لم يكن ها تاي-ريونغ معروفًا تحديدًا بمهاراته المميزة في الكتابة.

كانت أبحاثه واسعة وعميقة، لكنها غالبًا ما عُرضت بطريقة معقدة ومتشابكة.

كان يدوّن اكتشافاته بإسهاب، ثم ما إن يدرك حقيقة جديدة أثناء الكتابة حتى يسارع إلى محو ما كتب وتعديله، تاركًا وراءه العديد من المقاطع الغامضة التي يصعب فهمها.

كان من شبه المستحيل تصوّر أنه كتب هذه الأعمال ليقرأها الآخرون، ومع ذلك، وعلى الرغم من تعقيدها، لم يكن بالإمكان منع النفس من التفكير:

“ومع ذلك… هناك شيء جذّاب فيها.”

داخل أبحاث ها تاي-ريونغ، يمكن العثور على كمٍ هائل من الوقائع التاريخية التي لم تُدوَّن في أي سجل رسمي.

بل إنها تجاوزت حتى معرفة أشهر المؤرخين.

لم يكن ها تاي-ريونغ شخصية بارزة الذكر في اللعبة الأصلية.

لكن حضوره وتأثيره كانا أعظم بكثير مما قد يُتوقّع؛ ففي النهاية، كان واحدًا من التلاميذ الاثني عشر للساحر العظيم، وشغل مكانة شديدة الأهمية.

كانت تلك حقبة يخيّم عليها خطر وشيك، حيث كانت الشياطين والسحرة المظلمون يهددون العالم.

في تلك الأزمنة، كان السحرة هم أبطال البشرية.

امتلكوا قوى أشبه بقوى السادة، قادرين على القضاء على كيانات لا تُقهر بضربات مدوّية وقوى تهزّ الأرض.

وُلد ها تاي-ريونغ في عصر انتهت فيه فوضى الحروب، ودخل عالمًا تنعّم بالسلام.

تراجعت التنانين إلى الظلال، وانسحبت الشياطين إلى مواطنها المنعزلة، وفرّ السحرة المظلمون إلى الأراضي المهجورة.

خرجت البشرية منتصرة، وبدأ عالم مليء بالأحلام والأمل والضحكات.

في الحقيقة، حتى مقدمة عالم الاثير صوّرت مثل هذا العالم المثالي.

لكن الواقع غالبًا ما يختلف عن المظاهر.

بعد الحرب، استقر المجتمع البشري، لكن أمرًا طبيعيًا حدث—عالم تهيمن عليه فئة السحرة.

فمن ذا الذي يجرؤ على تحدّي من يمتلك قوى سيادية؟

تلاشت أهمية النسب والمكانة الاجتماعية أمام قوة السحر.

في هذا العالم، كان الذكاء وإتقان السحر هما ما يحددان مكانة المرء.

أما الساحر العظيم نفسه، فقد أخفى مكان وجوده، وترك وراءه اثني عشر تلميذًا صعدوا إلى أعلى مراتب السلطة.

كانت هذه قصة مألوفة لبايك يو-سول أيضًا.

فنفوذ هؤلاء السحرة الاثني عشر استمر حتى العصر الحالي، وأسماؤهم ترددت مرارًا في الأحداث الرئيسية.

“أدولفايت، ساحر النار”،

“مورف، ساحر الجليد”،

وغيرهم كثيرون—أصبحوا اليوم العائلات الاثنتي عشرة الأرفع شأنًا في العالم، يتمتعون بسلطة لا تضاهى.

“هممم…”

وكما كشف ها تاي-ريونغ في كتاباته، فقد حوّلوا المجتمع السحري بشكل ممنهج إلى نظام طبقي، شبيه بحضارة الأرض الحديثة في القرن الحادي والعشرين.

سعى هذا المستند إلى تفسير سبب احتفاظ العالم الذي بنوه بنظام أرستقراطي بدا وكأنه عصيّ على التغيير.

“هل نحن عالقون في هذا النظام الطبقي البائس بسبب هؤلاء الصغار؟”

خوفًا من المعاناة التي قد يتكبدها نسله في ظل هذا النظام، واجه ها تاي-ريونغ تلاميذ الساحر العظيم الاثني عشر بشجاعة.

لكن بايك يو-سول كان يعرف نهاية هذه القصة بالفعل.

كان هانول قد أخبره بها من قبل.

{م/م: مين هانول؟ احد يتذكر؟}

“لقد قُتل على يد تلاميذ الساحر العظيم الاثني عشر.”

وبينما كان يفكر، لم يسعه إلا أن يشعر بوجود كيانٍ خالد يُدعى “سيلستيا”.

كانت متورطة في معظم أحداث التاريخ.

وبسبب اختبائها الدائم ودخولها في سبات طويل، لم تستطع تذكّر كل ما شهدته بدقة.

“هممم…”

ومع ذلك، احتوى هذا البحث على العديد من القصص التاريخية الشيقة، المكتوبة بعناية.

صحيح أنها كانت ملتوية وغير مرتبة مقارنة بالكتابات الحديثة، لكنه وجد متعة غريبة في محاولة فك رموزها.

[إن طول العمر مرتبط ارتباطًا مباشرًا بمدة بقاء المانا داخل الجسد.

فالمانا، في جوهرها، هي طاقة الحياة نفسها.

والسبب في احتفاظ السحرة المخضرمين بشبابهم هو براعتهم في حفظ المانا وصيانتها.

أما نحن، فمانانا ضئيلة إلى حد يكاد يكون معدومًا داخل أجسادنا.

ومع ذلك، نحن ندور باستمرار ونتلقى المانا من الطبيعة.

والسبب الوحيد لموتنا هو أن كمية المانا التي نتلقاها قليلة للغاية.

هذا دفعني للتفكير:

ماذا لو وجدت طريقة للاحتفاظ ولو بأدنى خيط من المانا التي تمر عبر جسدي لفترة أطول؟

هل يمكن لهذا أن يتجاوز مجرد إطالة العمر ويصل إلى الخلود؟

انطلاقًا من هذه الفكرة، طورت تقنية لتنفس المانا عبر الجسد بأكمله.

وأخيرًا، تبلورت الطريقة.

صحيح أن السحرة يستخدمون تقنيات تنفّس أيضًا، لكنها تركز أساسًا على تجميع المانا في الرأس والقلب وأسفل البطن—وهي غير مجدية لمن يعانون من تسرّب المانا مثلي.

لكنني أدركت منذ زمن بعيد أهمية تقنيات التنفس الصحيحة، وداومت على التمارين الهوائية لتوسيع سعة رئتي، ما يسمح لي بامتصاص أكبر قدر ممكن من المانا.

تُسمّى هذه التقنية “قانون القلب”.

وكما قد يتضح من الاسم، فهي ليست مجرد تمارين تنفّس آلية، بل تقوم على تهذيب العقل والانسجام مع الطبيعة، واحتضان الجوانب اللانهائية للكون.

وهذا هو المبدأ الأساسي لقانون القلب.]

“قانون القلب…”

قد يبدو الاسم وكأنه مأخوذ من روايات الفنون القتالية أو من نصوص دينية غامضة، لكنه لم يبدُ غير قابل للتصديق تمامًا.

ففي عالمٍ يكون فيه السحر نفسه حقيقة، لا يعود مثل هذا المفهوم غريبًا.

أما فكرة الخلود، فبدت خيالية، لكنها في جوهرها تعني زيادة تدفق المانا في عروقه، ما يعزز قدراته.

‘… هل أجربه؟’

جلس بايك يو-سول في أكثر وضعية مريحة، تمامًا كما ورد في البحث—أو بالأحرى، في “المخطوطة السرية”—وأغمض عينيه بهدوء.

————

في بعض عطلات نهاية الأسبوع، كانت هونغ بي-يون تخرج.

ليس للنزهة أو الاستجمام، بل لزيارة مقبرة العائلة الملكية لأدولفايت.

كان هذا المكان المقدس مثوى الراحة الأخير حصريًا لملوك وملكات أدولفايت.

انتشرت فيه قبور لا تُحصى، لكن القليل منها فقط كان مرتبطًا مباشرة بهونغ بي-يون.

ومع ذلك، لم تكن تشعر بالكثير من الارتباط تجاه أقاربها البعيدين المدفونين هنا.

بل رأت في ذلك نعمة خفية، إذ أعفاها من أعباء عاطفية ثقيلة.

“هونغ يولين أدولفايت، كزهرة تائهة في مهب الريح…”

كانت أختها الكبرى، هونغ يولين، تقول بابتسامة دافئة دائمًا:

“عندما أرحل، أرجوكِ تأكدي من نقش هذه الكلمات على شاهد قبري.”

وفي النهاية، أصبحت تلك العبارة نقشها الأخير، تاركة هونغ بي-يون عاجزة عن الابتسام.

فالضحك على مثل هذه المزحة كان أمرًا يفوق طاقة أي إنسان.

لطالما كانت هونغ يولين أختًا كبرى محبة ومتفهمة لهونغ بي-يون.

نضجها، دفئها، هدوؤها، وتعاطفها… لم يشبهها أحد.

كانت ذكرياتها مليئة بكل ما هو جميل فيها.

حتى الآن، كلما فكّرت هونغ بي-يون في هونغ يولين، كانت صورة مرجٍ ممتلئ بالزهور، وشعرها الفضيّ المتلألئ يرقص مع الريح، تبرز فورًا في ذهنها.

كان المشهد يبدو غير واقعي وبعيدًا، كحلم.

في تلك الفترة، شعرت هونغ بي-يون بأنها منفصلة عن الجميع في المملكة.

كان جسدها يحمل آثار تدريبٍ قاسٍ لرفع توافقها مع النار، حتى غطّت الحروق جسدها.

شعرها الذي كان يومًا كثيفًا وجميلاً احترق، فاضطرت إلى ارتداء قبعة دائمًا، أما بشرتها فأصبحت بشعة، وكأنها في طور التحلل.

غارقة في كراهية الذات، كانت تؤمن أن لا أحد يستطيع فهم ألمها حقًا.

ظنّت أنها الوحيدة التي تعيش حياة مثقلة بكل هذا العذاب.

ثم، في يومٍ مصيري، اكتشفت أن هونغ يولين مصابة بمرضٍ لا شفاء له.

لم يكن سبب المرض أو طبيعته معروفين، لكنه كان داءً مرعبًا يجعل جسدها يشتعل بالنيران تدريجيًا.

في تلك اللحظة، تضاعف حبّ هونغ بي-يون لأختها الكبرى أضعافًا.

أدركت أن أختها تحمل الألم ذاته، أو ربما ألمًا أعظم مما تحمله هي نفسها.

كانت هونغ يولين تعرف جيدًا مدى الرعب والعذاب في أن يُلتهم الجسد والروح بالنار.

العيش كقنبلة موقوتة، والاضطرار إلى إبقاء الجميع على مسافة، كانت تفهم تمامًا الوحدة والخراب اللذين يرافقان ذلك المصير.

كانت هونغ يولين الشخص الوحيد في العالم الذي يستطيع فهمها حقًا.

لكن، للأسف… كان الأوان قد فات بالفعل.

“بي-يون، هل أتيتِ؟”

كانت أختها مستلقية هناك، شاحبة وضعيفة، غير قادرة على الخروج بسبب ألسنة اللهب التي كانت تنفجر من جسدها بين حينٍ وآخر.

لذلك، ولأول مرة، بذلت هونغ بي-يون جهدًا من أجل شخصٍ آخر.

على الرغم من أن مظهرها كان قبيحًا ومنفّرًا، فقد تحلّت بالشجاعة وخرجت، لأنها لم تكن تعاني من الاشتعال التلقائي.

سعت بكل إخلاص إلى خوض التجارب لتشاركها مع هونغ يولين، وكانت ترويها لها بحماس كلما التقيا.

كانت أختها الكبرى تستمع دائمًا بوجهٍ مشرق.

“حقًا؟”

“لا بد أن ذلك كان صعبًا، يا أختي الصغيرة.”

كان الوقت الذي قضتاه معًا قصيرًا بشكل مؤلم.

ولهذا، بذلت هونغ بي-يون جهدًا يائسًا لقضاء المزيد من اللحظات معها، مستغلة كل ثانية.

تلك الذكريات الثمينة مع أختها الكبرى منحتها إحساسًا حقيقيًا بالحياة.

… لكن ذلك الزمن السعيد لم يدم طويلًا.

وضعت هونغ بي-يون زهورًا وردية ناعمة على شاهد القبر.

كانت أحداث ذلك الوقت ما تزال حاضرة بوضوح في ذاكرتها.

في لحظاتها الأخيرة، وحتى وسط جحيمٍ مشتعل، كانت تتذكر ابتسامتها الموجّهة إليها.

“أتمنى لكِ السعادة.”

بعد أن ذاقت ألم الحب والفراق، فهمت حجم المعاناة التي يخلّفها، معاناة أشدّ وأحرق من الاحتراق بالنيران.

مرضٌ لا شفاء له.

كانت هذه الكلمات تضرب في أعماقها على نحوٍ مقلق.

رغم التقدم الهائل في السحر، لماذا لم تتمكن البشرية بعد من القضاء على الأمراض تمامًا؟

مؤخرًا، عرفت بحالة تُدعى “تخلّف تراكم المانا”، وهي حالة يولد فيها المرء غير قادر على تجميع المانا بشكل طبيعي، ويواجه عمرًا قصيرًا مأساويًا.

قبل أقل من عام، لم يكن لهذا المصطلح أي معنى بالنسبة لهونغ بي-يون.

أما الآن، فقد تغيّر كل شيء جذريًا.

لقد تغيّر الكثير…

كانت تأمل ألا تتكرر مثل هذه المآسي في المستقبل، لكن مرة أخرى، دخل شخصٌ ما حياتها واحتل مكانًا كبيرًا فيها.

وهذا الشخص، تمامًا كحبّها الأول، كان يعاني من مرضٍ لا شفاء له.

ربما، في يوم تخرّجه من ستيلا، حين يبلغ العشرين، سيستسلم له.

“… لا أريد أن أتحمّل هذا الألم مرة أخرى.”

عبر التاريخ، لم يتمكّن أحد من علاج تخلّف تراكم المانا.

لكن العائلة الملكية لأدولفايت تنحدر من أحد التلاميذ الاثني عشر للساحر المؤسس، وتمتلك إرثًا خاصًا يُعرف باسم “زهرة هوارانغ”.

تقول الأسطورة إن عطر هذا الكنز يستحضر “تجسّد النار” داخل الجسد.

وعلى الرغم من أنه يمنح مانا هائلة، فإن الفشل في السيطرة على تجسّد النار قد يؤدي إلى حريقٍ كارثي، ولهذا تم حظره.

“… ومع ذلك، ينبغي أن يكون البقاء ممكنًا.”

إن ظهور التجسّد يعني أن الجسد قد تشرّب حضورًا سياديًا، ويمتلك بطبيعته مخزونًا هائلًا من المانا.

وهكذا، كانت زهرة هوارانغ تحمل أمل علاج تخلّف تراكم المانا.

على الرغم من أنها كانت محفوظة في أعماق القصر، ولا يمكن الوصول إليها إلا من قبل الملك…

“سأصبح الملك.”

كانت تسعى بلا هوادة لاعتلاء العرش، وهو حلمٌ تشاركته مع أختها الكبرى.

لكن من هذه اللحظة فصاعدًا، ستسعى إلى هذا الهدف بإصرارٍ أكبر.

كان هدفها أن تصعد إلى العرش قبل أن تنتهي حياته، في يوم تخرّجه من ستيلا.

قبضت هونغ بي-يون على قبضتها بقوة حتى انغرست أظافرها في راحة يدها.

كانت حاسمة في قرارها.

“أنا… يجب أن أصبح ملكًا.”

2026/01/08 · 156 مشاهدة · 1593 كلمة
Iam_no_name
نادي الروايات - 2026