117 - “لا تنسَنا هنا في الأقاليم”، ولكن كانت هناك جدية خفية في نبرتها.

تلقيتُ مكالمة من سول في ظهيرة يوم ثلاثاء. كنتُ غارقًا في الأوراق حين اهتز هاتفي، ليلفت انتباهي رمز منطقة سول على الفور. وبينما كنت أستمع إلى التأكيد الرسمي على استدعائي أنا وهان إلى سول، شعرتُ بمزيجٍ غريبٍ من الارتياح والحنين.

مرت الأيام القليلة التالية كلمح البصر، بين الوداعات والأمور العالقة. نظمت كو لقاء وداعٍ صغيرًا، كاشفة عيناها عن وميض من الحزن رغم مظهرها المهني المعتاد.

قالت مازحة: “لا تنسَنا هنا في الأقاليم”، ولكن كانت هناك جدية خفية في نبرتها.

أجبتُها: “كيف لي أن أفعل ذلك؟” كنتُ أعنيها أكثر مما توقعت. ثم أردفت: “اعتني بنفسك يا كو، وواصلي نضالك الشريف”.

وبينما كنتُ أُرتِّب مكتبي وأجهز لمغادرته، اقترب مني الضابط شون، وبدا عليه الارتباك.

بدأ قائلًا وهو يفرك مؤخرة عنقه: “انظر، أعلم أننا لم نتفق دائمًا في الرأي، ولكن... لقد أنجزت عملًا جيدًا هنا. سول محظوظة بعودتك”.

تأثرتُ بهذا الثناء غير المتوقع. قلت له: “شكرًا لك يا شون، هذا يعني لي الكثير”.

كانت الرحلة بالسيارة عائدين إلى سول طويلة وهادئة. غفا هان في مقعد الراكب، بينما كنتُ أقود عبر الطرق السريعة المألوفة، أراقب المشهد الطبيعي يتغير من مزيج غوانغجو الصناعي والريفي إلى امتداد سول الحضري الواسع. [ ترجمة زيوس]

ما إن دخلنا حدود المدينة، حتى اتجهتُ مباشرة إلى مطعم جدتي. غمرتني الرائحة المألوفة لطبخها فور أن دفعت الباب، وللحظة، شعرتُ وكأنني لم أغادرها قط.

صحتُ قائلًا: “جدتي!” حين لمحتها تنشط في المطبخ.

التفتت، وتوهج وجهها. قالت: “آه يا إلهي! ولدي!” ثم سارعت نحوي، لتضمني إلى عناق دافئ تفوح منه رائحة الثوم والجوتشوجانغ. وبختني قائلة، وهي تتراجع لتتأملني بنظرة فاحصة: “أنت نحيف جدًا، ألم يطعموك في غوانغجو؟”

لم أتمالك نفسي من الضحك. أجبتها: “اشتقت إليكِ أيضًا يا جدتي”.

اقتادتني إلى طاولة، وكانت قد بدأت بالفعل بتحضير أطباقي المفضلة. طالبتني قائلة: “أخبرني بكل شيء”.

كنتُ في منتصف سردي لنسخة منقحة من وقتي في غوانغجو حين رن هاتفي. أوقفني الاسم الظاهر على الشاشة للحظة: كبير المشرفين تشوي.

قلتُ: “اعذريني يا جدتي”، ثم خرجتُ لأتلقى المكالمة.

أجبتُ، محاولًا إبقاء صوتي ثابتًا: “المحقق بارك مينجون يتحدث”.

جاءني صوت تشوي الهادئ والآمر: “آه يا بارك، لقد علمت أنك عدت إلى سول”.

قلت: “نعم سيدي، لقد وصلت اليوم للتو”.

ساد صمت، وكدتُ أتخيل وجهه وهو يومئ برأسه. قال: “جيد، جيد. كيف كانت إقامتك في غوانغجو؟ آمل أنها كانت... تعليمية”.

اخترتُ كلماتي بعناية. قلت: “لقد كانت تجربة بلا شك يا سيدي، تعلمت منها الكثير”.

أجاب: “أنا متأكد من أنك فعلت”، وبدا في نبرته لمحة لشيء لم أتمكن من تحديده تمامًا. ثم أضاف: “استمع، أود أن تأتي لمقابلتي غدًا عند إبلاغك بالحضور. هناك بعض الأمور التي نحتاج لمناقشتها”.

تسارعت أفكاري، متسائلًا عما يمكن أن يكون الأمر. قلت: “بالطبع يا سيدي، في الصباح الباكر غدًا؟”

قال: “نعم، سيكون ذلك جيدًا. أتطلع إلى حديثنا”.

انقطع الخط، وبقيتُ أحدق بهاتفي، ومزيج من الفضول والترقب يجتاحني.

عدتُ إلى الداخل، حيث كانت جدتي قد أعدت ما يكفي من الطعام لثلاثة أشخاص. وبينما كنتُ أجلس لتناول الطعام، كانت الاحتمالات تدور في ذهني بالفعل. ما الذي يريد تشوي مناقشته؟ هل يتعلق الأمر بوقتي في غوانغجو؟ أم أن هناك شيئًا آخر يحدث؟

قالت جدتي ملاحظة، مقطعةً حبل أفكاري: “تبدو قلقًا، هل كل شيء بخير؟”

أجبرتُ نفسي على الابتسام. قلت: “كل شيء بخير يا جدتي، أنا فقط أفكر في عمل الغد”.

أومأت برأسها، غير مقتنعة تمامًا. قالت: “حسنًا، انسَ العمل الآن. كُل! عليك استعادة قوتك”.

وبينما أتذوق النكهات المريحة لِلطعام المألوف، حاولتُ أن أبعد أفكار اجتماع الغد عن ذهني. مهما كان ما يريده تشوي، سأواجهه وجهًا لوجه. الآن، سأستمتع بلحظة السلام هذه، محاطًا بالمشاهد والروائح المألوفة للمكان الذي اشتقتُ إليه أكثر مما أدركت.

في صباح اليوم التالي، وجدتُ نفسي واقفًا أمام مكتب كبير المشرفين تشوي، وشعورًا بالديجا فو يجتاحني. بدا الأمر وكأنه بالأمس حين وقفتُ هنا أول مرة، ضابطًا مبتدئًا ذا طموح يفوق خبرته، غير مدرك أن هذا اللقاء سيغير مسار مسيرتي المهنية.

تذكرتُ الطاقة العصبية التي كانت تتوهج في داخلي حينها، والطريقة التي قومت بها ربطة عنقي باهتمام مبالغ فيه، وصففت شعري. والآن، بعد سنوات، أصبحتُ أكثر اتزانًا، ولكن لا تزال هناك خفقة من الترقب في معدتي.

أومأت لي سكرتيرة تشوي، وهي امرأة ذات وجه صارم أتذكرها بشكل مبهم من زياراتي السابقة. قالت: “إنه ينتظرك”، ثم نهضت لتصحبني إلى الداخل.

فور أن انفتح الباب، غمرتني موجة من الحنين. لم يتغير المكتب كثيرًا؛ ففيه المكتب المهيب نفسه، والإطلالة ذاتها على أفق سول، ونفس الرائحة الخفيفة للتبغ التي لم يتمكن تشوي قط من القضاء عليها تمامًا رغم محاولاته للإقلاع عنه.

لكن ما لم أكن مستعدًا له هو رؤية هان، يجلس بالفعل في أحد الكراسي المواجهة لمكتب تشوي. بدا متفاجئًا برؤيتي قدر مفاجأتي به.

نهض تشوي حين دخلتُ، ووجهه جامد الملامح كعادته. قال: “آه أيها المحقق، تفضل بالجلوس من فضلك”.

أومأتُ برأسي، ثم جلستُ في الكرسي المجاور لهان. تبادلنا نظرة سريعة، وكلا منا يتساءل بوضوح عما يدور.

جلس تشوي مجددًا، وشبك يديه على المكتب. كانت نظراته حادة، مذكّرة إياي بذلك اللقاء الأول منذ سنوات حين رأى فيّ شيئًا لم أكن قد أدركته أنا بنفسي بعد.

بينما كنتُ أجلس في مكتب تشوي، بِتُّ أشعر أن الأجواء أصبحت مشحونة بالتوتر فجأة. تعبيرات هان لا تُقرأ، ولكن كانت هناك نظرة عارفة في عينيه تخبرني أنه قد تم إطلاعه بالفعل. كان الصمت في الغرفة خانقًا، ولم يكسره سوى صوت دقات خافت لساعة على الحائط.

انحنى تشوي إلى الأمام، وصوته ينخفض إلى ما يشبه الهمس. قال: “ما سأخبرك به... يتعلق بوالديك”.

توقف قلبي عن النبض للحظة. جريمة القتل الغامضة التي طاردتني لسنوات، والسبب ذاته الذي من أجله أصبحت محققًا - فجأة، أصبح هذا كل ما يمكنني التركيز عليه. شعرتُ أن راحتا يدي بدأتا تتعرقان، فأمسحها بخفية على سروالي.

نجحت في تلعثم كلماتي: “والداي... والداي؟ ماذا عنهما؟”

عينا تشوي، الحادتان والمركزتان عادةً، تلين قليلًا. قال: “كنت أعرفهما، كنت أعرفهما جيدًا، خاصة والدك”.

أرمش بعينيّ، في حيرة. قلت: “أتعرف والدي؟ ولكن كيف؟ لقد كان مجرد–”

قاطعني تشوي بلطف: “عامل مصنع؟ هذا ما قيل لك، أليس كذلك؟”

أومأتُ برأسي، أشعر أنني أفقد توازني شيئًا فشيئًا. قلت: “نعم، كان يعمل في مصنع دايوون للمكونات، وكان مشرف خط إنتاج”.

هز تشوي رأسه ببطء. قال: “كانت تلك مجرد واجهة له. الحقيقة هي... أن والدك كان يعمل لديّ. كان ضابط شرطة. ولم يكن مجرد ضابط، بل كان من أفضل من عرفتهم على الإطلاق”.

بدا أن الغرفة تدور بي. أمسكتُ بذراعي الكرسي لأثبّت نفسي. قلت: “ضابط؟ أبي كان ضابطًا؟ لكن... لكن هذا مستحيل. كنت سأعلم. كان أحدهم سيخبرني”.

تحرك هان في مقعده بجواري، ثم مسح حلقه. قال بهدوء: “كانت معلومات سرية. هوية والدك الحقيقية لم تكن معلومة سوى لمجموعة مختارة فقط”.

التفتُ إلى هان، أشعر بموجة من الخيانة. قلت: “أأنت كنت تعلم بهذا؟”

هز هان رأسه. قال: “ليس حتى وقت قريب. لقد أطلعني كبير المشرفين تشوي قبل وصولك مباشرة”.

استند تشوي إلى كرسيه، ووجهه تعلوه علامات الندم. قال: “كان والدك متورطًا في عملية سرية عميقة. كنا نحقق في أمر عصابة لها صلات بتجارة المخدرات الدولية. كان يُشتبه في مصنع دايوون للمكونات بأنه واجهة لعملياتهم”.

استمعتُ، أشعر أنني أغرق أعمق في كابوس سريالي مع كل كلمة. أبي، الرجل الذي ظننتُ أنني أعرفه، أصبح فجأة غريبًا.

تابع تشوي: “اقتربنا من والدك بسبب خلفيته في الهندسة. كان مثاليًا لهذا الدور. كان بإمكانه أن يعمل بمصداقية في المصنع بينما يجمع المعلومات الاستخباراتية التي نحتاجها”.

سألتُ، وصوتي يكاد لا يتجاوز الهمس: “وأمي؟ هل كانت تعلم؟”

أومأ تشوي برأسه بجدية. قال: “كانت تعلم، وكانت شجاعة بشكل لا يصدق، داعمة لوالدك في كل ذلك”.

أغمضتُ عينيّ، وصورة وجه أمي القلق تتوهج في ذهني. كل تلك المرات التي ظننتُ فيها أنها قلقة فقط بشأن ساعات عمل أبي الطويلة في المصنع... هل كانت تخشى على حياته بالفعل؟

سألتُ، فاتحًا عينيّ لألتقي بنظرة تشوي: “ماذا حدث خطأ؟”

تعتّمت ملامح تشوي. قال: “كان والدك يقترب. يقترب أكثر من اللازم. بطريقة ما، اكتشفوا أنه ليس من ادعى أنه هو. لقد ألقي القبض عليه”.

صدمتني كلماته كضربة جسدية. شعرتُ بالدماء تنسحب من وجهي بينما تتضح الآثار.

بدأتُ قائلًا: “لهذا السبب...” لكنني لم أتمكن من إكمال الجملة.

أومأ تشوي برأسه، وصوته مثقل بالندم. قال: “لهذا السبب قتلا. أرادت العصابة إرسال رسالة لنا، ولأي شخص قد يفكر في مواجهتهم”.

أمسكتُ بذراعي الكرسي، ومفاصلي بيضاء. الغضب، الحزن، الحيرة - كل ذلك يتقلب في داخلي، مهددًا بالفيضان. نجحتُ في أن أسأل، وصوتي يكاد لا يتجاوز الهمس: “لماذا... لماذا تخبرني بهذا الآن؟”

صمت تشوي للحظة طويلة، وعيناه مثبتتان على عينيّ. بدا أن دقات الساعة تتعالى في الصمت. وحين تكلم أخيرًا، أرسلت كلماته صدمة عبر جسدي كله.

قال: “لقد حددنا هوية من قتل والديك”.

2026/03/01 · 5 مشاهدة · 1330 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026