بينما كنا أنا وهان نشق طريقنا عبر شوارع شمال سول الضيقة والمتعرجة، لم أستطع إلا أن يساورني شعورٌ بالقلق. فهذا حيٌّ أعرفه جيدًا، مكانٌ يخنقها ضباب كثيف من الفقر واليأس المعلق في الجو.
لكن هان بدا غافلاً عن هذه الأجواء، فوجهه يشرق ترقباً ونحن نقترب من مطعم جدتي. إنه مكان صغير متواضع، علامته الباهتة فوق الباب بالكاد يمكن قراءتها في ضوء مصابيح الشارع الخافت.
من الخارج، يبدو المطعم مهترئًا ومهملًا، جدرانه تلطخت بسنين من الأوساخ والإهمال. لكن ما إن خطونا إلى الداخل، حتى غمرني دفء المكان وإحساسه الأليف، وعبق الحساء المطبوخ ببطء واللحوم التي تئز على النار يملأ الأجواء.
كان المطعم شبه خالٍ في هذه الساعة المتأخرة، الطاولات والكراسي قديمة لكنها نظيفة، والأرضية مبقعة لكنها مكنوسة. برزت جدتي من المطبخ، وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة ترحيبية ما إن رأتْنا.
“آه، حفيدي!” هتفت، وصوتها يفيض فخرًا وحنانًا. “وقد أحضرت صديقًا، كما أرى.”
انحنى هان بانكسار، وشقت وجهه ابتسامة عريضة. “إنه لشرف لي مقابلتك يا جدتي،” قال بصوت مفعم بالاحترام. “لقد أخبرني حفيدك الكثير عن طبخك الشهير.”
احمرّ وجه جدتي خجلًا من المديح، وعيناها تبرقان بمكر. “حسنًا، آمل ألا يكون قد رفع سقف توقعاتك كثيرًا،” قالت بصوتها المداعب. “ولكن تعاليا اجلسا. سأعد لكما شيئًا مميزًا على عجل أيها الشابان.”
بينما أخذنا مقعدينا على طاولة قريبة، لم أستطع إلا أن يغمرني شعور بالدفء والرضا. هذا المكان، بديكوره المتواضع وجوه الأليف، بدا كملاذٍ آمن في خضم فوضى المدينة وظلامها.
ولكن ما كدنا نستقر في أماكننا حتى انفتحت بقوة باب المطعم ودخل رجل، يلقي معطفه الداكن الثقيل ظلالاً على وجهه. كان أكبر سنًا، ربما في الخمسينيات أو الستينيات من عمره، بوجه محفور بالزمن ومرهق بالهموم، وعينين تبدوان وكأنهما تختزنان أسرار العمر.
استقبلته جدتي بحرارة، وأشرق وجهها بالتعرف عليه. “آه، السيد لي!” هتفت، وصوتها يفيض حنانًا. “كم هو جميل أن أراك مرة أخرى. طبقك المعتاد، أفترض؟”
أومأ الرجل برأسه، ووجهه جامد بينما اتخذ مقعدًا على طاولة قريبة. لم يتكلم، ولم يكترث لوجودنا حتى بينما هرعت جدتي إلى المطبخ لإعداد وجبته.
انحنى هان مقتربًا مني، بصوت خفيض ومليء بالفضول. “من هذا؟” سأل، وعيناه مثبتتان على الغريب الغامض.
هززت كتفي، وشعرت بوخز من القلق في جوفي. “لست متأكدًا،” قلت بصوت متردد. “إنه يأتي إلى هنا منذ سنوات، ويطلب دائمًا الشيء نفسه. لكنه لا يتكلم أبدًا، ولا يتفاعل مع أحد حقًا.”
أومأ هان برأسه، وحاجبه معقود في تفكير. “أتدري،” قال، وصوته يأخذ نبرة تآمرية، “هناك شائعات تدور عنك وعن كبير المشرفين تشوي. يقول الناس إنكما تربطكما صلة قرابة، وإنه أولى اهتمامًا خاصًا بمسيرتك المهنية.”
غمرني احمرار الغضب والإحراج، وقبضتاي تنقبضان تحت الطاولة. “هذا سخيف،” قلت، صوتي مشدود بالعاطفة. “لا تربطني بتشوي أي صلة قرابة. إنه مجرد رئيسي، لا أكثر.”
لكن حتى مع خروج الكلمات من بين شفتي، لم أستطع إلا أن أشعر بوميض من الشك، بإحساس أن هناك أسرارًا وخفايا تكمن تحت السطح في حياتي.
وبينما عادت جدتي بأطباق متصاعدة البخار من الطعام الشهي المطهو في المنزل، دفعت تلك الأفكار جانبًا، مركزًا بدلًا من ذلك على دفء هذه اللحظة وراحتها.
جلست على طاولتنا، وقد ارتسمت على وجهها علامات القلق، وشعرت بالقلق يستقر في أعماقي. انحنت مقتربة، بصوت خفيض وملحّ بينما بدأت تتكلم.
“هل تتذكر جونغ، ابن جارنا القديم؟” سألت، عيناها تبحثان في عيني عن علامة للتعرف. “أنا قلقة عليه. لقد أصبح يأتي إلى المطعم مؤخرًا، ويبدو... مهمومًا.”
أومأت برأسي، وعاد بذهني مسرعًا إلى الشاب الذي عرفته في شبابي. كان جونغ دائمًا هادئًا جادًا، من النوع الذي يحتفظ بمشاكله لنفسه.
“ما الذي يحدث؟” سألت، صوتي لطيف ولكنه متسائل.
تنهدت جدتي، وتدللت كتفاها تحت وطأة كلماتها. “أعتقد أنه يواجه مشاكل مع زوجته،” قالت بصوتها الذي بالكاد يتجاوز الهمس. “لن يقول الكثير، لكنني أرى الألم في عينيه. كنت آمل... ربما يمكنك الذهاب للاطمئنان عليه؟ لترى إن كان هناك أي شيء يمكنك فعله للمساعدة؟”
شعرت بوخز من التردد، وشعور بالقلق حيال فكرة الانخراط في شؤون شخصية للآخرين. “جدتي،” قلت، صوتي لطيف لكنه حازم، “لست متأكدًا من أن هذه فكرة جيدة. أنا مشغول بعملي الجديد، وليس لدي الوقت الكافي لـ...”
لكن قبل أن أكمل جملتي، انحنى هان إلى الأمام، ووجهه يفيض حماسًا وجدية. “الآن، الآن،” قال بصوت مليء ببهجة مصطنعة، “دعونا لا نتسرع. بالتأكيد هناك شيء يمكننا فعله للمساعدة، حتى لو كان مجرد الاستماع أو تقديم بعض النصائح الودية.”
شعرت بوميض من الانزعاج من كلماته، بإحساس أنه يتجاوز حدوده. لكن قبل أن أتمكن من الرد، مدت جدتي يدها وأمسكت بيدي، وعيناها تتوسلان.
“من فضلك،” قالت، صوتها يرتجف بالعاطفة، “جونغ كان دائمًا لطيفًا معي، وسخيًا بوقته وماله. أكره رؤيته يعاني هكذا.”
أخذت نفسًا عميقًا، ممزقًا بين واجبي كضابط شرطة ورغبتي في مساعدة صديق قديم في حاجة. لكن بينما نظرت في عيني جدتي، علمت أنني لا أستطيع أن أدير ظهري لها، ولا أستطيع ببساطة أن أدير وجهي عن الألم واليأس الذي أراهما فيها.
“جدتي،” قلت، صوتي خفيض وملحّ، “دعنا نتحدث في هذا الأمر على انفراد. لا أريد إزعاج المفتش هان بالتفاصيل، خاصة وأنه قد بذل جهدًا إضافيًا لزيارتنا الليلة.”
بدأ هان يحتج، ووجهه يعكس القلق. “هل أنت متأكد؟” سأل، صوته متردد. “يسعدني أن أساعد بأي طريقة ممكنة.”
لكنني هززت رأسي، وشعور بالعزيمة يستقر في داخلي. “أنا متأكد،” قلت، صوتي حازم وثابت. “شكرًا لك على عرضك، أيها المفتش هان. لكن هذا شيء أحتاج أن أتعامل معه بمفردي.”
نهض هان من مقعده، وشقت وجهه ابتسامة عريضة مريحة. “حسنًا، يجب أن أنصرف الآن،” قال بصوت يفيض دفئًا وامتنانًا. “شكرًا جزيلاً على الوجبة اللذيذة يا جدتي. لقد كان من دواعي سروري حقًا.”
مد يده إلى جيبه، وأخرج محفظته وبدأ يقلب الأوراق النقدية بداخلها. لكن جدتي كانت سريعة في التدخل، وامتدت يدها لتردعه.
“لا، لا، لا،” قالت بصوتها الحازم لكنه لطيف. “ضع ذلك بعيدًا أيها المفتش هان. مالك لا ينفع هنا.”
بدأ هان يحتج، وارتسمت على وجهه مزيج من الدهشة والإحراج. “لكن يا جدتي،” قال صوته مترددًا، “لا أستطيع أن أتركك تطعمينني مجانًا. من فضلك، دعيني أدفع حصتي.”
لكن جدتي لم تتقبل ذلك على الإطلاق. ألقت عليه نظرة صارمة، وعيناها تبرقان بمكر وحنان. “هراء،” قالت، بصوتها الذي لا يقبل جدلاً. “أنت صديق حفيدي، وهذا يجعلك فردًا من العائلة. والعائلة لا تدفع في هذا المطعم.”
تبادلا الحديث لبرهة قصيرة، وهان يحاول الإصرار على الدفع وجدتي ترفض التنازل. ولكن في النهاية، استسلم هان، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة مليئة بالامتنان.
“حسنًا، حسنًا،” قال بصوت يفيض ضحكًا واستسلامًا. “لقد فزتِ يا جدتي. لكنني أحذرك، سأعود. وفي المرة القادمة، سأحضر الفريق كله.”
صفقت جدتي يديها بفرحة، وأشرق وجهها ابتهاجًا بهذا الاحتمال. “رائع!” هتفت. “سأتأكد من إعداد طعام يكفي لإطعام جيش.”
بينما كان هان يشق طريقه خارج المطعم، استدار لي لوح مودعًا، ووجهه لا يزال مشقوقًا بتلك الابتسامة المريحة والمعدية. “إلى اللقاء في المرة القادمة،” نادى، صوته يتردد في سكون الليل.
ثم اختفى، انغلقت الباب بقوة خلفه وعاد الصمت ليطبق على المطعم مرة أخرى.
بعد لحظات قليلة، نهض السيد لي من طاولته، ووجهه لا يزال مظللاً وحركاته لا تزال متصلبة وغير متقنة. شق طريقه إلى المنضدة، وأخرج بضع أوراق نقدية متجعدة ووضعها بعناية على السطح.
“شكرًا لك،” تمتم، بصوت خفيض وخشن. ثم اختفى هو الآخر، متسللاً إلى الليل كشبح.
[ ترجمة زيوس]
وهكذا، بقينا أنا وجدتي وحدين في السكون الهادئ للمطعم. استدارت إليّ، وقد ارتسمت على وجهها علامات القلق، وامتلأت عيناها بإلحاح هادئ.
“الآن،” قالت بصوتها الخفيض والجاد، “بخصوص جونغ...”