصة أداءً مبهرًا، وسحقت تمامًا نابغة شطرنج الأرواح "إدمون أتالِك".
حسنًا، في النهاية… كيف يمكن لبشر أن يهزم الذكاء الاصطناعي؟
ما لم يكن لي سي-دول لاعب الدان التاسع. على أية حال، مجرد اكتشاف أن النظارة الرخيصة أدّت أفضل من المتوقع كان مكسبًا كبيرًا.
{t/n: لي سي-دول لاعب محترف في لعبة الـGo من كوريا الجنوبية، ويُعد من أعظم لاعبيها على الإطلاق. اشتهر عالميًا بمباراته ضد الذكاء الاصطناعي AlphaGo.}
على أي حال، حصوله على بطاقة دخول "ندوة أَسلان" كان رائعًا، لكن المشكلة أنها بدت بلا فائدة له.
فالشخصيات الأساسية من نجوم الجيل الصاعد ضمن "الكوكبات الاثنتي عشرة"، ولن يحتاجوا إليها أصلًا.
"هممم، ماذا عليّ أن أفعل؟"
وبينما كان غارقًا في التفكير، جاءه صوت من جانبه.
"أيها العامّي."
"هاه؟"
عندما التفت، وجد هونغ بي-يون مسندة ظهرها إلى الحائط، تحدّق به بهالة غامضة.
كانت أشعة الغروب اللطيفة تنساب وتصطدم بشعرها الفضي، فتجعله يبدو وكأن غبار نجوم يتناثر.
لم يشاهد جنية من قبل، لكنها بدت أكثر سحرًا من أية جنية حقيقية. عيناها الحمراوان كانتا أجمل من الغروب ذاته، وابتسامتها كانت مفعمة بالرضا.
"ماذا هناك؟ هل ظهرت مشكلة أخرى؟"
على كل حال، هو أنهى العقد معها بالفعل.
فلماذا تأتي لمقابلته وحدها؟
وبينما كان يفكر في ذلك، ترددت للحظة وأزاحت خصلة شعر خلف كتفها.
"…… هذه المرة، أدين لك بالكثير. شكرًا لك."
يا إلهي، فكّر.
الحصول على كلمات شكر منها…
مجرد ذلك يجعله يشعر أنه سيعيش عمرًا طويلًا. نظرت إليه مطولًا ثم تحدثت بحذر.
"قلت سابقًا… أنك تريد ثمنًا مقابل مساعدتي. إن أخبرتني الآن ما هو هذا الثمن، سأعطيك جوابًا فورًا."
"أمم…"
الثمن.
في الحقيقة، كان الثمن الذي يريده بايك يو-سول بسيطًا جدًا.
أن تبقى نقية، غير ملوّثة بالشر… وأن تقف دائمًا في صف الخير، حتى يصنع معها "نهاية سعيدة".
هذا كل ما كان يريده.
لكن، لم يكن مناسبًا أن يقول: "أتمنى أن تكوني شخصًا جيدًا."
لذلك، وبخبرة ٢٩ عامًا من الحياة، أعطاها الجواب الأكثر مثالية للموقف.
"اشتري لي وجبة."
"... ماذا؟"
"أقصد… بما أنكِ أميرة، لماذا لا تدعينني لوجبة محترمة آكل فيها حتى الشبع؟"
"..."
نظرت إليه هونغ بي-يون بدهشة، وكأنها لم تتوقع أبدًا مثل هذا الجواب. ثم انفجرت ضاحكة وهزّت رأسها.
"حسنًا. يمكنني أن أعزمك على وجبة… مهما كانت فاخرة."
أشارت له بأن يتبعها. قد يبدو الأمر قديماً أو حتى مضحكاً في هذا العصر، لكن أكاديمية ستيلّا كانت تحتوي على موقف سيارات.
وبما أن السيارات موجودة في هذا العالم، فهذا أمر طبيعي.
مع أن السيارات نادرة مقارنةً بالعصر الحديث وتقتصر غالباً على طبقة الأغنياء، فإن أغلب طلاب ستيلّا من عائلات ثرية، ولذلك امتلأ الموقف بسيارات فاخرة من مختلف الأنواع.
ومن بينها، كانت سيارة هونغ بي-يون بارزة بشكل ملفت، تكشف بوضوح لأي شخص يراها مدى ثمنها الفاحش.
في الأصل، كان من المفترض أن يكون الساحر المرافق جالساً في المقعد الأمامي، لكنه لم يكن موجوداً اليوم.
وعندما فتح السائق العجوز باب السيارة باحترام، دخلت هونغ بي-يون برشاقة، بينما جلس بايك يو-سول بجوارها وهو يشعر بالارتباك قليلاً، ثم انطلقت السيارة بهدوء.
كان الإحساس بالركوب مشابهاً جداً لسيارات العصر الحديث، مما جعله يفاجأ قليلاً.
ارتفع جانب فمه وهو يفكر بالمأكولات الفاخرة التي سيستمتع بها.
"ههه، ماذا يجب أن آكل؟"
مع أنه سبق أن تناول لحم الخنزير الأسود، إلا أنه شعر أن هذا النوع من الطعام سيكون اختياراً باهتاً جداً عندما تكون جالسة أمام أميرة آل أدولفايت.
فمع كمية ثروتها، يمكنها أن تطعمه أرقى أطعمة عالم الإيثر حتى ينفجر.
لكن، في الحقيقة، كانت هونغ بي-يون قد قررت مسبقاً ما الذي ستتناوله منذ اللحظة التي وافقت فيها على دعوة العشاء.
لم تكن تعرف الكثير عن الرجل المسمّى بايك يو-سول. كان شخصاً غامضاً مليئاً بالأسرار.
وفجأة، تذكّرت المرات التي تجاهل فيها العروض الداعمة والطلبات المستمرة من أبراج السحر الشهيرة.
في ذلك الوقت، اعتقدت أنه مجرد عامّي متغطرس لا يعرف قدر نفسه.
كان ذلك تفكيراً بسيطاً وساذجاً منها.
لكن الحقيقة أنه كان يسير وفق خطة واضحة.
هو لا يريد أن يتبع المسار الذي رسمته "العائلة الملكية أدولفايت".
لديه طريقه الخاص الذي يريد أن يمهده بنفسه.
أمس كان مليئاً باليأس، واليوم يقبل ذلك اليأس، وغداً سيواجه موجة جديدة منه.
ماضي بايك يو-سول، المليء بالجروح، أصبح مكشوفاً الآن.
ما أكثر شيء كان يؤلمه؟ الناس يتنفسون الأكسجين ليعيشوا، أما هو فكان يعيش بالتنفس من الألم.
ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر بأن مشاعره أصبحت بالية ومتهالكة؟
يبحث عن شيء جميل ومضيء في داخله.
لا الجواهر الثمينة، ولا الأطباق الفاخرة كانت تعني أي شيء لبايك يو-سول.
إن كان هناك شيء واحد يملك قيمة لديه... ويستطيع أن يرمّم قلبه الممزق… فهو طبق الـ
جاجانغميون
ولعل… لا أحد غيره كان يدرك ذلك.
[مطعم جاجانغميون]
وصلوا إلى المكان.
"هل هذا… حقيقي؟"
"نعم."
نظر بايك يو-سول إلى هونغ بي-يون ثم إلى المطعم، غير قادر على التصديق، لكنها دخلت بثقة.
تبعها وهو يشعر بالتشاؤم.
هل حقاً…؟
فوا غرا؟ كانابيه بالكافيار؟ ريزوتو الكمأة السوداء…؟
الرجل الذي كان يتوقع أجود ما في عالم الطعام، دخل خلفها كأنه مهزوم.
"مرحباً!"
كان حضور هونغ بي-يون كافياً لإرباك الأشخاص العاديين، فاقترب صاحب المطعم، الذي كان يتثاءب قبل لحظات، بعينين متسعتين.
"المنيو."
"هـ-ها هي!"
جلست بثقة وأخذت تحدّق بلوحة الأصناف.
لم تكن تعرف أي طبق تقريباً.
لكن كان هناك طبق واحد تعرف اسمه: جاجانغميون.
"سآخذ هذا." قالت بي-يون وهي تقدّم طلبها.
ثم نظرت إلى بايك يو-سول الجالس أمامها.
هو أيضاً كان يقرأ المنيو، لكن تعابيره لم تكن مطمئنة.
لماذا؟
فكّر طويلاً، متردداً، ثم قال أخيراً:
"أمم… ثلاث اطباق جامبونغ وطلب تانتسويوك واحد."
"...هاه؟"
كان طلباً غريباً بالنسبة لهونغ بي-يون.
"لماذا؟ لا استطيع طلب ثلاث اطباق؟"
"لا… ليس الأمر كذلك… أنا…"
ترددت، ثم أغلقت فمها سريعاً قبل أن تسأله لماذا لم يطلب الجاجانغميون.
وفجأة… فهمت السبب.
هل يعقل…؟
اكتشفت هونغ بي-يون خطأها.
كيف ظننتُ أن شاباً مثله تجاوز ماضيه بسهولة…؟
لماذا كتب عن والدته وعن الجاجانغميون في واجب "ذكريات الماضي"؟
لماذا كانت كل كلماته مليئة بالحزن؟
بايك يو-سول… ما زال محبوساً داخل ذلك الماضي.
والدته الضعيفة الهزيلة، التي ادّخرت كل ما تملك، لتنفقه على طبق جاجانغميون واحد لطفلها.
ثم، عندما كبر… أدرك فضلها.
لكن… كان ذلك بعد فوات الأوان.
قبل أن يتمكن من ردّ الجميل… كانت قد غادرت هذا العالم.
كان يركّز على المستقبل، وإلا لما استطاع أن يعيش بهذه الطريقة القتالية.
لكن… الحقيقة أنه ما زال يعاني، مكبّلاً بسلاسل الماضي.
في طفولته، كان يعشق الجاجانغميون.
أما الآن… فقد صار رمزاً للندم.
لم تدرك ذلك إلا في هذه اللحظة. احمرّت وجنتاها من الخجل، وخفَضت رأسها.
"أنا آسفة… أني دعوتك لمكان كهذا."
"هاه؟ لا، لا بأس."
خفضت رأسها أكثر وبدأت تعبث بأصابعها.
إنها شخصية غريبة فعلاً… لكنها على الأقل فهمت أني ربما مررت بظروف مالية صعبة.
همم…
وبما أنها أميرة… أظن أنه لا مشكلة لو أضفت طلب اخر، صحيح؟
رفع صوته نحو المطبخ:
"سيدي! نريد طبق دمبلنغ مقلي ايضًا!"
"الدمبلنغ في الطريق يا سيدي!"
"أوه."
يبدو أن الحظ كان يميل لهما قليلاً… على الأقل هذا اليوم.