بينما أفضت الرسالة، وقع بصري فورًا على توقيعها في الأسفل، كانت من الراهبة العجوز التي التقيتها في الكنيسة.
كانت الرسالة خليطًا من الإلحاح الرقيق واليأس المستتر بالكاد، ففيها تكتب الراهبة عن أبواب الكنيسة المفتوحة، وعن دعوة دائمة لجدتي كي تزورها. وقد اتضح من نبرتها أن هذه ليست الرسالة الأولى من نوعها، بل كانت هناك رسائل أخرى، ظلّت جميعها دون رد فيما يبدو.
ولكن لمَ؟ لمَ هذه الراهبة شديدة الرغبة في زيارة جدتي؟ ولمَ كانت جدتي تتجاهل هذه الرجاءات؟
طويت الرسالة بعناية، ثم أدسستها في جيبي، فما من طريق واحد فقط للحصول على الإجابات، بل عليّ أن أسأل جدتي مباشرة. لكن الأمر سيضطر إلى الانتظار حتى الصباح.
جلست في أحد الكراسي، مستعدًا لقضاء ليلة غير مريحة.
أيقظتني الأصوات الخافتة لجدتي وهي تتحرك في المطبخ، وكان ضوء الشمس قد بدأ يتسلل من النوافذ حينما لمحتني.
"بارك مينجون؟" تتعجب قائلةً وهي متفاجئة. "ما الذي تفعله هنا؟ هل كنت هنا طوال الليل؟"
تمددت متألمًا من عضلاتي المتصلبة، ثم أجبنها بكذبٍ ببراعة: "لقد جئت متأخرًا ولم أرغب في إيقاظك. فكرت أن أساعدك في الفتح قبل أن أذهب إلى العمل."
هزت رأسها وقد ارتسم القلق على وجهها، قائلةً: "عليك أن تذهب إلى المنزل وتحصل على قدرٍ كافٍ من الراحة."
"أنا بخير يا جدتي،" أصررت، وقد بدأت أتحرك لأساعدها في الاستعدادات الصباحية.
عملنا في صمتٍ مريح لبعض الوقت، وقد انغمسنا في الروتين المعتاد الذي أسسناه قبل سنوات. كنت أترقب الفرصة المناسبة لأثير موضوع الرسالة.
بينما كنا نعدّ أطباق البانشان، ذكرت عرضًا: "آه، لقد لاحظت أن لديك بعض البريد المتراكم. آمل ألا تمانعي، لقد قمت بفرزه لك."
أومأت جدتي، دون أن ترفع بصرها عن عملها، قائلةً: "شكرًا لك، هذا لطف منك."
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اندفعت إلى صلب الموضوع: "كانت هناك رسالة من الكنيسة. من راهبة، في الحقيقة. يبدو أنها تحاول التواصل معك منذ فترة."
تجمدت يدا جدتي للحظة، ثم عاودتا العمل. لكنني لم يغب عني التوتر الذي ظهر فجأة في كتفيها.
"أوه؟" قالت بصوت محايد بعناية. "لا بد أنني غفلت عنها."
ضغطت بلطف: "بدت الراهبة شديدة الرغبة في زيارتك. هل تعرفينها؟"
ساد صمت طويل. وحين استدارت جدتي أخيرًا لتواجهني، كان في عينيها خليطًا من الحزن والاستسلام الذي يؤلم قلبي.
"بارك مينجون،" قالت بصوت خفيض، "هناك أمور من الماضي من الأفضل تركها حيث هي. أبواب لا ينبغي أن تُعاد فتحها."
علقت كلماتها في الهواء بيننا، مثقلة بالمعاني. كنت أرى الألم في عينيها، وثقل أسرار طال أمد كتمانها.
"جدتي،" قلت بلطف، "ما الذي لا تخبرينني به؟ ما صلتك بهذه الكنيسة؟"
تنهدت بعمق، وارتخت كتفاها. للحظة، بدت أكبر سنًا وأكثر ضعفًا مما رأيتها عليه من قبل.
"إنها قصة طويلة،" قالت أخيرًا.
أخذت نفسًا عميقًا، وأشدّ من أزري. لا يمكن أن يستمر هذا بعد الآن، فثقل الأسرار وأنصاف الحقائق أثقل من أن أتحمله.
"جدتي،" قلت بصوت هادئ ولكن حازم، "أحتاج إلى إخبارك بشيء. أنا أعلم بشأن مقتل والديَّ. وأعلم أنه لم يكن حادثًا. أعلم بشأن وظيفة والدي الحقيقية، وأنه كان متخفيًا. وأنا أحقق فيما حدث لهما بالفعل."
شحب وجه جدتي، واتسعت عيناها بصدمة. للحظة، بدت متجمدة، غير قادرة على الكلام. ثم، ببطء، هزت رأسها، مستجمعة قواها.
"أنا... أنا لا أعرف عم تتحدث،" قالت، وصوتها يرتجف قليلًا. "والداك ماتا في حادث. هذا كل ما في الأمر."
كنت أرى الألم في عينيها، وكفاحها للحفاظ على القصة التي تشبثت بها طويلاً. لكنني لا يمكنني التراجع الآن.
"جدتي، من فضلك،" أتوسل. "أعلم أن الأمر صعب، لكنني أحتاج لمعرفة الحقيقة. عن والديَّ، عن الكنيسة، عن كل شيء."
استدارت جدتي مبتعدة، قابضة بيديها على حافة المنضدة. "بعض الأمور،" قالت بصوت خفيض، "تحتاج إلى أن تبقى مدفونة في الماضي. من أجل الجميع."
شعرت بموجة من الإحباط، لكنني كبتها. عوضًا عن ذلك، اقتربت منها، وصوتي رقيق لكنه حازم: "أتفهم شعورك يا جدتي، وأحترم ذلك. لكنني لا يمكنني ترك هذا الأمر يمر. ليس من أجلي فحسب، بل من أجل والديَّ أيضًا. إنهما يستحقان العدالة، وسأجدها."
استدارت إليّ مجددًا، وعيناها تبحثان في وجهي. وبعد لحظة طويلة، تنهدت بعمق. "لقد كنت مثلكِ ذات يوم،" اعترفت. "مصممة على إيجاد الإجابات، وفهم ما حدث. لكن ذلك لم يجلب سوى المزيد من الألم."
أنصت باهتمام بينما واصلت حديثها: "الكنيسة... لقد تواصلوا معي حينما كنت أعاني. الراهبة، كانت طيبة. لقد قدمت لي الراحة الروحية حينما كنت في أمس الحاجة إليها. ولكن الآن... الآن لا يعيد ذلك سوى ذكريات أفضل نسيانها."
استوعبت هذه المعلومات، وعقلي يتسابق. "إذن، هل قطعت صلاتك بهم؟ بالراهبة؟"
أومأت جدتي برأسها. "اعتقدت أنه الأفضل. أن نمضي قدمًا، ونركز على الأحياء." نظرت إليّ، وعيناها مليئتان بخليطٍ من الحب والقلق، قائلةً: "أردت حمايتك من كل هذا." [ ترجمة زيوس]
أخذت يديها بين يديّ، أضغط عليها بلطف. "أتفهم يا جدتي. حقًا. لكنني أحتاج أن أُكمل هذا الأمر حتى النهاية. من أجل أمي وأبي، ومن أجلكِ، ومن أجلي. أعدك أنني سأكون حذرًا."
تأملتني طويلاً، ثم أومأت ببطء. "أنت تشبه والدك كثيرًا،" قالت بصوت خفيض. "نفس العزيمة، نفس الشجاعة. لكن أرجوك، كن حذرًا. فالحقيقة... قد تكون خطيرة."
بينما أحتضنها، شعرت بثقل الكلمات غير المنطوقة بيننا. لا يزال هناك الكثير الذي لا أعرفه، والكثير الذي لم تخبرني به.
ترددت كلمات جدتي في ذهني: "الحقيقة قد تكون خطيرة."
جلست في سيارتي، مركونة خارج المطعم.
كلمات جدتي، الكنيسة، تشوي، لي — هناك نمطًا هنا، أنا أعرف ذلك. ولكن في كل مرة أظن أنني قريب من رؤية الصورة الكبرى، ينزلق بعيدًا كالدخان من بين أصابعي.
فجأة، اخترق صوت باندي أفكاري: "حسنًا، هذا أصبح مملًا بعض الشيء، أليس كذلك؟"
اشتد الغضب في صدري، وقلت: "ممل؟ هذه ليست مجرد لعبة يا باندي. إنها حياتي وحياة والديَّ هي التي نتحدث عنها."
تغيرت نبرة باندي، لتصبح اعتذارية: "آه، اعتذاري. لم أقصد الإساءة. الأمر فقط... حسنًا، لا يبدو أن هناك مجالًا كبيرًا لخبرتي الخاصة بعد الآن."
أخذت نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة نفسي: "إذا كان الأمر كذلك، فما عليك سوى... تقبل الأمر. هذا ليس عنك."
قال باندي متنازلًا: "هذا عدل." ثم، بعد توقف، أضاف: "لكن كما تعلم، يبدو لي أن الكنيسة، وتلك الراهبة العجوز تحديدًا، تمسك بمفتاح كل هذا. لا يعني أنني مغرم بهذا المكان، لا تفهمني خطأ، لكن ربما زيارة أخرى في محلها؟"
أكره الاعتراف بذلك، لكن لـِـباندي نقطة وجيهة. فالكنيسة تظهر مرارًا وتكرارًا. الراهبة العجوز، صلتها بجدتي، معرفتها الظاهرة بالماضي — كل ذلك يشير إلى هناك.
"أنت محق،" قلت على مضض. "أحتاج للعودة إلى الكنيسة لأتعمق أكثر."
"لا أريد أن أكون مثبطًا للعزيمة، أيها المحقق، لكن ما هي خطتك الكبرى هنا تحديدًا؟ لا يمكنك أن تتدخل إلى كنيسة وتطلب الإجابات فحسب. فهؤلاء المتدينون قد يكونون صامتين بشكل محبط عندما يريدون ذلك."
لم أستطع إلا أن أبتسم بخبث. للمرة الأولى، شعرت أنني خطوة متقدمة على صوتًا في رأسي. "في الواقع، لدي خطة،" قلت، بينما أمد يدي إلى جيبي بيد وأبقي الأخرى على عجلة القيادة.
سحبت الرسالة من الراهبة العجوز إلى جدتي، رافعًا إياها كما لو أن باندي يمكنه رؤيتها بالفعل. "هذه الدعوة لم تكن موجهة إليّ، لكنني سأستغلها على أي حال."
"أوه؟" ازداد فضول باندي. "أخبرني إذًا."
"الراهبة كانت تتواصل مع جدتي، تتوسل إليها عمليًا لزيارتها،" شرحت. "لذا سأظهر أنا بدلًا منها. أريد أن أرى كيف ستكون ردة فعلها عندما أكون أنا من يعبر تلك الأبواب بدلًا من جدتي."
ضحك باندي، وهو صوت يبعث دائمًا قشعريرة غير مريحة في عمودي الفقري: "ذكي، ذكي حقًا. قليل من الحرب النفسية. أوافق على هذا. لكن ماذا لو صدتك ببساطة؟"
هززت رأسي، وقد استقرت العزيمة في نفسي: "لن تفعل. إنها منغمسة جدًا في هذا الأمر أيًا كان. إذا كانت قد حاولت بجدية لدرجة دفع جدتي للحضور، فستقبل بما يمكنها الحصول عليه. وهذا سيكون أنا."
"ثم ماذا؟" ضغط باندي.
"عندها سأبدأ في طرح الأسئلة،" قلت بحزم. "عن جدتي، عن تشوي، وعن صلة الكنيسة بكل هذا. لقد سئمت أنصاف الحقائق والتلميحات الغامضة. حان وقت الحصول على إجابات حقيقية."
اتخذ صوت باندي نبرة بدت وكأنها فخر: "حسنًا، حسنًا. انظر إليك، لقد كبرت وتلعب بجدية. تذكر فقط أيها المحقق، في ألعاب كهذه، غالبًا ما تكون المخاطر أعلى مما تدرك. كن حذرًا."
بينما تلاشى وجود باندي، قبضت على عجلة القيادة بقوة أكبر. إنه محق بشأن أمر واحد — هذه لعبة خطيرة. لكنني لقد دخلت اللعبة بكلّي الآن. لا مزيد من الاختباء، ولا مزيد من الهروب من الحقيقة.
_________________________________
تذكيرٌ واجبٌ من المترجم: ليكن في علم القارئ الكريم، أن كل شخصية، كل حدث، وكل حبكة في طيات هذه الرواية، هي محض نسجٍ من الخيال البشري للمؤلف، ولا تمت للواقع بصلةٍ أو حقيقةٍ ثابتة.
إنها مجرد حكايةٍ عابرةٍ بين ثنايا الورق، لا ينبغي لها أبداً أن تلهي النفس عن ذكر الله العظيم، أو عن التفكر في آياته الكبرى، أو عن تقدير قيمة الحياة الحقيقية ومسؤولياتها الجادة. فكل تلهٍ عن الحقائق الجوهرية هو خسارةٌ. هذا العمل الفني، بجماله وروعته، يبقى في النهاية وهمًا متخيلاً لا أكثر.
قدمه لكم زيوس، بكل أمانةٍ وإخلاصٍ في النقل، مع هذا التنبيه الواعي.